أربع سنوات مضت على ثورات الربيع العربي ويبدو أن الحكام العرب المستبدين باتوا يشعرون بأمان بدرجة أكبر من أي وقت مضى؛ ففي الوقت الذي ما تزال فيه الأنظمة القديمة تحتفظ بهياكلها إلى حد كبير، فإن حركات الاحتجاج العربية ربما تكون قد تنحَّت جانبًا أو انهزمت.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

نجح الطغاة العرب بنوعٍ من الذكاء التكتيكي في تشويه أو تهميش الحركات المعارضة في البلدان العربية، واضعين أنفسهم في مقام القوة الوحيدة التي تقف حائلاً بين استمرار النظام السياسي العربي أو الانهيار التام.

ومع ذلك، فبالرغم مما تبدو عليه الصورة من أن هؤلاء الطغاة تمكنوا من تأمين مواقعهم وعروشهم على المدى القصير، إلا أنه وعلى المدى البعيد لن يكون بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم، خاصةً وأن تلك الأنظمة وضعت نفسها في مواقع هشَّة. وليس ذلك فحسب، بل قامت أيضًا بما انتهجته من سياسات بذرع بذور الدمار التي قد تعصف بها عبر سلسلة من التناقضات الأيديولوجية والمادية.

غير أن ذلك لا يعني بالتبعية أن الثورات العربية ستنتصر. فعلى النقيض من ذلك، ستحيا البلدان العربية في ظل حالة من السيولة، ولن يكون هناك من سبيل لاستمرار تلك الأنظمة الحالية سوى الاستخدام المفرط للقوة.

مصر

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

تمكَّن الجيش المصري خلال الأربع سنوات الفائتة من الإمساك بمقاليد السلطة في البلاد، بطريقة لم تعهدها مصر منذ فترات حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والضباط الأحرار.

وفي ذات الوقت الذي استغل فيه الجيش الموجات الأولى من الاحتجاجات العارمة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، والتي اندلعت للقضاء على غريمه التقليدي، ونعني به هنا حكم الطبقة الرأسمالية، فقد أعاد الجيش الكرَّة من جديد مع انقلاب يوليو متكئًا على حليف قديم لقمع حركات المعارضة، ومن ثمَّ القضاء على أطراف اللعبة كافة لتتمركز السلطة في يده دون منازع.

عندما قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير كان ثمة صراع على السلطة بين فريقين: أولهما النخب العسكرية، وثانيهما طبقة الرأسمالية والمحسوبية. وكانت الطبقة الرأسمالية في ذلك الوقت تلعب دور الشريك المدني في الائتلاف الحاكم، والعمود الفقري الداعم للحزب الحاكم وهو الحزب الوطني الديمقراطي.

بدت ملامح ذلك الصراع وجوهره في محاولات الطبقة الرأسمالية توسيع نفوذها والإمساك بتلابيب الأمور في البلاد. وقد تجلَّت صور تلك المحاولات في سعي جمال مبارك نجل الرئيس حسني مبارك نحو خلافة والده. رغبة قوبلت بمعارضة شديدة من قبل المؤسسة العسكرية ممثلةً في وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي واللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة آنذاك.

أفضى ذلك الصراع إلى إحداث حالة من «الانقسام» داخل الطبقة المصرية الحاكمة. وهو ما مثَّل بدوره دافعًا قويًا للجيش لأن يتخذ قرارًا بالتنصل عن حماية مبارك والطبقة الرأسمالية خلال ثورة يناير لصالح المتظاهرين. وبضربة واحدة، حصل الجيش على «شرعية» للإطاحة بخصومه داخل هيكل السلطة المصرية. وقد دفعت النجاحات المبكرة للمتظاهرين خلال أيام الثورة الأولى إلى حتمية ذلك الصراع.

