يمتلئ التاريخ العربي بقصص النضال والمقاومة، وبحكايات الكفاح ضد المحتل التي تخلدها ذاكرة الشعوب، لكن على الجانب الآخر، فإن ثمة مواقف تاريخية اصطفت فيها شرائح من الشعوب العربية إلى جانب المحتل، ورفعوا السلاح ضد أبناء وطنهم، فكان مصيرهم احتلال رقعة لا تذكر بالخير في الذاكرة.

الجنرال يعقوب.. بنادق قبطية في وجه ثورة المصريين ضد الفرنسيين

تعرض أقباط مصر في أكثر من فترة من عصور دولة المماليك إلى ألوان شتى من التمييز والاضطهاد، إذ فرضت عليهم عادات اجتماعية معينة لتمييزهم عن المسلمين، إذ كان اليهود والمسيحيون يُجبَرون على شد أكمام ملابسهم، وتقصير عمائمهم، وأحيانًا كان يُطلب من القبطي تعليق جرس صغير في عنقه عند دخوله الحمامات العامة، كما منع عليهم ركوب البغال والخيل، وحُظر عليهم حمل السلاح أو تعلم فنون القتال، وتكررت حوادث الاعتداء على الكنائس أو هدم أجزاء منها نتيجة مناوشات مع الجيران المسلمين أو مع عمال السلطان.

برغم ذلك فقد اصطفى سلاطين مصر المتعاقبين فئة من الأقباط لعبت دورًا في إدارة شؤون مصر المالية على مر العصور، خاصة فيما يتعلق بجباية الضرائب الزراعية كان يُطلق عليهم «الكتبة والمباشرين الأقباط»، وقد احتفظ الأقباط بهذا الدور بعد قدوم الحملة الفرنسية على مصر، إذ زاد اعتماد الفرنسيين عليهم، ووسط هذه الفئة نشأ يعقوب حنا في مدينة ملوى بصعيد مصر، وبدأ تعليمه في أحد الكتاتيب القبطية، قبل أن يلتحق كاتبًا بأحد كبار قادة المماليك هو سليمان بك الكبير، وقد تكونت لدى يعقوب ثروة كبيرة من عمله ذاك، فصار أحد أغنياء الأقباط، كما أتيحت له فرصة استثنائية للتدرب على الفروسية واستخدام السلاح، وهو ما كان من المحظورات على الأقليات الدينية في مصر في ذلك الوقت.

مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، قام المعلم جرجس الجوهري (كبير الكتبة الأقباط في ذلك الوقت) بتقديم يعقوب إلى كبار القادة العسكريين الفرنسيين، إذ نال لديهم ثقة وحظوة كبيرين، وبعد ثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيين، أدرك نابليون أن محاولاته استرضاء المصريين عبر ادعائه احترامه «المبالغ فيه» للدين الإسلامي كانت غير ذات جدوى، فزاد الاعتماد على الأقباط في إدارة شؤون البلاد، وتوطدت تلك السياسة مع رحيل نابليون المفاجئ عن مصر، وإسناده قيادة الحملة إلى الجنرال كليبر، وكان يعقوب قد لازم قادة الحملة الفرنسية في بعض جولاتهم فرأوا منه شجاعة وإقدامًا.

اقترح يعقوب على الفرنسيين تأسيس «جيش» من شباب الأقباط يكون عونًا في مواجهة الثورات المتعاقبة، وهو الاقتراح الذي قوبل بترحيب فرنسي، إذ قلده كليبر قيادة هذا الجيش وأنعم عليه بلقب «أغا»، وعندما توفى كليبر وجاء من بعده الجنرال مينو قام بترقية يعقوب إلى رتبة الجنرال. جمع يعقوب طائفة من شباب الأقباط، وألحق بهم نحو ألفين من أقباط الصعيد؛ إذ أمرهم بحلق لحاهم، ودربهم على حمل السلاح وركوب الخيل، وخصص لهم زيًا عسكريًا موحدًا شبيهًا بأزياء الجنود الفرنسيين، وبنى قلعة سماها قلعة يعقوب في منطقة الأزبكية.

لم تكن تصرفات يعقوب وانحيازه التام إلى جانب الفرنسيين محل إجماع داخل البيت القبطي نفسه، فإثر اندلاع ثورة القاهرة الثانية ضد كليبر، كان كبير الأقباط المعلم جرجس الجوهري يُداري الثوار ويمدهم بالمال (سواء تضامنًا منه مع أقرانه المسلمين، أو حفظًا لأرواح الأقباط الذين بدأ الثوار في استهداف بعضهم بتهمة تعاونهم مع المحتل)، في الوقت الذي أخذ فيه يعقوب جانب الفرنسيين، وتحصن في قلعته، حيث خاض مواجهات مع حسن بك الجداوي الذي كان أحد قادة الانتفاضة، وبعد فشل الثورة، وكّل كليبر يعقوب «بأن يفعل في المسلمين ما يشاء» على حد تعبير الجبرتي، إذ فرض كليبر على أهل القاهرة غرامات مالية كبيرة.

لكن مع فشل الحملة، وجلاء الفرنسيين عن مصر، خاف يعقوب ومن معه من الأقباط على أنفسهم، فلم يقبل عرض الأمان الذي عرضه عليه العثمانيون، وغادر مصر على متن إحدى السفن الإنجليزية، وتذكر بعض الروايات أنه كان ينوي أن يواصل جهوده السياسية الرامية إلى نيل مصر الاستقلال عن الدولة العثمانية من خارج مصر، لكن الموت لم يمهله؛ إذ أصيب بالحمى بعد يومين من ركوبه السفينة، ومات على أثر ذلك ليبقى «المعلم يعقوب» أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث. 

حركي الجزائر.. موقفهم في الثورة الجزائرية جعل مصيرهم النفي إلى الأبد

«الحركي» هو مصطلح شهير في الوعي الجمعي الجزائري يعني العميل أو الخائن، ويستخدم في الإشارة إلى الجزائريين الذين حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي ضد ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت بين عامي 1954 و1962. بلغ عدد هؤلاء نحو 150 ألف جزائري، وبعد انتهاء الحرب جردوا من أسلحتهم، وهاجر حوالي 60 ألف شخص منهم إلى فرنسا، فيما بقي الآخرون في الجزائر وتعرضوا لأعمال انتقامية؛ إذ كان يراهم أفراد الشعب الجزائري «خونة» وقفوا إلى جانب المحتل ضد أبناء جلدتهم. 

اليوم وبعد مرور عشرات السنين على استقلال الجزائر، يمثل الحركيون وعائلاتهم في فرنسا نحو نصف مليون شخص، وهم ممنوعون من العودة إلى الجزائر، ولم يزل الكثيرون منهم مقتنعين بصحة مواقفهم، إذ يقول مهدي بن سعد أحد حركيي الجزائر الذي يبلغ اليوم 87 عامًا – في مقابلة له مع قناة «فرانس 24»: «اخترت القتال مع البلاد التي حمتني. لذا أقولها وأكررها دون خجل: تحيا فرنسا.. هذه البلد قدمت لي كل ما كنت أحتاجه من مساعدات ودعم».

ويرجع مهدي سبب قتاله مع الفرنسيين إلى تعرضه لخسائر كبيرة بسبب الثوار الجزائريين؛ الأمر الذي دفعه إلى الاصطفاف بجانب فرنسا دفاعًا عن حياته ومصالحه الشخصية: «كنت أعيش في بلدة صغيرة قرب مدينة تلمسان (غرب الجزائر). حياتنا كانت صعبة جدًا. لقد ذبحوا (يقصد هنا الثوار الجزائريين) أفرادًا من عائلتي، ولم يبق لي سوى أختي الكفيفة، وبعض الأقرباء»، بحسب قوله.

ويعد ملف «الحركي» أحد الملفات الشائكة بين باريس والجزائر حتى اليوم؛ إذ تطالب فرنسا الحكومة الجزائرية بالسماح للحركي وعائلاتهم بزيارة بلدهم الأم، لكن هذه الطلبات تقابل برفض جزائري قاطع، وقد ذكر وزير المجاهدين الجزائريين طيب زيتوني أن «الذين خانوا بلدهم لا مكان لهم فيه، وقد حسم التاريخ مصيرهم»، كما ردت «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية أن «الحركي اختاروا فرنسا وقد طُويَ ملفهم نهائيًا ولا عودة إلى الوراء بهذا الشأن».

وبرغم محاولات الدولة الفرنسية لاسترضاء الحركى؛ إذ تصرف لعشرات الآلاف منهم وعائلاتهم معاشات استثنائية، كما قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتكريم عدد منهم، ومنح بعضهم وسام «الفارس» وهو أعلى وسام تمنحه الدولة الفرنسية، لم يزل الحركي في فرنسا يعيشون أوضاعًا غير مستقرة؛ إذ يعاملهم الكثير من الفرنسيين باحتقار، ويتعرض بعضهم لأعمال اعتداء من قبل فرنسيين يرفضون وجودهم، وقد حاول البعض منهم العودة إلى الجزائر، لكن السلطات الجزائرية كانت ترفض دخولهم وتعيدهم إلى فرنسا فورًا.

 

جيش لحد.. الجيش الذي صنعته إسرائيل ثم باعته

في مطلع سبعينات القرن الماضي، أسفرت التوترات في لبنان بين مسيحيي الطائفة المارونية، يساندهم بعض المجموعات الشيعية والدرزية من جهة، وبين المقاتلين الفلسطينيين، مدعومين بقسم كبير من المسلمين السنة في لبنان، والقوى اليسارية و«التقدمية» عن اشتعال فتيل القتال فيما عُرف بـ«الحرب الأهلية اللبنانية»، وهي الحرب التي استمرت نحو 15 عامًا، وراح ضحيتها وراح ضحيتها نحو 150 ألف قتيل.

رعت إسرائيل في تلك الحرب تشكيل ما يسمى بـ«جيش لبنان الجنوبي»، وهي ميليشيا بدأت بقيادة ضابط لبناني يُدعى سعد حدّاد، قبل أن تقرر إسرائيل التدخل بشكل مباشر في المعارك، فاجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان وصولًا إلى بيروت في عام 1982 بقيادة وزير الدفاع آنذاك آرييل شارون، وبعد وفاة سعد حداد، انتقلت قيادة الميليشيا المدعومة إسرائيليًا إلى جنرال لبناني متقاعد هو أنطوان لحد الذي تمكن من إعادة هيكلتها، فضم إليها عناصر جديدة من المسيحيين والدروز والشيعة، وتمكن من توفير المال اللازم لدفع رواتب المقاتلين.

بلغ عدد جنود الجيش نحو 6 آلاف مقاتل، كان أغلبهم من مدن الجنوب اللبناني؛ إذ كانوا يوزعون على ثكنات قريبة من قراهم، كما امتلكوا آلات حربية متطورة بما في ذلك دبابات وأسلحة مدفعية. لعب «جيش حد»، دورًا بارزًا في الدفاع عن الإسرائيليين في جنوب لبنان، وفي حماية الحدود الإسرائيلية من هجمات الفدائيين الفلسطينيين، كما أدار سجونًا في جنوب لبنان جرى فيها حبس خصوم الجيش الإسرائيلي وتعذيبهم، من أشهرها سجن البقاع.

أنطوان لحد

مع نهاية الثمانينات تعرض جيش لحد لمشاكل جمة، مع تصاعد هجمات المقاومة اللبنانية ضد الجيش الإسرائيلي، وحلفائه اللبنانيين، وتعرض أنطوان لحد لمحاولة اغتيال عام 1988 دخل على أثرها المستشفى لعدة أسابيع، ومع توقيع اتفاق الطائف الذي أنهي الحرب الأهلية اللبنانية، صار لحد معزولًا عن الساحة وأضحى النظر إليه هو وجنوده باعتبارهم مجموعة من «الخونة» المتعاونين مع العدو، وحكم عليه بالإعدام غيابيًا بتهمة الخيانة.

ومع انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو (أيار) 2000، انهار جيش لحد وتفكك تمامًا، وهرب آلاف من المنتسبين إلى هذا الجيش مع عائلاتهم إلى الخط الحدودي، ومنها إلى داخل إسرائيل، حيث لم يزل يعيش إلى اليوم معظمهم في بلدات ومدن حيفا، ونهاريا، وطبريا، وكرمئيل، وكلها في شمال البلاد، ولم يتمكنوا من العودة إلى لبنان.

وفي حين تلقى الضباط السابقون وقادة الميليشيا بيوتا ومساعدات مالية، فإن الآخرين لم يتمتعوا بالمميزات ذاتها، وظلوا يعانون من صعوبة التأقلم مع المجتمع الإسرائيلي وقلة فرص العمل، وهو ما دفع البعض منهم إلى الهجرة إلى دول غربية، فيما حاول عدد قليل العودة إلى لبنان بعد سنوات من المنفى، حيث قدّموا إلى المحاكمة.

المصادر

تحميل المزيد