لمصلحة من تعمل الجيوش العربية؟ وعلى من تخوض الحرب؟ تبدو الجيوش العربىة التي يفترض أنها تقبض رواتبها من أموال شعوبها تعمل لأي شيء سوى لمصالح هذه الشعوب، حتى أن رصاصاتها التي لم تطلق في وجه محتل لعقود طويلة يبدوأنها وجدت طرقها أخيرًا في صدور الشعوب المسالمة التي تطالب بحقوقها وحريتها، من الجزائر غربًا إلى الشام والعراق شرقًا ومرورًا بمصر وليبيا، يبقى السؤال الأهم : ضد من تخوض الجيوش العربية حروبها؟ ولمصلحة من ترتكب هذه المذابح البشعة ومثيلاتها الكثير؟


1- مجزرة بن طلحة في الجزائر 1997

صورة تعرف عالميا بـ”مادونا بن طلحة” صورها المصور الجزائري حسين زغوار وتعرف بـ”صورة القرن”

وقعت في بلدة تدعى بن طلحة، تبعد حوالي 15 كم عن جنوب العاصمة الجزائر في ليالي 22 و23 سبتمبر من عام 1997 “إبان أحداث ما يعرف بالعشرية السوداء بعد إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات عام 1992” ، حيث قدرت منظمة العفو الدولية عدد الضحايا بحوالى 200 شخص بينما قدرتها بعض الصحف العالمية بأكثر من 400.

كان مدينة بن طلحة أحد معاقل الإسلاميين حيث حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزًا ساحقا في انتخابات عام 1992 بل وانضم عدد كبير من أهلها إلى الجماعة الإسلامية المسلحة التي قاتلت ضد الجيش، وطبقًا لشهادات ضباط الجزائر المنشقين “حبيب سويدية ومحمد سمراوي” فإن الجيش الجزائري والعصابات المسلحة التي دعمتها أجهزة الاستخبارات كانت تستهدف القرى والمدن بناء على نتائج تصويت انتخابات عام 1992.

يتواجد الجيش الجزائرى بقوة في هذه المنطقة ، إلى جانب وجود موقع عسكري متمركز على المدخل الشرقي للمدينة وعدد من متاريس الطريق وثكنات في الجزء الشمالي من بلدية براقي. كما كانت تتمتع الجماعة الإسلامية المسلحة بحضور محلي قوي في الفترة بين 1994 و 1996 ، حيث كانوا يسيرون في شوارع مدينة بن طلحة على الملأ ، لذا وضعت الحكومة حراسة جماعية “وطنية” مكونة من حوالي عشرة أشخاص في مدينة بن طلحة في يونيو 1996..

وفي يوم 22 سبتمبر وتحديدًا الساعة 11:30 مساءً، وقعت انفجارات مدوية هزت حي الجيلالي جنوب غرب بن طلحة، وبدأ المسلحون في التدافع من بساتين البرتقال، وشرعوا في التحرك بطريقة منظمة من منزل لآخر يذبحون كل رجل وامرأة وطفل يجدونه في المنازل وكان المهاجمون مسلحون ببنادق آلية وبنادق قنص ومناجل؛ بينما كانت طائرة هيلوكوبتر تحوم في الهواء وبعضهم، حسب رواية نصر الله يوس، يرتدون ملابس سوداء قتالية، والبعض الآخر الملابس المميزة للإسلاميين. ووفقا لشهادة الناجين من المذبحة التي نقلتها منظمة العفو الدولية، أنه في وقت وقوع المذبحة، كانت وحدات من القوى المسلحة بمركبات مدرعة متمركزة خارج القرية وأوقفت بعضًا ممن كانوا يحاولون الهروب من القرية.” وقد أكد هذه الرواية ياسين، أحد الناجين من المذبحة الذي أجرت معه قناة بي بي سي مقابلة – وذكر أنه “بحلول منتصف الليل .. ظهرت سيارات الجيش بالقرب من مكان المذبحة، ولكن لم يتدخل الجنود.

رسميا أعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عن الحادث، لكن شبهات كبيرة كانت تحوم في ذلك الوقت حول عنتر الزوابري أمير الجماعة الإسلامية الذى توضع الشهادات أنه كان يعمل لحساب المخابرات الجزائرية وكان يتلقى الأوامر من ضابط برتبة رائد اسمه (توات محفوظ) المدعو جمال أبو محمد. والغرض من ذلك هو تشويه الجماعات الإسلامية والمسلحة ودفع المواطنين إلى عدم مساندتها.

