بعد وصول عصر الديناصورات إلى نهايته قبل حوالي 65 مليون سنة، كانت هناك قبيلة من النمل، يعرفها العلماء باسم أتيني (Attini)، قررت أن تتخلى عن حياة الصيادين المعتمدة على الجمع والالتقاط، وتتحول لأن تصبح قبيلة من المزارعين بدلًا من ذلك. هذا هو ما فاجأت به دراسة وراثية جديدة.

بعد وصول عصر الديناصورات إلى نهايته، أي قبل حوالي 65 مليون سنة، كانت هناك قبيلة من النمل، يعرفها العلماء باسم أتيني (Attini)، قررت أن تتخلى عن حياة الصيادين المعتمدة على الجمع والالتقاط، وتتحول لأن تصبح قبيلة من المزارعين بدلًا من ذلك.

هذا ما كشفت عنه دراسة وراثية جديدة. ويُعدّ هذا التحرك من قبل النمل آنذاك، تغيّرًا مثيرًا للدهشة، بخاصة وأن البشر تمكّنوا من إنجاز هذا التغيّر قبل حوالي 10 آلاف سنة فقط!

النمل «أتيني»

تعود أصول هذا النوع من النمل إلى أمريكا الجنوبية. وبدأت زراعة الفطريات التي تنمو من خلال عملية تحلل الخشب، لتبدأ ثورة تطورية غير مسبوقة في تاريخ كوكب الأرض.

ومنذ حوالي 25 مليون سنة، بدأت مجموعة من هذا النمل الزارع للفطر، بزراعة وإنبات نوع معين وخاص من الفطريات التي تنتج بصيلات غنية بالبروتين، التي توفر موادَّ غذائية ذات قيمة غذائية عالية للنمل.

وأدى هذا النوع الجديد من الزراعة إلى تكون مستعمرات النمل العملاقة، ونموها بشكل متزايد حتى ما قبل 15 مليون سنة مضت، وذلك عندما ظهر نوع آخر من أنواع النمل، يسمى ليفكاتر (leafcutter)، يتغذى على الأنواع المدجنة تمامًا من الفطريات، التي توضع في مزارع واسعة تحت الأرض، مع الأوراق الخضراء الطازجة التي تنتج يوميًا، وهو ما يدعم المستعمرات المكونة من عدة ملايين من أفراد النمل.

يذكر أن النمل الزارع للفطريات، يمثل قبيلة واسعة تتكون من حوالي 47 جنسًا مختلفًا، وتتميز بقدرتها على تقطيع الأوراق الصغيرة الخضراء القادمة من زراعة بعض أنواع الفطريات.

قالت الورقة البحثية الخاصة بهذه الدراسة، المنشورة في دورية «نيتشر للاتصالات»، إنّ النمل تمكن من تطوير «مجتمعات معقدة مع عمليات الزراعة على نطاق صناعي واسع».

وأضاف الباحثون أن الزراعة هي التي خلقت الحضارات الإنسانية المتقدمة في بضعة آلاف من السنين فقط، وأنتجت تنوعًا كبيرًا من المحاصيل المدجنة مع تحسن واضح في صفاتها المتعلقة بالتغذية، وزيادة خصائص النمو، وكبر حجم الإنتاجية.

لا يزال النمل يبهر الإنسان

بين الإنسان والنمل

وأوضحت الدراسة أيضًا أن الزراعة على نطاق صناعي واسع، والمماثلة لتلك التي طورها البشر، قد تطورت في اثنين فقط من الكائنات الحية غير البشرية، وهي النمل المعتمد على زراعة الفطريات، والنمل الأبيض. ومع ذلك، فإن عملية تبادل المنفعة (mutualisms) الزراعية للنمل والنمل الأبيض، جرى تعديلها تدريجيًا عن طريق عملية «الانتقاء الطبيعي» على مر الزمن، لكنها امتدت على مدى دورات زمنية أطول من تلك المرتبطة بالزراعة عند الإنسان.

النمل الزارع للفطريات تمكن من زراعة الفطريات في حدائق تحت الأرض لإنتاج البروتينات الصالحة للأكل، والدهون والكربوهيدرات، من خلال عملية تحلل تقوم بها الفطريات، بدلًا من عملية التمثيل الضوئي التي تجري في معظم محاصيل الإنسان.

وتمكن العلماء والباحثون من تحديد التسلسل الجيني الكامل لهذا النوع من النمل من أجل التوصل إلى التاريخ المقدر، الذي جرى فيه الانتقال من نمط الحياة البدائية إلى الزراعة بين النمل. وقال الباحثون إن موعدها المرجح هو ما بين 55 و60 مليون سنة، وهو وقت سابق للتقديرات السابقة للعلماء.

اللافت في الأمر أن هذه الخطوة باتجاه الزراعة، لم تكن مفيدة بصورة فورية على كل من النمل والبشر. فقد كان النمل المزارع هذا يتميز بأن عملية الأيض لديه أقل كفاءة من عملية الأيض الموجودة في أنواع النمل الأخرى التي تتغذى على الوجبات الغذائية التقليدية، وهو الوضع الذي بقي على حاله حتى تمكن النمل المزارع من تطوير وتحسين تقنياتهم الزراعية.

وبالمثل، كان الإنسان المزارع في بدايات اكتشافه للزراعة وزراعته لمحاصيل ومنتجات مخلخلة، يتميز بأن صحته أسوأ وأكثر مرضًا وأقل في القامة من الإنسان المعتمد على الصيد والجمع والالتقاط في ذلك الوقت.

وأضافت الدراسة: «ومع ذلك، فيبدو من المعقول أن نتوقع أن زراعة النمل واسعة النطاق، تطلبت تراكمًا كبيرًا من التعديلات للتكيف والتحسن والتطور، وأن هذه العملية تسارعت بعد أن أصبحت المحاصيل مدجنة بصورة حقيقية، وأن الفطريات المدجنة هذه لم تعد تتبادل الجينات مع الفطريات التي تعيش بصورة حرة في الطبيعة».

وكانت النتيجة النهائية واحدة؛ طعام فائق لجميع الأغراض، من كونه مقاومًا للأمراض والآفات والجفاف، والذي يمكن للنمل إنتاجه على نطاق صناعي واسع.

النمل القاطع للأوراق يمكنه زراعة الفطريات

الإنسان والزراعة

وتوصف الزراعة بأنها عملية إنماء الحيوانات والنباتات والفطريات من أجل التغذية، والألياف، والوقود الحيوي، والنباتات الطبية، وغيرها من المنتجات المستخدمة لدعم وتعزيز حياة الإنسان. وكانت الزراعة هي مفتاح التنمية الرئيسية في صعود الحضارة الإنسانية المستقرة، إذ إن قيام الإنسان بزراعة غذائه بدلًا من جمعه، خلق الفوائض الغذائية التي تغذي تطور الحضارة.

ويعود تاريخ الزراعة عند الإنسان إلى آلاف السنين، وكان الدافع وراء تطورها وتعريفها عائدًا إلى الأحوال المناخية المختلفة إلى حد كبير، والثقافات، والتقنيات. وأصبحت الزراعة ذات الحجم الصناعي الواسع، هو المنهج الزراعي الرئيسي السائد.

وبدأت الزراعة بشكل مستقل في أجزاء مختلفة من العالم، واشتملت على مجموعة متنوعة من الأصناف. وشارك على الأقل 11 إقليمًا منفصلًا في كل من العالم القديم والعالم الجديد بوصفها مراكزَ مستقلة المنشأ لعملية الزراعة.

وقبل حوالي 20 ألف عام، جمع الإنسان الحبوب البرية وأكلها طعامًا له. وقبل حوالي تسعة آلاف و500 سنة قبل الميلاد، تمكن الإنسان في نهاية العصر الحجري من زراعة القمح ثنائي الحبة وقمح إينكورن، والشعير، والبازلاء، والعدس، والبيقية المريرة، والحمص، والكتان، وذلك في منطقة بلاد الشام.

وزُرِع الأرز في الصين قبل ما بين 8200 و13500 سنة ماضية، تلاه المونج، وفول الصويا، والفول الأزوكي. تمكن الإنسان بعد ذلك من استئناس الماشية من المناطق البرية الموجودة في دولة تركيا الحديثة الآن، وفي باكستان أيضًا منذ نحو 10 آلاف و500 سنة.

وتمكن الإنسان من زراعة قصب السكر وبعض الخضروات الجذرية في مناطق غينيا الجديدة منذ حوالي سبعة آلاف سنة قبل الميلاد. ثم زرع الإنسان الذرة الرفيعة في منطقة الساحل في القارة الأفريقية قبل حوالي خمسة آلاف سنة قبل الميلاد. وفي جبال الإنديز في أمريكا الجنوبية، جرت عميات زراعة البطاطس بين ثمانية آلاف وخمسة آلاف سنة قبل الميلاد، جنبًا إلى جنب مع الفاصوليا، والكوكا، واللاما، والألبكة.

وجرت عملية زراعة القطن في بيرو، منذ حوالي 3600 سنة قبل الميلاد، كما جرى زراعته أيضًا بشكل مستقل في منطقة أوراسيا في وقت غير معروف.

عرض التعليقات
تحميل المزيد