عقب الانتهاء من المرحلة الأولى، سعى الجيش نحو تسوية مع جماعة الإخوان المسلمين لدفعها نحو مزاحمة حركات المعارضة. وبينما قبلت الجماعة هذه التسوية ظنًا منها أنها السبيل نحو سدة الحكم في مصر، إلا أنه وبعد انتخاب مرسي رئيسًا للبلاد، فقد أثبتت التجربة أن هذه التسوية لم تكن إلا تكتيكًا معهودًا لتفريق الخصوم من قِبَل المؤسسة العسكرية التي ما لبثت أن تحولت عن حليفها وانقلبت ضده.

انقلاب في الثالث من يوليو 2013، وقمع شامل بحق الجماعة يدعمان صحة تلك العبارات. صُنفت جماعة الإخوان المسلمين في غضون أشهر أو أيام قليلة كجماعة إرهابية. ولم تقتصر سياسات القمع على أعضاء الجماعة فحسب، بل شملت أيضًا نشطاء سياسيين كانوا حتى معارضين لحكم مرسي.

تلت تلك المرحلة تحركات من قبل الجيش للهيمنة على المُقدرات السياسية والاقتصادية في البلاد. ففي الوقت الراهن، بات الجيش مسيطرًا على الاقتصاد المصري الذي يهيمن عليه بالفعل حتى على حساب أيَّة شراكات مدنية مع الطبقة الرأسمالية. وإذا كان الجيش يبدو بمأمن على المدى القصير، فإن فرص الأمان لن تكون مواتية على المدى البعيد.

فالقيادة الحالية تناست درسًا كان الجيش قد تعلمه عقب الهزيمة التي مُني بها في حرب 1967. ينبني ذلك الدرس على الحاجة الدائمة لصبغ العلاقات داخل سلطة النظام السياسي المصري بصبغة مدنية. فاللباس المدني للنظام الحاكم قد يصرف الغضب الشعبي، فضلاً عن منحه مظهرًا من مظاهر الحكم الديمقراطي.

إن غياب الشراكة المدنية سواءً كانت مع جماعة الإخوان المسلمين أو حتى الحزب الوطني أفضت بالنظام الحالي إلى أزمة تتعلق بإجراء الانتخابات البرلمانية التي تم تأجيلها عدة مرات من قبل النظام.

وفي حال لم تشهد السياسات الحالية للنظام الحاكم أي تغيير حقيقي, فإن تناقضات النظام التي وضعت الثروات المادية في أيدي النخب العسكرية على حساب النخب المدنية والجماهير المصرية قد تلقي بالسلطة إلى غياهب الغضب الشعبي ضد الجيش. وبعبارة أخرى, فإن الجيش بما قام به من تدمير للبدائل المحتملة للحكم العسكري، قد وضع نفسه في موقف صعب للغاية. وكذا، فإن شعارات «مكافحة الإرهاب» لن تجدي لفترات بعيدة.

سوريا

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

نجح الديكتاتور الحالي في سوريا بشار الأسد في إحداث انشقاقات داخل المعارضة السورية المنقسمة بالأساس. ولم يكتفِ النظام الاستبدادي بذلك، فقام بصبغ الثورة السورية التي اندلعت بصبغة التطرف والأصولية، مدمرًا دون منازع الدولة السورية.

وبدلاً من أن يقوم بتسوية سياسية تسمح لهياكله بالبقاء بمأمن، فقد اختار النظام السوري، مدعومًا من الطبقات السنية الوسطى والأقليات الأخرى، تحويل الثورة إلى صراع حتى الموت.

باستخدام العنف المفرط والسياسات الطائفية، ألبس النظام السوري ثورة شعبه لباس التطرف والتمرد، حتى ولو على حساب التضحية بسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي، ممهدًا الطريق نحو الصعود المتنامي لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

أضف إلى ذلك أنه وفي الوقت الذي قام فيه النظام بتحويل الثورة إلى حرب أهلية طائفية، فقد عزل نفسه عن أية ضغوط محتملة من قبل الجماعات المتحالفة، معقدًا أواصر التحالف بين الجيش السوري والطبقة السنية الوسطى والأقليات الأخرى.

أفضى ذلك النهج إلى منح النظام دعمًا لا يمكن تعويضه، وتأمينًا لموقفه على المدى القصير. تأمين تتزايد وتيرته مع الدعم الدولي الذي يتلقاه من روسيا وإيران، ناهيك عن الاتفاق الغربي العام على أن الأسد هو خيار أمن إذا ما قورن بداعش.

ولكن الصورة تبدو مختلفة على المدى البعيد. فالحرب الأهلية السورية أحدثت تدميرًا كبيرًا على صعيد الموارد الرئيسة للدولة. وعليه، فإن مستوى التدمير الذي طال مقدرات البلاد سيقف كحجر عثرة أمام النظام السوري، وسيحّد من قدرته على خلق ثروات جديدة للبلاد لسنوات قادمة حتى وإن فاز بالحرب.

إن السيناريو الأكثر واقعية للحالة السورية يبدو أقرب إلى السيناريو التدميري لسوريا في حال عجز بشار الأسد عن حكم البلاد. تدمير سوف يطال كافة النخب الحاكمة التي سارت في درب النظام بأعين عمي نحو الهاوية.

العراق

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

أما في العراق فقد استُخدم الصراع الطائفي لتدمير الدولة، وهو ما أدى إلى انهيار جزئي. فبالاعتماد على الذكاء التكتيكي، استغل النظام العراقي النخبة السنية لقمع التمرد من خلال التعاون مع مجالس الصحوة. وبالاستناد على المبدأ الميكافيلي، قمع النظام ذات النخب السنية بعد أن كانت قد لعبت دورها لخدمة أغراض مختلفة.

علاوة على ذلك، فإن النظام لم يستجب للتحذيرات بشأن الاحتجاجات العارمة للسنة، والتي سبقت الظهور المتنامي لداعش. حتى إن سقوط الفلوجة في قبضة داعش لم يتبعه تغييرات في نهج النظام المتبع. وبدلاً من ذلك، عمد النظام إلى استغلال شعارات من قبيل «مكافحة الإرهاب» باعتبارها سندًا لشرعيته.

في نهاية الأمر، إذا كان النظام العراقي قادرًا على المناورة للبقاء على عرش البلاد، فقد زرع بنفسه بذور نهايته. ففي أحسن الأحوال، سيكون النظام قادرًا على حكم الأجزاء الجنوبية فقط من البلاد حتى لو استطاع هزيمة داعش، وستبقى احتمالات قدرته على حكم المناطق الأخرى من العراق ضعيفة جدًا.

فالطائفة السنية لن تتسامح مع النظام الشيعي الحاكم طالما كان عاجزًا عن إجراء المزيد من الإصلاحات التي تضمن مشاركتهم في السلطة. ويبدو أن العراق بات على موعد مع حالة من السيولة والعنف وعدم الاستقرار ستمتد لأمد بعيد.

الخاتمة

إذا كان الطغاة العرب يملكون ذكاءً تكتيكيًا، فإنهم يتمتعون في ذات الوقت بغباء استراتيجي. فليست لديهم أية رؤى أو تصورات لمصالح الفئات الاجتماعية المختلفة. وتظل هناك حاجة نحو مراجعات تكتيكية من أجل خلق نظام سياسي محكم.

فعلى سبيل المثال، كان بإمكان الجيش المصري أن يستخدم جماعة الإخوان المسلمين كغطاء مدني في سبيل البقاء في السلطة من خلف الستار.

وفي سوريا، كان بإمكان النخب الحاكمة أن تبعث ببشار الأسد إلى المنفى بهدف استمرار ما تبقى من النظام معافًا وأمنًا.

وفي العراق، لو كان النظام العراقي قد استجاب لدعوات السنة لإدماجهم في الحكم، فربما لم تكن داعش قد نمت بذات الطريقة التي نشهدها حاليًا.

أخيرًا، إن هؤلاء الطغاة طلاب فاشلون لم يتعلموا من دروس التاريخ بعد. ويبدو أنهم لم يعوا شيئًا من قصة بسمارك في ألمانيا، الذي أجرى إصلاحات سياسية أحبطت قيام ثورة محتملة في البلاد.

قد تلجأ أحيانًا إلى بتر إصبعك للحفاظ على ذراعك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد