يبلغ عدد الفيروسات على كوكب الأرض، أضعاف تعداد البشر، بينما يبلغ عدد مضادات الفيروسات الفعالة، حوالي 90 مضادًا فيروسيًا.

يمكن القول بأن مسيرة حياة الإنسان، تتلخص في حربه ضد الجراثيم، من بكتيريا، إلى فيروسات، وحتى الطفيليات والديدان. وتعد الأمراض الفيروسية واحدة من أكثر أسباب الوفيات في العالم، فعدوى الجزء السفلي من الجهاز التنفسي أودت بحياة 3.2 مليون شخص عالميًّا في عام 2015، وأودى فيروس نقص المناعة المكتسبة (AIDS) في العام ذاته بحياة 1.1 مليون شخص، ويسجل «الالتهاب الكبدي الوبائي ج»، أو ما يعرف بفيروس سي، أكثر من 185 مليون إصابة عالمية، أي أكثر من 3% من سكان العالم، أما فيروس كورونا المستجد؛ فسجَّل حتى وقت كتابة هذا التقرير، أكثر من مليون وربع إصابة.

الفيروس.. كائن دقيق قادر على تعطيل كل مسارات الحياة

«إن أكبر مهدد لاستمرار سيطرة الإنسان على الأرض هو الفيروس». *جوشوا ليدربرج، عالم البيولوجيا الجزيئية

والفيروس هو أصغر كائن حي يمكن أن يصيبك، وهو لا يقدر على التكاثر إلا داخل عائل وسيط، والذي يمكن أن يكون أي كائن حي. لا يمتلك الفيروس خلايا، لذلك هناك جدل في عدِّه كائنًا حيًّا. ويحتوي الفيروس على مادة وراثية في صورة «DNA» أو «RNA»، ويحتوي عادةً على غلاف من البروتين، كي يحمي المادة الوراثية. بمجرد دخول الفيروس للخلية المستهدفة؛ يحقن مادته الوراثية داخل الخلايا بعدة طرق، ويحولها لمصنع إنتاج فيروسات جديدة، بدلًا من إنجاز مهامها كخلايا طبيعية.

تختلف التواريخ الواردة عن سنة اكتشاف أول الفيروسات في العالم، لكن الأكيد أن أول فيروس مكتشف كان يحمل اسم «فيروس تبرقش التبغ» الذي يصيب النباتات. فالفيروس لا يصيب البشر فقط؛ لكنه يصيب البكتيريا، ويصيب الحيوانات أيضًا. فبعض الفيروسات يصيب الدجاج، وبعضها يصيب الخنازير، ويتحور الفيروس أو يتغير شكله، مثلما يتحور فيروس الإنفلونزا؛ لذا نضطر لأخذ المصل كل عام.

يحدث التحور عادةً كي يتمكن الفيروس من التطفل على عائل جديد، ومن هنا تأتي الفيروسات الجديدة، وهذا ما حدث مع فيروس كورونا المستجد، الذي اتخذ من آكل النمل الحرشفي (بحسب آخر الأبحاث المعلنة) عائلًا، ومنه انتقل إلى الإنسان.

كيف بدأت مضادات الفيروسات؟

عملية تطوير مضاد فيروسات عملية معقدة، وحدثت ببطء شديد، على عكس المضادات الحيوية، التي اكتُشفت مصادفةً عام 1928، على يد الطبيب الإنجليزي ألكسندر فلمنج، عندما اكتشف أثناء عمله في المختبر الخاص به، على دراسات التعقيم، أن مزارع البكتيريا في أحد أطباق بتري، تذوب حول الفطريات التي نبتت في الطبق بفعل تعرضه للهواء. وخلُص إلى أن هذه الفطريات أفرزت مادة (والتي عرفت لاحقًا بالبنسلين)، قاتلة للبكتريا العنقودية الموجودة في الطبق، ومن هنا كان اكتشاف المضادات الحيوية.

ولسنوات عديدة كان يُعتقد أنه لا يوجد مضاد فعال للفيروسات؛ ذلك لأن الفيروسات هدف صعب للعلاجات المتخصصة؛ لأنها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على خلايا الكائن الذي تحتله من أجل التكاثر، وقد قُدم أول مضاد فيروسي في عام 1963، وتعتمد آلية عمل معظم هذه المضادات على منع الفيروس من التكاثر.

ويصعب تطوير مضادات الفيروسات أيضًا لغياب طريقة منهجية يمكن بها اكتشافها، فلعقود طويلة كانت اكتشافات مضادات الفيروسات الأولى تحدث مصادفةً خلال استخدام أدوية لأغراض علاجية أخرى. وفي معظم الأحوال كانت الطريقة التي تعمل بها مضادات الفيروسات غير واضحة بالكامل لنا.

وقد مرت المضادات بعدة مراحل من «دواء واحد لكل فيروس»، إلى «دواء واحد لعدة فيروسات»، وذلك بعد اكتشاف دواء واسع المدى لعدة فيروسات أو «BSAAs». وهذا الاكتشاف الأخير مبني على ملاحظة أن بعض الفيروسات تأخذ مسارات، وتستخدم عوائل متماثلة للتكاثر.

لماذا يصعب علاج فيروسات مثل فيروس نقص المناعة؟

لكن مع قدرتنا على علاج فيروسات مثل «الالتهاب الكبدي ج»، يظل من الصعب علاج فيروس الإيدز، أو لا بد من أن يتناول المريض علاجًا للإيدز مدى الحياة.

Embed from Getty Images

وذلك لأن فيروس نقص المناعة المكتسبة يصيب نوعًا من خلايا المناعة تسمى الخلايا التائية المساعدة، والتي تتصدى لحمايتنا من الفيروسات والفطريات. كما أن فيروس الإيدز هو نوع من «الفيروسات المرتدة» التي تنسخ شفرتها الوراثية بداخل الخلايا المصابة، وفي الفترة الأولى من الإصابة بالفيروس، يُستنسخ بداخل الخلايا التائية المساعدة، وتتدمر الكثير منها خلال هذه العملية. بعدها يستمر الفيروس في الاستنساخ ويدمر المزيد والمزيد من الخلايا المناعية خط الدفاع الأول ضد الأمراض، وعندما تقل هذه الخلايا بشكل كبير، يكون المريض عُرضة لمختلف الإصابات بالعدوى، فقد أصبح بلا غطاء مناعي.

مسيرة تطور علاج فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي

تطوُّر علاج «فيروس الالتهاب الكبدي ج»، مثال بليغ على مسيرة تطور مضادات الفيروسات المتخصصة والمركبة لعلاج الأمراض الفيروسية. فقد مر علاج «فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي ج» بمسيرة طويلة من التطور، تعاظمت في الفترة من 2001 إلى 2011، وتطور العلاج من إنترفيرون وريبافيرين، إلى مضاد فيروسي متخصص. فقد بدأ علاج «الالتهاب الكبدي ج» في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بالإنترفيرون ألفا-2ب (IFNA2B). لكنه ساعد في تحسن ثلث الحالات فقط، وتعرضت الحالات لمعدل انتكاسات عالية.

في أواخر التسعينيات، تطور العلاج إلى خليط من إنترفيرون ومضاد فيروسي معًا هو الريبافيرين، ولاقى العلاج الجديد نجاحًا، على الرغم من أن العلماء ما يزالون يجهلون الطريقة التي يعمل بها مضاد الفيروس، والذي ما يزال يُستخدم حتى الآن. وفي أواخر الألفينيات بدأ العلماء في تطوير أدوية تستهدف الفيروس ذاته، وفي 2017 أقرت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) مركبًا من ثلاثة مضادات فيروسية، وصلت نسبة نجاحه في شفاء الحالات إلى حوالي 97%، ويأمل العلماء في المستقبل أن تصل نسبة الشفاء إلى 100%.

لماذا نحتاج إلى المزيد من المضادات الفيروسية؟

نمتلك الآن أكثر من 90 مضادًا فعالًا لفيروسات معينة مثل الحلأ البسيط، والفيروس المضخم للخلايا، والإنفلونزا، وفيروس الالتهاب الكبدي من النوعين «ب» و«ج»، لكننا ما زلنا في حاجة ماسة لتطوير مضادات الفيروسات الحالية، وإنتاج مضادات لأمراض فيروسية بعينها، عابرة للمقاومة، لاسيما للاجتياحات التي تسببها الفيروسات المستجدة، مثل الإيبولا، وفيروس زيكا، ومؤخرًا فيروس كورونا المستجد؛ وذلك بسبب مقاومة سلالات الفيروسات الجديدة، ولأن كثيرًا من المضادات ذات حيز عمل ضئيل، بالإضافة إلى أن تحور الفيروسات جينيًّا (خاصةً التي تمتلك حمضًا نوويًّا ريبوزيًّا RNA) تقل معه بالضرورة فعالية مضادات الفيروسات.

علوم

منذ 6 شهور
تعرَّف إلى أنواع الميكروبات التي تعيش معنا على الأرض

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد