16,425

ربما تخيلت نفسك وأنت تمشي بين الحقول، أو ربما محاطًا بأحبَّائك. أو ربما تخيلت نفسك تعبر طريقًا إلى أسفل، عبر نفقٍ مظلمٍ طويلٍ باتجاه ضوءٍ مشعٍّ في النهاية، لكن ما لا اختلاف عليه أنَّ الموت حينما يأتي، فإنَّ ما يواجهه الإنسان في هذه اللحظة سيظلُّ سرًّا محجوبًا يعرفه هو فقط، وأيًا كان ما يحدث، فإنَّ العلماء يقولون «إنّ تلك اللحظات الختامية للوعي يمكن أن تكون مصحوبةً بشيءٍ مدهشٍ وغامضٍ يجري داخل المخ».

الوحي.. التجربة الأولى للاقتراب من الموت!

في عام 2013 وجد الباحثون في جامعة «ميتشيجان» الأمريكية بعد الموت السريري، الذي حدث لفئران التجارب، توهّج النشاط الدماغي لها على عكس ما كان يتوقّع البعض بأن النشاط في هذه المنطقة من الجسم سيخبو، وكشف هذا التوهُّج عن دلائل وإشارات كهربائية للوعي، والتي تجاوزت المستويات الموجودة في حالة الاستيقاظ عند هذه الحيوانات.

قال أحد أعضاء الفريق، عالم الأعصاب «جيمو بورجيجين»، في هذا الصدد: «لقد رأينا أنَّه إذا كانت تجربة الاقتراب من الموت تنبع من نشاط الدماغ، فإن الارتباط العصبي بالوعي يجب أن يكون قابلًا للتحديد في البشر أو الحيوانات حتى بعد توقف تدفق الدم عن الدماغ». وبعبارة أخرى: طالما أن تجربة الاقتراب من الموت (near-death experiences) ترتبط بزيادة في النشاط العصبي بالدماغ، فهذا يعني أنه يمكن قياسها.

إليك هذا الفيديو الذي يشرح ماهية تجربة الاقتراب من الموت (بالإنجليزية)

وهذا بالضبط ما اكتشفه العلماء؛ فقد أجروا التجارب على الفئران، ولاحظوا أن الفئران الواقعة تحت تأثير التخدير أظهرت موجة من نشاط الدماغ المتزامنة في غضون 30 ثانية بعد توقُّف القلب، وهو نفس حجم الموجة التي تتشابه مع الأنماط التي يمكن أن تراها في الدماغ الثائر أو المتعرِّض لدرجة عالية من الإثارة.

وكانت هذه الظاهرة المكتشفة بمثابة «الوحي» للعلماء، فهي إلى حدٍ كبير دحضت فكرة أنه لمجرد توقف تدفق الدم عن الدماغ بعد الموت السريري، يجب أن يكون الدماغ بالضرورة خاملًا في نفس الوقت. يضيف بورجيجين: «تخبرنا هذه الدراسة أن خفض الأكسجين أو كل من الأكسجين والجلوكوز أثناء السكتة القلبية يمكن أن يحفز نشاط الدماغ، بالرغم من أنه من المفترض أن نشاط الدماغ مرتبط بحالة الوعي فقط».

وأضاف: «إن هذه النتيجة وفرت الإطار العلمي الأول لتجارب الاقتراب من الموت التي أبلغ عنها العديد من الناجين من السكتات القلبية». وبطبيعة الحال، ففي حين أنَّ هذه النتائج تضع إطارًا جديدًا لتفسير منشأ ما أخبرنا به الناس الذين تعرضوا لتجارب الاقتراب من الموت هذه، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن البشر سوف يخضِعون هذا التوهج المعرفي أو العقلي، مثل الفئران التي تجاوزت حجب الموت.

الوعي بعد الموت.. معضلة القلب والمخ

لكن إذا كانت أدمغتنا كلنا تعمل بشكل أو بآخر بنفس الطريقة، فإنها يمكن أن تساعد على تفسير الشعور بالوعي الذي أبلغ عنه كثير من الناس الذين نجح الأطباء في إنعاشهم في حالات الطوارئ الطبية. أحد هؤلاء الأشخاص الذين يعرفون قليلًا عن هذا المجال هو الباحث في قسم الرعاية الحرجة، «سام بارنيا»، من جامعة «ستوني بروك»، الذي أصدر عام 2014 أكبر دراسة في العالم عن التجارب القريبة من الموت و«تجارب الخروج من الجسد» (out-of-body experiences)، وهي المتعلقة بأن «الروح» تطفو خارج الجسد؛ وبالتالي يمكنك رؤية نفسك من الخارج.

فمن مقابلاته التي أجراها هذا الباحث مع أكثر من 100 من الناجين من السكتة القلبية، احتفظ 46% منهم بذكريات تتعلق بالاقتراب من الموت، والتي تتمحور حول عددٍ من الموضوعات المشتركة، بما في ذلك: الأضواء الساطعة، والأسرة، والخوف. وقد تمكن «بارنيا» من تصنيف التجارب التي مر بها الناس إلى سبع مجموعات: الخوف، ورؤية حيوانات أو نباتات، والضوء الساطع، والعنف والاضطهاد، و«الديجافو» (ويقصد به أن الحدث الذي تمر به الآن، تشعر وكأنك مررت به سابقًا)، ورؤية الأسرة، وإعادة أحداث ما بعد السكتة القلبية.

ولكن الأمر الذي كان أكثر إثارة للاهتمام هو ما رأته المجموعة التالية: فقد تمكن اثنان من المرضى من استدعاء الأحداث المتعلقة بعملية إنعاشهم، والتي حدثت بعد وفاتهم (توقف قلبهم عن العمل)، والتي – وفقًا للآراء التقليدية حول الوعي وراء الموت السريري – لا ينبغي أن تكون ممكنة أو قابلة للحدوث.

(10 تجارب مذهلة خاصة بالاقتراب من الموت)

وقال «بارنيا» في حديثه لصحيفة «الإندبندنت»: «نحن نعلم أن الدماغ لا يمكن أن يعمل عندما يتوقف القلب عن الخفقان، ولكن في هذه الحالة يبدو أن الدماغ قد استمر في العمل لمدة تصل إلى ثلاث دقائق في الفترة التي كان القلب فيها متوقفًا تمامًا عن العمل». وأضاف أن هذا قد حصل، على الرغم من أن الدماغ يتوقف أو ينغلق عادة في غضون 20 إلى 30 ثانية بعد توقف القلب.

يبدو الأمر مثيرًا للاهتمام والدهشة بالفعل، ولكن من الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة لم يبلّغ عنها سوى 2% من المرضى، و«بارنيا» نفسه اعترف في وقت لاحق أنّ أسهل تفسير هو أن هذا على الأرجح «مجرد وهم».

هذا الوهم يمكن أن يتم تأويله على أنّه استجابة عصبية للإجهاد الفسيولوجي خلال أحداث التوقف القلبي. وبعبارة أخرى: فإن هذه التجربة المعرفية هي التي تسبق – لا تتبع – الموت السريري نفسه، وهي التي يتذكرها المريض لاحقًا؛ وبالتالي فنحن نتكلم عن أحداث وقعت قبل لحظة توقف القلب مباشرة، ثم قام المخ بتحميلها إلى الذاكرة في مرحلة ما قبل الموت السريري، وليس بعده.

التجربة رائعة.. لكنَّ البعض يتشكك

بالتأكيد إن وجهة النظر هذه هي ما يؤمن به الكثير في مجتمع علم الأعصاب، ويميلون إلى التفكير فيها بهذه الطريقة. وقال «كاميرون شو» من جامعة «ديكين» فى أستراليا: إنه متشكك في فكرة تجارب ما بعد الموت هذه. وأضاف: «أعتقد أن التجارب خارج الجسم قد تم كشف زيفها»، وهذا يعود في نظره إلى أن الآليات التي تنتج الذكريات المرئية والسمعية لا تعمل من الأساس في مثل هذه الأوقات، وبالتالي كيف يمكن أن يسجل الإنسان مثل هذه الذكريات في مرحلة ما بعد الموت؟

ووفقًا لكاميرون، فإن التفسير الواضح وراء تأكيد وجهة نظره هذه هو أن الدم يتم ضخُّه للمخ من أسفل؛ لأنَّ القلب موجودٌ في مستوى رأسي أدنى من مستوى المخ، وبالتالي فإنَّه حين يموت الدماغ فإنه يموت من أعلى إلى أسفل، لأنَّ الجزء العلوي ينقطع عنه الدم أولًا، وهذه المناطق العلوية هي التي تحتوي على الآليات الخاصة بالذكريات.

ويقول الباحث «جوليان مورجانز» إنَّ إحساسنا بالذات، وحس الفكاهة، وقدرتنا على التفكير في المستقبل، كل هذه الأشياء تذهب وتختفي في غضون 10 إلى 20 ثانية من انقطاع وصول الدم للمخ. وأضاف: «بعد ذلك، ومع انتشار الخلايا الدماغية المحرومة من الدم، وبالتالي الجائعة، فإن ذكرياتنا ومراكز اللغة عندنا تصبح قاصرة عن العمل؛ حتى لا يتبقى منا إلا مركز أو لب الدماغ فقط».

تبدو وجهة النظر السابقة غير مشجعة جدًا، ولكن تجدر الإشارة إلى أنها أيضًا لا تتفق مع تجربة الفئران، والعلماء لا يزالون يجدون ويكتشفون أدلة على عمليات بيولوجية مثيرة للدهشة لا تزال تزدهر حتى بعد أيام من وقوع الموت نفسه.

ماذا يحدث بعد الموت؟ (الفيديو بالإنجليزية)

ويمكننا أن نلخص الموقف الآن بأننا بعيدون كثيرًا عن الإجابات الشافية عن السؤال: «ما الذي يحدث للمخ عند الموت؟» وفي حين أن العلم أعطانا بعض الأفكار الرائعة فيما يتعلق بما قد تكون عليه اللحظات الأخيرة في الدماغ، فإن الأبحاث العلمية لا يمكنها القطع بنتيجة ما حتى الآن.

وكما قلنا في السابق، عندما يبدأ المخ في الوفاة، فإن الأمر يظل سرًا بين المخ وصاحبه عما ستكون التجربة التي مر بها، وعما شاهده أو سمعه، ومن الصعب علينا أن نعرف بالتحديد ما يحدث وقتها، ولكننا نعرف على وجه اليقين أننا جميعًا في نهاية المطاف سنكتشف ما يحدث؛ فهذا أمر محتوم.