ربما يكون الجيش الجزائرى قد اشترك في مجزرة بن طلحة عبر جنود يلبسون لباس مدنى “وهي طريقة متكررة استخدمتها المخابرات الجزائرية وأوردها الضابط حبيب سويدية في كتابه الحرب القذرة” لكن المؤكد أنه حتى وإن لم يشترك جنود الجيش في تنفيذ المذبحة فإن الشواهد تقول أنه كان مدبرًا لها أوعلى الأقل متواطئا فيها كما جاء في الشهادة الأبرز على هذه المذبحة والمنشورة تحت عنوان “من قتل بن طلحة” لصاحبها نصر الله يوس أحد الناجين من المذبحة والذي هاجر إلى فرنسا، حيث يقول في روايته أن العصابات المسلحة كانت تهتف بهم أثناء عمليات القتل قائلة :”الجنود لن يساعدوكم! أمامنا الليل بطوله لاغتصاب نسائكم وأطفالكم وشرب دمائكم. وحتى إذا هربتم من الموت اليوم، فسوف نعود غدًا للقضاء عليكم! نحن هنا لنرسلكم إلى ربكم!”

كما يورد يوس في شهادته جملة أسئلة تثبت بشكل كبير تورط الجيش في المذبحة حيث يقول في شهادته: “كيف رفضت السلطات طلبات سكان بن طلحة بالحصول على أسلحة للدفاع عن أنفسهم؛ كيف تعاملت قوات الأمن مع الجماعات الإسلامية المحلية بدرجة من التسامح لم يستطع المدنيون فهمها؛ كيف، في ليلة وقوع المذبحة، تم إرسال معظم أعضاء الجماعة “الوطنية” المحلية بعيدًا للاسترخاء في منتجع ساحلي بأوامر من قائد الجيش المحلي؛ كيف، أثناء المذبحة نفسها، تمركزت قوات الأمن على أطراف مدينة بن طلحة وكانت على دراية بما يحدث؛ كيف أضيء حي الجيلالي، حيث كان يسكن يوس نفسه والذي استهدفه الهجوم بشكل خاص، مرة بعد أخرى بكشافات ضخمة قامت الشرطة بتركيبها مؤخرًا في حقل قريب، كما لو أنها تضيء الطريق لمنفذي الهجوم؛ كيف حامت طائرة هليكوبتر عسكرية فوق المكان طوال معظم الساعات الست التي استمرت خلالها المذبحة؛ كيف منعت القوات المسلحة التي تقف في حاجز الطريق في مدخل بن طلحة المدنيين من القرى القريبة من القدوم لإنقاذ أهل بن طلحة، حتى إنه ذكر أنه تم إطلاق النار على شرطي حاول القيام بواجبه في هذا الصدد؛ وكيف سمح للمعتدين بالخروج من بن طلحة والهروب من الطريق الرئيسي إلى الجنوب، بينما لم تحاول قوات الأمن التصدي لهم، بالرغم من وجودها في الموقع المناسب للقيام بذلك؟؟.”

لم تكن بن طلحة هي المجزرة الوحيدة من نوعها التى نفذت بهذا الشكل ، فعلى بعد كيلومترات قليلة أقل من شهر على بن طلحة “29 أغسطس تحديدًا” كانت مجزرة “الرايس” راح ضحيتها بين 4—800 شخص على اختلاف تقديرات الضحايا.


2-مجزرة سجن أبو سليم في ليبيا 1996

صور لبعض شهداء سجن أبوسليم

عملية قتل جماعية قامت بها القوات الخاصة الليبية في 29 يونيو عام 1996 بحق سجناء الرأى في سجن أبوسليم، حيث قامت القوات الخاصة بفتح النار على السجناء بدعوى تمردهم داخل السجن الذي يعد الأكثر تحصينا وحراسة في ليبيا ثم قامت تلك القوات بدفن الجثث في باحة السجن وفي مقابر جماعية متفرقة في ضواحي طرابلس.

ويقدر عدد ضحايا مجزرة أبو سليم بأكثر من 1200 قتيلًا من الجماعات الإسلامية معظمهم من الليبيين إلا أنهم يضمون فلسطينيين وجنسيات عربية أخرى، وظل نظام القذافي يتكتم على الحادثة ويرفض أي حديث عنها حتى عام 2009 عندما بدأ بإبلاغ أهالي القتلى نبأ وفاة أبنائهم.

وفي مواجهة الضغوط عرض النظام الليبي منح أهالي الضحايا تعويضات تقدر بـ120 ألف دينار ليبي  للأعزب، و130 ألف دينار للمتزوج، مقابل عدم مقاضاة أجهزة الدولة في الداخل والخارج
ولكن الأهالى رفضوا التعويضات وتمسكوا بحقهم في معرفة ما حدث لذويهم وأماكن دفنهم ومحاسبة المتورطين في المجزرة.

وقد افتتح السجن عام 1984 كمعسكر للشرطة العسكرية على مساحة تقدر بـ30 هكتارًا، لكن مع ازدياد أعداد السجناء السياسيين أصبح يستخدم كمعتقل أيضًا لسجناء الرأي والسياسة، وخلافًا لباقي السجون لم يكن أبوسليم يخضع لسلطة لوزارة العدل الليبية بل كان يخضع لإشراف الأمن الداخلي.

ووفقا لشهادة جمعة الشلماني أحد السجناء القلائل الناجين من المجزرة والتي حكاها في أعقاب سقوط القذافي في عام 2011، أن السلطات قامت بحرمان السجناء من الأكل لمدة 3 أيام متتالية مع منعهم من النوم إضافة إلى تعذيبهم وإهانتهم بالبصق عليهم والتبول فوقهم، وفي الخميس 27 يونيو دخل أحد الحراس العنبر منفردًا فقام السجناء بقتله حبسوه في زنزانة مظلمة كانت تعط برائحة البراز والعفن الكريهة، بعدها قامت فرق التفتيش بتمشيط الزنازين ولكنها لم تتمكن من العثور عليه. ثم تعرض ستة سجناء إلى التعذيب حتى الموت ورميت جثثهم في الرواق. وحصلت اعتداءات أخرى يوم الجمعة، ووقع مزيد من القتلى.

ويواصل جمعة شهادته حول السبت الدموى الموافق 29 يونيو حين انطلقت مكبرات الصوت في السادسة صباحًا تأمر السجناء بالخروج، حيث عثر على الحارس ميتًا، بينما كان هناك يقفون على سور السجن بدأوا بإلقاء القنابل اليدوية وبدأت الدماء تتفجر وأصيب جمعة بطلق نارى في قدمه ولم يفق إلا في المستشفي يصحبة 14 سجين آخرين –تم نقلهم في عربات الإسعاف على أساس كونهم ميتين – ولما ظهر كونهم على قيد الحياة تم تهديدهم بقتل عائلاتهم إذا أفصحوا عما حدث.

وهذا وأفادت التقارير عن استخدام القنابل اليدوية والغدارات وبنادق الكلاشينكوف والرشاشات واستمرت المجزرة لمدة ساعة قتل خلالها 1200 شخص من جملة 1700 سجين داخل السجن.

3- مجزرة حماة في سوريا 1982

حماة بعد القصف

حماة بعد القصف

تعد أوسع حملة عسكرية شنها النظام السوري ضد الإخوان المسلمين، وأودت بحياة عشرات الآلاف من أهالي مدينة حماة، بدأت المجزرة في 2 فبراير عام 1982 واستمرت 27 يومًا، حيث قام النظام السوري بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكرياً، وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين “حوالى 35 ألفًا في التقديرات المتوسطة” من أهالي المدينة وكان قائد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس السابق حافظ الأسد.

عمدت السلطات السورية إلى مكافأة العسكريين المشتبه في تورطهم فيها أو الذين كان لهم ضلع مباشر في أعمال القمع، ومن بين هؤلاء العقيد رفعت الأسد الذي عين نائبًا لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي، وضباط كبار في الجيش والمخابرات جرى منحهم رتبًا أعلى، كما تم تعيين محافظ حماة آنذاك محمد حربة في منصب وزير الداخلية، وكانت تلك الإجراءات بمثابة استهتار غير مسوغ من قبل الحكومة بالمشاعر العامة، وتأكيدًا واضحًا على استمرار منهجية القوة بدلًا من الحوار في التعاطي مع الشؤون الداخلية.

وشارك في المجزرة ضد المدنين في حماة كل من سرايا الدفاع واللواء 47 دبابات واللواء 21 ميكانيك واللواء 21 إنزال جوى “قوات خاصة” وأجهزة المخابرات وفصائل حزبية مسلحة وأسفرت عن بين “20000-40000” قتيلًا كما هدم 88 مسجداً وثلاث كنائس، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة هرباً من القتل والذّبح والتنكيل.

4- مجزرة الغوطة الشرقية في سوريا 2013

.

ضحايا الحرب الكيماوية من الأطفال

تصعّب المجازر المتواصلة التى يرتكبها النظام والجيش السوري بحق أبناء شعبه منذ مارس 2011 بشكل كبير من مهمة اختيار أحدها لتسليط الضوء عليها أمرًا عسيرًا ، ربما يكون اختيارنا للغوطة لا لشىء إلا لكونها أول حادثة تثبت خلالها العالم استخدام النظام السورى للأسلحة الكيميائية بحق الشعب السوري .

وقعت في الغوطة شرق دمشق، يوم الأربعاء 21 أغسطس 2013، راح ضحيتها المئات من سكان المنطقة بسبب استنشاقهم لغازات سامة ناتجة عن هجوم بغاز الأعصاب، ووفقا لرواية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية فإن قوات من اللواء 155 التابعة للجيش السوري والمتمركزة في منطقة القلمون قامت وابتداء من الساعة 2:31 فجرًا بالتوقيت المحلي بإطلاق 16 صاروخًا، وكانت هذه الصواريخ تستهدف مناطق الغوطة الشرقية، وبعد ساعة من ذلك سقطت صواريخ أخرى على الجهة الشرقية من مدينة زملكا بدمشق. وفي 2:40 فجرًا استهدف القصف بلدة عين ترما بصواريخ أصابت منطقة الزينية، وبعد دقيقتين، تم إطلاق 18 صاروخًا استهدفت مناطق الغوطة الشرقية بدمشق، فسقط صاروخ بين زملكا وعربين، واستمر إطلاق الصواريخ حتى الساعة 5:21 فجرًا، بسقوط صاروخين، استهدفا مدينة المعضمية في الغوطة الغربية، وقد بدأ وصول الحالات إلى المستشفيات من الساعة 6:00 صباحاًً وقدرت أعداد الضحايا وفقا لمنظمة أطباء بلاحدود ب355 حالة وفاة نتيجة تسمم عصبي من بين حوالي 3600 حالة تم نقلها إلى المستشفيات، بينما قالت المعارضة أن عدد القتلى ارتفع الى 1466، في حين ذكر تقرير للمخابرات الأميركية أن 1429 شخصًا قد قتلوا في المجزرة، وبالطبع فقد كذب النظام السوري هذه الأرقام.


5- مجزرة فض ميدان رابعة العدوية في مصر 2013

من المستشفى الميداني

في 14 أغسطس 2014 تحركت قوات الجيش والشرطة المصرية لفض اعتصامات مؤيدي الرئيس محمد مرسي الذي عزله الجيش في انقلاب عسكري في 3 يوليو، بعد اعتصام استمر لمدة أكثر من 45 يومًا.

في الساعة السادسة والنصف صباحًا من صباح يوم الأربعاء 14 أغسطس 2013 بدأ تحرك قوات من الشرطة تجاه المعتصمين في ميداني رابعة العدوية بالقاهرة وميدان نهضة مصر بالجيزة وأغلقت الطرق المؤدية إليهما، وصاحبت القوات جرافات للعمل على إزالة حواجز وضعها المعتصمون واستخدمت قنابل الغاز المسيل للدموع والرشاشات ومدافع الجرينوف إضافة إلى طائرات الهيلوكوبتر ، كما قامت قوات الجيش والشرطة بإشعال النار في خيام المعتصمين وفي المستشفي الميدانى بما يحتويه من جثث القتلى والمصابين، و ذكرت وزارة الصحة أن 578 قتيلًا و4201 مصابًا سقطوا كحصيلة لليوم في الميدانين بينما تعطى التقارير الحقوقية رقمًا يتراوح بين “1200-2200 قتيل” وأكثر من 10000 مصاب وعدد مماثل من المعتقلين.

وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش أن استخدام قوات الأمن المصرية للقوة في فض الاعتصامات أنه أسوأ حادث قتل جماعي التاريخ المصري الحديث.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد