عندما يصبح الواقع فقيرًا، ومعطياته مرهقة للعقل والنفس؛ وقتها يمكن للإنسان أن يستلقي على ظهره مسترخيًا، ويغمض عينيه، لينتقل بخياله إلى مكان يجعله أكثر سعادة، فيتخيل نفسه في أحد الشواطئ العالمية بديعة المنظر، أو يتخيل نفسه في حديث ودي ومفعم بالحب مع أحد أحبائه الذين سرقهم الموت منه، أو حتى يتخيل حوارًا بينه وبين أحد المشاهير المقربين لقلبه، في تلك اللحظات المسروقة من الواقع، قد تجد هناك ابتسامة على وجه هذا الإنسان الذي أغلق عينه ليهرب من الواقع.

«المنطق سوف يأخذك من ألف إلى باء، والخيال سوف يأخذك إلى أي مكان»، هكذا وصف ألبرت أينشتاين الخيال، وقال عنه أيضًا: «الخيال أهم من المعرفة. بالخيال نستطيع رؤية المستقبل». هذا يأخذنا إلى سؤال: ماذا لو كان هناك بشر لا يمتلكون خيالًا، بمعنى أنهم حين يغمضون أعينهم لا يستطيعون استدعاء صور ذهنية من الذاكرة لإعادة تشكيلها في قصة خيالية من تأليفهم؟ هذا ليس مجرد احتمال، بل إن هناك بشرًا يعانون من هذا الأمر بالفعل، ويطلق على هذه الحالة في العلم اسم «aphantasia – أفانتازيا» أو «عين العقل العمياء»، والتي تعني باليونانية «بدون خيال».

العلم يرصد وجود بشر بدون خيال

كم مرة شاهدت فيلمًا أو مسلسلًا مقتبسًا من رواية قرأتها من قبل، وشعرت بأن تنفيذ الرواية البصري مخيب لآمالك، وذلك لأن خيالك أثناء قراءة الرواية قد خلق عالمًا من الصور والمعطيات الذهنية التي أشعرتك بالرضا والسعادة حول ما تقرؤه، وما شاهدته على الشاشة كان أقل إمتاعًا أو جودة مما رأيته في خيالك بـ«عين العقل»؟
عندما تغلق عينيك وتتخيل مشهدًا ما، فتلك عملية يطلق عليها «تكوين الصور الذهنية من خلال عين العقل»، والأشخاص المصابون بما يُعرف بأفانتازيا يصفهم العلم بأن عين عقلهم «عمياء»؛ أي إنهم غير قادرين على تكوين صور ذهنية وهم يغمضون أعينهم.


وصفت هذه الظاهرة للمرة الأولى في العام 1880 على يد العالم الإنجليزي فرانسيس جالتون، والذي كان متخصصًا في أكثر من مجال علمي مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الوراثة، وعلى الرغم من أن تلك الحالة كان لها تسمية منذ فترة بعيدة، فإنها لم تخضع للدراسة العلمية الدقيقة إلا في عام 2015، عندما نُشرت أول دراسة هدفها استكشاف تلك الحالة، لتكون أول رصد علمي لحالة «عين العقل العمياء» تحت إشراف طبيب المخ والأعصاب آدم زيمان.

ما أكدته الدراسة أن تلك الحالة نادرة وليست منتشرة بين البشر وقد تصيب بحد أقصى 5% منهم، ولكن عندما يصاب بها الإنسان يكون لها تأثيرات كثيرة في حياته، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وهناك من يصاب بها بسبب حادثة مرت به أثناء حياته، وهناك من يولدون بها فيعيشون طوال حياتهم دون خيال.

انتبه زيمان لتلك الحالة لأول مرة في العام 2003 عندما تعامل مع رجل يبلغ من العمر 65 عامًا يعاني من مشكلة كانت غريبة بالنسبة له، فقد كان الرجل يشتكي من عدم قدرته على استدعاء صور أصدقائه الراحلين والأماكن التي زارها من قبل ولها ذكريات رائعة معه، فقد كان استدعاء تلك الصور بمثابة طقس يومي يقوم به قبل النوم، وهو لا يستطيع أن يفعله الآن.

وتزامن هذا الأمر مع إجرائه لعملية جراحية في القلب، والتي أصيب أثناءها بسكتة دماغية طفيفة؛ وما أدركه زيمان في تلك اللحظة أن تلك السكتة الدماغية كانت سببًا في إصابة عين عقله بالعمى، وسلبته خياله. أثارت تلك الحالة اهتمام الطبيب ودفعته وفريقًا من الأطباء لاستكشاف تلك الحالة، ليكتشف أن هناك البعض يولدون بها.

لكن ما المشكلة في أن أفقد القدرة على الخيال؟

قد تظن أن الخيال رفاهية يمكن للإنسان أن يتخلى عنها بسهولة، ولكن مشكلات أفانتازيا وعدم القدرة على استدعاء الصور الذهنية تسبب لصاحبها مشكلات أكبر من رفاهية الخيالات الممتعة.

في دراسة نُشرت بالعام الماضي 2020؛ سعى القائمون عليها للكشف عن العلاقة بين مرض أفانتازيا وقدرة الإنسان على التذكر والأحلام، وأكد الأطباء الذين نفذوا تلك الدراسة أن لهذا المرض تأثيرًا في الكثير من العمليات الإدراكية المهمة لدى الإنسان من أهمها تذكر الماضي، وتخيل المستقبل وتوقع ما قد يحدث فيه.

وما أكدته تلك الدراسة أن الأشخاص المصابين بظاهرة أفانتازيا عادة لا يحلمون مثل باقي البشر، وإذا زارهم حلم من وقت لآخر؛ لا يتمتع بالوضوح والتفاصيل التي يعيشها الإنسان العادي، بل تكون الصور فيه مشوشة والأحداث غير واضحة.
ولكن الأمر الذي وجده القائمون على الدراسة أكثر أهمية، أن هؤلاء الأشخاص ليس لديهم ذاكرة واضحة عن أحداث ماضيهم، وطقس التذكر الذي تستدعي فيه واقعة من زمن قديم أثرت فيك أو كان لها دور في تشكيل شخصيتك؛ لا  يحدث لأصحاب الأفانتازيا.

قد يتذكرون الإحساس الناتج منها، بمعنى أن يتذكر الشخص أن هناك معلمًا في المرحلة الابتدائية قد عامله بسوء، ولكن لا يمكن له أن يتذكر ملامح وجه هذا المعلم، أو موقفًا مُفصلًا بينه وبين المعلم، تسبب في هذا الشعور السيئ الذي يشعر به حين يُذكر اسم المعلم أمامه على سبيل المثال.

هل تمنع أفانتازيا صاحبها من الإبداع؟

الإبداع يحتاج إلى خيال، وقبل أن يخط الرسام ملامح وجه اللوحة الإبداعية التي يرسمها؛ عليه أن يرى تلك الخطوط في خياله أولًا، وحتى لو كان يرسم شخصًا يقف أمامه، فيجب أن يتخيل في ذهنه تمازج الألوان التي سيستخدمها لنقل الصورة الحية للوحة من صنعه، فهل تحرم أفانتازيا صاحبها من الإبداع؟
ما أثبته زيمان في دراسته التي أجراها في العام 2015 أن هناك الكثير من المصابين بهذه الظاهرة يعملون في بعض المهن التي تتطلب من صاحبها قدرًا ولو قليلًا من الإبداع، ويستطيعون أداء مهامهم، ولكن بجهد أكثر من زملائهم. على سبيل مثال في حالة رصدها زيمان، كان المصاب بالحالة يصمم مواقع الإنترنت.

 وفي حين كان زملاء المبحوث يكتبون شفرات التصميم بعد أن يتخيلوا في أذهانهم شكلها الأخير، كان يحتاج هذا الشخص إلى رسم ما قد تؤول إليه الشفرات على «سبورة» قبل أن يكتب الشفرة، لأنه لا يستطيع أن يتخيلها في ذهنه، ما جعل زيمان يدرك أن الأشخاص أصحاب أفانتازيا، قد يكون لهم حياة طبيعية أو قد يتقلدون مهنًا تعتمد على الخيال، ولكن هذا سيتطلب منهم مجهودًا مضاعفًا عن الآخرين الذي يتمتعون بقدرة تكوين صورة ذهنية في خيالهم.

ولكن هذا الشخص الذي قد ينجح بالجهد الزائد أن يصمم موقعًا إلكترونيًّا، إذا سأله زميله فجأة: «ما هو شكل زوجتك أو والدتك؟»؛ سينظر إليه بدهشة وذهول وهو لا يستطيع أن يستدعي ملامح الاثنين في خياله، ويدرك أنه في حاجة لمراجعة صورهم على هاتفه المحمول حتى يصفهم لزميله. هؤلاء البشر قبل التكنولوجيا وتطور سُبل التصوير، كانوا من الممكن أن يقابلوا صديقًا قديمًا لم يروه من سنين في أحد الطرقات ولا يذكرونه طالما لم يكن معهم مصدر دائم لشكل وجهه.

بليك روس هو شاب مصاب بأفانتازيا وهو أحد مؤسسي المتصفح الشهير «فايرفوكس» وفي مقال له نُشر عام 2016 صرح بأنه عاش طوال حياته دون القدرة على تكوين صورة ذهنية في خياله، وأكد أنه لا يستطيع أن يتذكر دون مساعدة شكل غرفة نوم طفولته، أو ملامح وجه والده وأشار في المقال قائلًا: «عمري 30 عامًا ولا أدري كيف يمكن للإنسان أن يستعيد صورة في ذهنه من الأساس».

عقل بدون خيال: ظلام ووحدة

رصد الأطباء الذين أجروا دراسات على المصابين بأفانتازيا، أن الشخص حين يدرك أنه يستوعب العالم من حوله بشكل مختلف عن الآخرين، يشعر بالعزلة عنهم، وفي مقال لها أكدت نيسا سونر، واحدة من المصابين، أن عقلها دون خيال يجعلها تشعر بأنها تحيا في ظلام ووحدة، كما أنه يؤثر في حياتها الجنسية؛ إذ إنها لا تشعر بالإثارة الجنسية التي يشعر بها البعض عندما يتخيلون ملامسة أحبائهم، أو من خلال استدعاء المرة الأخيرة التي مارسوا فيها الجنس، ما جعل – على حد وصفها – رغباتها الجنسية مشوشة.

«عندما يتعلق الأمر بالصور الذهنية فأنا أعمى»؛ هكذا وصف داستين جرينل، الكاتب الأمريكي المصاب بأفانتازيا، ما يشعر به تجاه هذه الحالة، موضحًا أنه اكتشف مدى خطورة الأمر عندما اضطر لأن يعيش في مكان بعيد عن شريكة حياته بسبب ظروف عمله، ولم يعد يراها يوميًّا.

ولكن إذا راجع صورها على هاتفه يتذكرها فورًا، وهو ما أثبتته الدراسات بأن المصابين يمكنهم أن يميزوا الوجوه والأماكن عندما يظهر محفز خارجي يذكرهم بها، ولكنهم لا يستطيعون أن يتذكروها وحدهم دون مساعدة، وعلى الرغم من عدم قدرة الشخص على تذكر شكل منزله وهو خارجه، أو شكل أحبائه، فإنه يكون قادرًا على استدعاء الشعور الداخلي الذي يولده المكان أو الشخص في نفسه أثناء وجوده فيه أو معه، فقد يخبرك الشخص بأنه يشعر بالأمان والراحة في منزله، ولكنه لا يستطيع أن يصف لك أثاثه أو تقسيمه الهندسي.

ولكن ماذا عن القدرة على التعلم؟

أهمية الخيال لا تكمن فقط في العمليات الإبداعية، بل إنه يكون له دور فعال في عملية التعلم والدراسة، وما أثبتته دراسة نُشرت في العام 2011 فإن الصور الذهنية يمكن أن تساهم في سرعة عملية التعلم ودقتها، وتحسين الأداء في تعلم جميع أنواع المهارات مثل تعلم رياضة ما أو آلة موسيقية.

وأكدت تلك الدراسة أهمية التمارين الذهنية المصاحبة لعملية التعلم ودورها الذي لا يقل فعالية عن التدريب البدني، كما أشارت إلى أنه قد يكون للصور الذهنية دور ناجح وفعال في استعادة وظائف الأطراف المشلولة لدى مرضى السكتات الدماغية؛ من خلال تخيلهم الذهني بتحريك تلك الأطراف، وهو ما يعجز عنه المصابون بالأفانتازيا.

والأمر لا يتوقف على التعلم فقط، فالشخص يجد صعوبة في الاستمتاع بالقراءة، فهي بالنسبة له عبارة عن كلمات تسرد أحداثًا لا يستطيع أن يبني لها عالمًا من الخيال في ذهنه، ولذلك قد تكون الأفلام والعروض الحية هي التي تثير اهتمام المصابين بتلك الظاهرة النادرة، بينما تجدهم يتجنبون القراءة بشكل عام.

في المقابل قد يكون هناك ميزة يتمتع بها المصابون، وهي اختبارهم الأقل للخوف، وهذا لأن معظم مخاوفنا تأتي من تخيلاتنا بعد مشاهدة فيلم رعب على سبيل المثال، أو عند استدعاء فكرة ما، فصاحب الخيال يمكنه تخيل الشبح مرة أخرى بملامحه المخيفة مما يمنعه من النوم الهانئ، بينما مصاب الأفانتازيا لن يتذكر التفاصيل المخيفة للشبح الذي ظهر في الفيلم، وعليه لن يشعر بالخوف بعد مشاهدته للفيلم.

فرط الفانتازيا.. لا يقل ألمًا

الخيال مهم، ولكن الكثير منه قد يكون مؤذيًا أيضًا، وكما أن هناك أفانتازيا (عين عقل عمياء)، هناك أشخاص يعانون من نشاط زائد في عين العقل أو «فرط الفانتازيا» Hyperphantasia، والتي قد تتسبب في إيذاء أصحابها، وتحكي واحدة من المصابين بتلك الظاهرة أنها كانت تقرأ رواية أصيب فيها البطل إصابة دموية، وقد تخيل عقلها تلك الحادثة تخيلًا دقيقًا حتى إنها فقدت الوعي أثناء قراءتها لتفاصيل الواقعة.

ومع أن معظم الدراسات التي تدور حول عين العقل العمياء وفرط الخيال ما زالت قليلة، فإن السعي العلمي وراء فهم تلك الظاهرتين قد يكون له الفضل في فهم الكثير عن عقل الإنسان وكيفية عمله، فنحن «نعلم عن الفضاء أكثر مما نعلمه عن عقولنا»، وفي إطار السعي وراء دراسة تلك الحالات الفريدة أقام مجموعة من العلماء في العام 2019 مؤتمرًا بعنوان «Extreme Imagination» وشارك فيه ما يزيد على 200 مصاب بعين العقل العمياء وفرط الفانتازيا، وكان المؤتمر عبارة عن مجموعة من ورش العمل لدراسة تأثير الظاهرتين في قدرة الشخص على التعلم والعلاج النفسي والفن، والكتابة الإبداعية.

المنطقة الوسط بين العالمين هي الأكثر مثالية للتعايش مع العالم، ولكن العلم يحتاج الكثير من  الأبحاث والدراسات التي تستكشف آلية عمل مخ الإنسان وخلاياه، حتى يفهموا لماذا يختلف خيال بعض البشر عن الآخرين، وإذا كنت عزيزي القارئ تستطيع أن تستعيد ملامح وجه أحد أحبائك  الغائبين، أو تمارس التأمل عن طريق تخيل نفسك تسير أمام أحد الشواطئ، فكن ممتنًّا لنعمة الخيال، الذي ولد بعضهم محرومًا منها.

علوم

منذ 4 سنوات
كانت مجرد خيال.. تكنولوجيا ظهرت في أفلام الماضي وتحولت الآن إلى حقيقة

المصادر

تحميل المزيد