منذ ما يقرب من 3 مليارات عام، كان كوكب الأرض عبارة عن «محيط عالمي كبير» لا يوجد به أي أرض يابسة، وهذا وفقًا لدراسة نُشرت عام 2020، وأشارت نتائج تلك الدراسة التي توصل إليها جيولوجيان من جامعتي «ولاية آيوا» و«كولورادو بولدر» الأمريكيتين إلى أنه  «قبل حوالي 3.2 مليارات سنة –وتحديدًا في حقبة ما قبل الكامبري- كان سطح الأرض مغطى بالكامل بواسطة محيط عالمي».

ووضح الباحثان أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك أي مناطق جافة من الأرض، بل ربما كان هناك بعض القارات الصغيرة التي تخرج من رحم المحيط الضخم الذي غطى كوكب الأرض، ولكن لم يكن هناك تشكيل عالمي للتربة القارية كما يعرفها البشر الآن.

ما يعني أن كوكب الأرض لمليارات السنين كان موطنًا للكائنات البحرية، وقد كان منخفض الفيوم في جمهورية مصر العربية، وخاصة منطقة وادي حيتان، على الرغم من أنها منطقة صحراوية الآن، موطنًا للعديد من الكائنات البحرية والحيتان منذ ملايين السنين، وفي هذا التقرير نحدثكم عن «أنوبيس الفيومي» أحدث حفرية عُثر عليها في الفيوم لحوت يعود عمره إلى 43 مليون عامًا.

إنجاز عربي.. بعد أعوام من احتكار الغرب

في الأيام القليلة الماضية استطاع فريق دولي بقيادة فريق بحث مصري؛ تسجيل اكتشاف لجنس ونوع جديد من حفريات الحيتان البرمائية التي عاشت في المياه المصرية قبل ما يقرب من 43 مليون عام، ونُشر هذا التوثيق العلمي يوم الأربعاء الماضي – بالأمس- في دورية «وقائع الجمعية الملكية للعلوم البيولوجية».

ما يميز هذا الكشف أنه يعد إنجازًا غير مسبوق لعلماء الحفريات العرب عامة والمصريين خاصة؛ وهذا لأن تلك المرة الأولى التي يوثق فيها نوع وجنس جديد من الحيتان تحت إشراف فريق عربي مصري، بعد أعوام طويلة من احتكار الغرب لتلك النوعية من الأبحاث والاكتشافات.

تمثال للمعبود المصري القديم أنوبيس

«أنوبيس الفيومي» أو «Phiomicetus Anubis» هو الاسم الذي أطلقه فريق البحث على النوع الرئيسي الجديد المكتشف من الحيتان في الفيوم، وتعود تلك التسمية إلى الفيوم، المنطقة التي وجدت فيها الحفرية، أما أنوبيس فهو عائد إلى معبود العالم السفلي عند المصريين القدماء، والذي كان مسئولًا عن اصطحاب الموتى في  رحلتهم إلى العالم الآخر بعد الموت، وكان هذا الإله مجسدًا على شكل إنسان برأس حيوان ابن آوى، واختار فريق البحث اسم أنوبيس لسببين، أولهما أن رأس هذا الحوت تشبه كثيرًا رأس حيوان ابن آوى، كما أن الحوت كان من أخطر أنواع الحيتان وأشرسهم، فيمكن ربطه بالموت أو القتل مثل المعبود المصري القديم أنوبيس.

الحوت الذي يمشي على الأرض

وفقًا لما ورد في الدراسة، فقد عاش الحوت أنوبيس الفيومي عندما كانت معظم الأراضي المصرية مغمورة ومغطاة بالمياه، والتي كانت مياه البحر المتوسط القديم، حيث كانت تعيش أسلاف الحيتان التي نعرفها الآن، وذكرت الدراسة أن «أنوبيس الفيومي» يبلغ طوله ما يقرب من ثلاثة أمتار، ويزن حوالي 600 كيلوجرام، كما أنه كان كائنًا برمائيًّا واستطاع بجانب السباحة المضي على اليابسة، وكان يتمتع بحاستي شم وسمع قويتين، كالتي تملكها الثدييات التي تعيش على اليابسة.

كان عام 2008 هو عام استخراج حفرية هذا الحوت، ولكن وقتها كانت كل تلك المعلومات مجهولة بالنسبة لفريق البحث، ولذلك عكف هذا الفريق طوال تلك السنوات على اكتشاف تلك المعلومات والتأكد من صحتها وقد نشرت في 25 أغسطس (آب) 2021، وتكون هذا الفريق من مجموعة من المتخصصين بوزارة البيئة المصرية بقيادة محمد سامح، المدير العام لمحمية المنطقة المركزية في الفيوم، وفريق من البحث العلمي تابع لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية بقيادة هشام سلام، وبموجب تعاون بين المؤسستين، وبعد كل تلك الأعوام؛ وصلوا لهذا الإنجاز الأول من نوعه، وهو توثيق حفرية مصرية باسم مصري، وتحت إشراف فريق بحث عربي مصري.

وفي تصريح له بالأمس، أكد محمد سامح أن منطقة الفيوم تحديدًا بها رواسب تغطي فترة زمنية تعود لما يقرب من 12 مليون عام، ما يمنح الباحثين القدرة على متابعة التاريخ التطوري للعديد من سلالات الحيتان، خاصة وأن هناك العديد من الحيتان القديمة والفريدة في صخور العصر الأيوسيني بمنخفض الفيوم.

ما الذي يميزه عن حفريات الحيتان الأخرى؟

حجم الأسنان، وأبعاد الجمجمة وشكلها؛ هي أكثر ما يميز «أنوبيس الفيومي» عن باقي الحيتان التي اكتشفت من قبل، وهذا الاختلاف وصفه الباحثون في الدراسة بأنه اختلاف جذري، ما أهَّل هذا الحوت ليسجل بكونه «نوعًا وجنسًا» جديدًا من الحيتان.

فريق البحث بالدراسة: هشام سلام وعبد الله جوهر ومحمد سامح

ومن خلال فحص حفريات جمجمة الحوت وفكه، أكدت الدراسة أن هذا الحوت له مهارات افتراس مميزة وقوية، وهذا يعود إلى امتلاكه عضلات فكين قوية وضخمة، ما يؤكد للباحثين أن هذا الحوت كان له الهيمنة في البيئة التي عاش بها منذ ملايين السنين، وعلى الرغم من وجود آثار لعضات على ضلوع الحوت، فإن فريق البحث يرجح أن تلك العضات جاءت بعد موته، عندما حاولت القروش الصغيرة التغذي على جثته، فغالبًا، لن تجرأ كائنات تمتلك تلك الأسنان الصغيرة مقارنة به الاقتراب منه وهو حي، وفي تصريح لأحمد جوهر لموقع «لايف ساينس» وصف هذا الحوت بأنه:«كان إله الموت بالنسبة لباقي الكائنات الحية التي عاشت معه».

وفي تصريح له للإعلام العربي، أكد هشام سلام أستاذ الحفريات بالجامعة الأمريكية، ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وقائد الفريق المصري؛ أن «أنوبيس الفيومي» لم يكن إضافة فقط لمعرفة الباحثين بأشكال الحيتان الانتقالية المبكرة والتي انتقلت من اليابسة للماء، ولكنه أيضًا أثار تساؤلات جديدة تخص النظم البيئية التي عاشت فيها تلك الحيوانات التي يبلغ عمرها ملايين السنين، ووجه رؤية بحثية جديدة لإيجاد إجابات لأسئلة كبيرة عن أصل الحيتان القديمة وتعايشها معًا في مصر، وهو ما أكده أستاذ التشريح المشاهد في معهد نيويورك، جوناثان جيزلر، لموقع «لايف ساينس»، موضحًا أن «أنوبيس الفيومي» يلقي مزيدًا من الضوء نحو فهم أعمق لتطور الحيتان.

فعلى الرغم من أن معلوماتنا الحالية عن الحيتان أنها كائنات مائية بنسبة 100%، فإن أسلاف الحيتان كانوا كائنات برية تعيش على اليابسة، ومن ثم تطورت للتكيف مع سيطرة المياه على كوكب الأرض للتحول إلى كائنات برمائية ثم مائية.

ووضح جيزلر في موقع «لايف ساينس» أن أقدم حوت معروف للعلم الحديث هو «باكيسيتوس أتوكي» والذي عاش قبل 50 مليون سنة في باكستان، وظهور تلك الحفرية لأنوبيس الفيومي منحت العلماء دليلًا قويًّا ومهمًّا على الوقت الذي انتقلت فيه الحيتان من منطقة المحيط الهندي وبدأت في الانتشار بجميع أنحاء العالم.

ومن خلال تلك الحقائق، يمكن أن نعد «أنوبيس الفيومي» حدثًا علميًّا مهمًّا، وما قدمته حفرية الحوت حتى الآن للأوساط العلمية يعد سبقًا مهمًّا، ولكن أيضًا السنوات القادمة ربما تكون قادرة على أن تكشف لنا عن المزيد حول رحلة الحيتان فوق كوكب الأرض بين اليابسة والماء.

علوم

منذ 11 شهر
هل يعمل «التطور» بشكلٍ غبي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد