في وقت يفترض فيه أن التكنولوجيا جعلت من العالم قرية صغيرة، وفي وقت تطورت فيه تكنولوجيا الاتصالات بشكل غير مسبوق يجعل عملية التواصل بين البشر أكثر سهولة، وبلا أي جهد تقريبًا، حدث تراجع كبير وواضح في العلاقات الاجتماعية بين الناس، بل ربما بين العائلة الواحدة.

فرضت علينا طبيعة الحياة والعمل وكثرة المسؤوليات والانشغالات في العصر الحديث، الذي طغى عليه الأسلوب الفرداني في الحياة، نمطًا اجتماعيًا جعل علاقاتنا الاجتماعية تتراجع بشكل واضح. الآن أصبحنا ننسى أعياد ميلاد أصدقائنا، وإذا تذكرناها من خلال «فيسبوك» فربما تكون التهنئة التي نرسلها لهم تمثل عملية التواصل الوحيدة التي لا تتكرر، إلا من العام للعام. ربما يتهمك البعض بأنك لست صديقًا جيدًا، لكن يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تساعدك لتغير من هذه النظرة على الأقل بدرجة ما، وتحولك إلى صديق أفضل يتواصل مع الآخرين بانتظام واهتمام واضح.

تطبيقات جديدة للصداقة

تخيل أن تستيقظ في الصباح الباكر في يوم عمل طبيعي، لتجد تنبيهًا على هاتفك في الساعة الثامنة يقول لك: «اعرض معرفتك للآخرين». يخبرك هذا التنبيه أيضًا أن لديك ثلاث علاقات اجتماعية تحتاج إلى تفعيل التواصل معهم، بما في ذلك اسم أخيك، وأربعة أشخاص جدد عليك أن تستكشف وتطور علاقتك بهم، أحدهم شخص سبق وأن أرسلت له بريدًا إليكترونيًا يتعلق بالعمل. ثم تأتي في النهاية أسماء بعض الأصدقاء المقربين لك.

هذا التنبيه يأتي من تطبيق يسمى «UpHabit»، وهو أحد التطبيقات العديدة التي أطلقت خلال العامين الماضيين لمساعدة الأشخاص على إدارة علاقاتهم بشكل أفضل، وهي تستند إلى برامج «إدارة علاقات العملاء (CRMs)»، التي تستخدمها الشركات بشكل روتيني لأشياء مثل تجميع بيانات العملاء، وتقديم اقتراحات حول كيفية الاحتفاظ بالأعمال. تقدم هذه التطبيقات الجديدة برامج إدارة علاقات العملاء هذه، ولكن على النطاق الشخصي. هي تقدم لك خدمات مماثلة للشركات، ولكن العلاقات التي تساعدك على إدارتها  هيمع أصدقائك، وعائلتك، وزملائك، ومعارفك.

للتوضيح، فإن إدارة علاقات العملاء (CRM) هي تقنية لإدارة جميع علاقات الشركة وتفاعلاتها مع العملاء والعملاء المحتملين. الهدف بسيط: تحسين العلاقات التجارية. يساعد نظام «CRM» الشركات على البقاء على اتصال بالعملاء وتبسيط العمليات وتحسين الربحية. عندما يتحدث الأشخاص عن «CRM»، فإنهم عادة ما يشيرون إلى نظام «CRM»، وهي أداة تساعد في إدارة جهات الاتصال وإدارة المبيعات والإنتاجية.

في عصر يميل فيه الناس إلى الانتقال من المنزل أو تغيير العمل عدة مرات، ويعتاد فيه الناس على تكوين علاقات اجتماعية وإهمالها أثناء تقدمهم في الزمن، تعد هذه الأدوات بمساعدتنا على البقاء متصلين، وأن نكون أصدقاء أفضل، وأكثر تفكيرًا في العلاقات الاجتماعية خاصتنا.

السبب وراء ظهور تطبيقات العلاقات الاجتماعية

السؤال هنا: كم من الناس يمكننا أن نبقى على تواصل حقيقي معهم؟ وإذا أرسلت رسالة إلى شخص ما لأن أحد التطبيقات دفعك إلى ذلك، فهل يكون ذلك أقل معنى – بطريقة ما – مما إذا كنت تذكرت صديقك هذا بنفسك وتواصلت معه دون الحاجة إلى وسيط؟

لفهم سبب ظهور العديد من برامج إدارة علاقات العملاء الشخصية (PRMs) منذ عام 2018 مثل تطبيق «UpHabit»، وما الذي تدل عليه فيما يتعلق بالوضع الذي وصلت فيه علاقاتنا الاجتماعية، وما إذا كانت التنبيهات التي تصل على هواتفنا الذكية يمكن أن تجعلنا أصدقاء أفضل بالفعل وتقوي العلاقات الاجتماعية خاصتنا، ربما نحتاج للتعمق أكثر.

ربما يشعر بعضنا بالغرابة عندما يتلقى تنبيهًا على هاتفه يقول له إن عليه التواصل مع صديق سابق واستخدام عبارة مثل «مرحبًا أحمد، أعلم أننا لم نتحدث منذ فترة، ولكن من الناحية المثالية عليك أن تتحقق أكثر من الهمزات في منشوراتك على فيسبوك». تطبيقات مثل هذه «UpHabit» و«Dex وNtwrk»، بدأت تغير وتطور من صيغة التنبيهات التي تصلك حول أصدقائك في محاولة لجعلم أكثر تفاعلًا معهم.

مع ازدياد عدد التنبيهات التي تصلك ستشعر وكأن الصداقة أصبحت مهمة أخرى يجب أن تبقى حاضرة في قمة اهتمامتك. على المستوى العملي، سترى بعض الفروق بين التطبيقات المختلفة، إذ بعضها سيكون تنبيهاته أفضل وأسهل، مثل: «ماذا عن إرسال رسالة سريعة إلى علي».

والبعض الآخر سيحمل واجهة جميلة. بعض هذه التطبيقات ستكون لسطح المكتب، وستجدها ممتعة بصريًا لأنها تستخدم الرموز التعبيرية للمساعدة في تصنيف الأشخاص. لكن في النهاية ستجد أن هذه التطبيقات تستحق المحاولة استنادًا إلى تجارب الكثيرين حول العالم والذين تغيرت حياتهم بسببها بالفعل.

أهم التطبيقات

يمكنك تجربة بعض التطبيقات المختلفة مثل:

1- ZooWho: مجاني.

2- Cloze: مدفوع.

3- Monica: مدفوع.

4- Contactually: تجربة مجانية ثم اشتراك مدفوع.

5- Airtable: مجاني، لكن هناك ميزات مدفوعة.

6- Nat.app: تجربة مجانية، ثم اشتراك مدفوع.

7- Hippo: تجربة مجانية، ثم دفع أموال.

8- Dex: مجاني، لكن هناك ميزات مدفوعة.

9- ntwrk: مجاني.

10- Uphabit: مجاني، لكن هناك ميزات مدفوعة.

التطبيقات بدلًا عن الذاكرة البشرية

لكن لماذا يجب أن نحتاج الآن إلى هذه التذكيرات الرقمية في حين أننا كنا نعتمد لقرون ببساطة على أدمغتنا وتقاويمنا وملاحظات المكتوبة؟ يوضح علماء النفس التطوري أننا بالفعل أصبحنا أكثر انشغالًا الآن في عالم سريع الحركة، لذلك تتعطل العلاقات عن بعد في كثير من الأحيان. هذا هو السبب في أن «فيسبوك» أصبح مسيطرًا على العالم في السنوات القليلة الماضية؛ ليساعد على سهولة التواصل. هذا جاء بعد أن اكتشف الجيل سريع الحركة هذا أن طبيعة حياته أثرت بشكل سيئ على العلاقات الوثيقة التي أرادوا الاستمرار فيها.

عام 2010 افترض روبن دنبار، عالم النفس التطوري وعالم الأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد، في كتابه «كم عدد الأصدقاء الذين يحتاجهم شخص واحد؟» أنه من الناحية المعرفية لا يستطيع البشر سوى الحفاظ على 150 علاقة اجتماعية مستقرة، وهو ما يعرف الآن بـ«رقم دنبار». يقول إنه في المتوسط​​، لدينا جميعًا خمس علاقات حميمة (هؤلاء الأشخاص الذين يمكن أن نبكي على أكتافهم)، و15 صديقًا مقربًا وأفراد عائلة، و50 صديقًا جيدًا (الأشخاص الذين يمكن أن تدعوهم إلى حفلة عيد ميلادك مثلًا) و150 صديق عام (أشخاص قد يحضرون إلى جنازة الشخص بعد وفاته).

جاءت هذه الأرقام من خلال دراسة تتعلق بحجم أدمغة الرئيسيات المختلفة، بما في ذلك أدمغة البشر، ومقارنتها بحجم المجموعة الاجتماعية المرتبطة بها. الخلاصة كانت أن أدمغتنا ليست كبيرة بما يكفي للحفاظ على المزيد من الصداقات. وإذا كان هذا صحيحًا، فربما يأتي هنا دور هذه التطبيقات الجديدة. لكن علينا أن نعرف أنه من غير المحتمل أن تسمح لنا تلك التطبيقات بتعزيز أكثر من 150 علاقة مستقرة، لأن القيود موجودة في أدمغتنا، لكن ربما يصل العدد إلى 500 من المعارف بشكل عام، فهي تدعم العلاقات الاجتماعية خاصتنا بالفعل.

وبخلاف القيود العقلية، نحن أيضًا لا نملك الوقت الكافي لمزيد من العلاقات. هنا أيضًا يمكن أن تساعدنا التطبيقات في إدارة الوقت، من خلال السماح لك بالتواصل مع شخصين في وقت واحد، على سبيل المثال، ولكن لا يمكنهم إنشاء المزيد من مواعيد تناول العشاء، أو شرب القهوة بشكل سحري، أو تجديد اهتمامنا بشخص كنا نبتعد عنه بشكل طبيعي.

المشكلة الأكبر.. تحديات الاستمرار

لا تدعي معظم هذه النوعية من التطبيقات أنه يجب عليك التواصل مع الأصدقاء فقط عبر الإنترنت. على تطبيق «UpHabit» – على سبيل المثال – يمكنك تسجيل ما إذا كنت تدردش مع صديقك عبر الرسائل النصية، أو البريد الإلكتروني، أو على الهاتف، أو وجهًا لوجه. ومع ذلك، ستكون هناك مشكلة في أن البعض سيقوم بإرسال أية رسالة لهذا الصديق من أجل تسجيل أنه فعل المفروض عليه. بعد أسبوعين، سيبدأ الناس في الضغط على خيار «غفوة» عند ظهور الإشعارات على هاتفها؛ لأن الناس سيقولون إننا لا نعرف ما الذي سنستفيده من التطبيق في النهاية.

تكنولوجيا

منذ 9 شهور
من الطب إلى التسوق.. 5 من أحدث التطبيقات المصرية الواعدة

يتطلب العمل على هذا التطبيق الكثير من الجهد، وستبدو الفائدة غامضة للغاية وبعيدة جدًا في المستقبل لتبرير جميع المدخلات المطلوبة منك. السبب وراء الحاجة إلى العديد من المدخلات هو أنه من الصعب حقًا دمج جميع التطبيقات التي نستخدمها بالفعل مثل «رسائل البريد الإلكتروني، والتقاويم، وسلاك، وواتساب، وتيليجرام، وسجلات الهاتف»، وغيرها.

مشكلة أخرى هي ما إذا كنا نريد حقًا أن نبقى على اتصال دائم. علينا أن نعترف أن علاقات البشر بطبيعتها في أغلبها سريعة الزوال. ربما يحتاج البعض إلى ترك الأمور تسير في مجراها الطبيعي، وأحيانًا يرحب الناس بعدم الإبقاء على التواصل مع كل شخص التقيته في الجامعة. على المستوى العملي سيجد البعض أن كثرة التذكير بالمواعيد واحتفالات الذكرى السنوية وآلام الأصدقاء المقربين، زائدة عن الحاجة. كل هذه الأمور ربما ستجعلك تفكر في تجنب التطبيق، لذلك عليك تحديد مدى حاجتك إليه بالفعل.

الحفاظ على الأصدقاء.. مهمة تستحق

نظريًا، لا يمكن لتطبيقات وبرامج «إدارة علاقات العملاء الشخصية (PRMs)» مساعدتنا في الحصول على أصدقاء أكثر، لكنها قادرة على مساعدتنا في الحفاظ على العلاقات التي لدينا بشكل أفضل. أظهرت الأبحاث أنه يتعين علينا عادة رؤية شخص ما مرة واحدة على الأقل في الأسبوع لإبقائه في قائمة أفضل خمسة أصدقاء لدينا، بينما يكفي رؤيته مرة واحدة في الشهر لينضم إلى طبقة الأصدقاء الخمسة عشر المقربين.

بكلمات أخرى عليك أن ترى أعين أصدقائك. فطوال التاريخ كانت الاجتماعات وجهاً لوجه، ومشاركة الطعام والشراب، كلها تفاعلات شخصية ضرورية للحفاظ على الصداقات. ومع ذلك في سياق أزمة وباء «كورونا»، يمكن اختبار مدى نجاحنا في إعادة إنشاء هذه الأمور باستخدام التكنولوجيا، وتحديدًا تطبيقات الدردشة المرئية مثل «زووم، وهانج أوت، وماسنجر فيديو، وسكايب».

وعلى الرغم من الصعوبات التي ذكرناها سابقًا، هناك من وجد فوائد جمة في مثل هذه التطبيقات. البعض يستخدمه لمتابعة بعض من الناس المهمين في محيطه الاجتماعي أو الحي الذي يسكن به. تظهر أهمية هذه البرامج في كونها تناسب الاحتياجات المتخصصة. من السهل أيضًا رؤية كيف يمكن أن تكون برامج الـ«PRMs» مفيدة للأشخاص الذين يعانون من النسيان المستمر أو الذين قد يعانون من التواصل الاجتماعي. يبدو أن التطبيقات في الوقت الحالي مفضلة من قبل الأشخاص الذين تعتمد حياتهم المهنية على تشابك الحياة الشخصية والمهنية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد