يخطيء من يعتقد أن بلدًا يعتنق شعبُه ديانة الإسلام، ويتحدث مواطنوه اللغة العربية، ويقع داخل محيط العالم العربي سينجو بالتأكيد من دائرة العنصرية والنظرة الاستعلائية من بعض أقرانه العرب؛ خصوصًا إذا ما أخذنا فى الاعتبار نموذج دولة موريتانيا، التي وقع أعداد كبيرة من مواطنيها لنظرة تحمل قدرًا من الاستهانة من جانب جيرانهم العرب.

 

يحاول التقرير التالي البحث بصورة أكثر تفصيلية على وقائع التهميش التى عانى منها سكّان موريتانيا من جانب جيرانهم العرب؛ وكيف انعكست هذه النظرة على السياسات الداخلية فى البلاد؛ لتصير العنصرية والتمييز مبدأ حاكمًا فى التعامل فيما بينهم داخل الدولة العربية التي تعيش فيها ثلاث مجموعات عرقية هم: العرب، وقبائل صنهاجة الأمازيغية، إلى جانب أصحاب البشرة السوداء من الأفارقة، السكان الأصليين للدولة.

 

انسَ ما تعرفه عن «القزم» من السينما.. 5 نماذج مبهرة لأقزام ألهموا العالم

«أنت حلو؛ بس موريتاني».. أن تكون مختلفًا وسط عنصريّين

وسط الكمّ الهائل لنشرات الأخبار التي تُذيعها القنوات العربية بشكل يومي؛ تندُر عناوين لدول مثل موريتانيا، أو جزر القمر، أو جيبوتي في عناوينها الرئيسة؛ فهذه الدول التي تعتنق شعوبها ديانة الإسلام، ويتحدثون العربية، تقع فى منظور مُغاير لاهتمامات الدول العربية في الشرق الأوسط، سواء حكومة أو شعبًا؛ لذلك يغيب دومًا مراسلو هذه القنوات عن تغطية قضاياها، أو مشاكل سكّانها وأوضاعهم السياسيّة والاقتصاديّة التي لا يعرف عنها جيرانهم العرب شيئًا.

Embed from Getty Images

إحدى الاحتفاليات التي نظمها مئات من الشباب الموريتاني

لا يوجد توصيف أكثر واقعية لنظرة الشعوب العربية لهذه الدول سوى التعبير المتداول للسكان الموريتانيين عن نظرة جيرانهم العرب لهم: «أنت موريتاني» في إشارة لنظرة يملؤها التعالي سوء المعاملة بالنسبة للكثير من العمّال الموريتانيين في البلدان العربية.

 

أحد الشهود على مثل هذه الوقائع هو يوسف عبد القوي، 45 عامًا، والذى انتقل للعمل فى إحدى الدول الخليجية منذ خمسة أعوام – ويرفض الإفصاح عنها لأسباب شخصية – للعمل إمامًا لأحد مساجدها، ومُدرّساً للغة العربية لعدد من الأطفال لأُسر خليجية داخل منازلهم فى المدينة التى يسكن فيها. تعرف يوسف على فرصة العمل من إعلان لسفارة الدول الخليجية داخل بلاده؛ ليتقدم للوظيفة ويجتاز الاختبارات الشفوية والتحريرية؛ وينتقل بعد ذلك للعمل لوحده تاركًا أسرته الصغيرة التى تتكون من زوجته وابنتيه في موريتانيا، طلبًا للرزق.

 

يوسف هو واحد من بين آلاف العمّال الموريتانيين الوافدين للعمل في الخليج العربي، إذ تحتل دول الخليج المرتبة الثانية فى قائمة الدول التي يهاجر إليها الموريتانيون بعدد يصل نحو 50 ألف مهاجر، بعد أفريقيا التي يُقدر فيها عدد المهاجرين فيها نحو 100 ألف يتمركزون بصورة أساسية فى دول غرب أفريقيا، وهو نفس العدد تقريبًا الذي هاجر لبلاد أمريكا وأوروبا.

 

منذ دخول يوسف الاختبار الشفوي مع أحد موظّفي السفارة؛ تعرض لأحد المواقف التى تركت آثرًا مؤلمًا في داخله، تُعطي صورة مكتملة عن معاناته المستقبلية؛ وذلك بعدما ذكر له الموظف: «ستكون مهامك في المسجد؛ لا نرغب فى تواجدك بالأماكن السياحية. أنت موريتاني؛ لن تفهم أى شيء خارج إطار عملك». بعدما انتقل للعمل داخل المدينة الواقعة بالدولة الخليجية؛ تكررت أمامه التعليمات التي تلقاها من المسؤول في السفارة؛ ليكتشف مظاهر جديدة فى أسس التعامل معه كونه مواطنًا موريتانيًا، منحدرًا من بيئة فقيرة ماديًّا؛ إذ ترتسم صورة عنصريّة مسبقة في ذهن الكثير من سكان جيران وطنه العرب عن المواطن المنتني لبلاده، باعتباره مواطنًا فقيرًا يرتكب أفعال همجيّة.

 

يتذكر أحد المواقف التى تعرض لها خلال خمس سنوات من العمل في الدولة الخليجية، قائلًا: «عند محاولتي استصدار رخصة سيارة؛ فوجئت بالشخص المُمتحن لي يبلغني بتعذر حصولي على الرخصة، رغم عدم وجود محاذير قانونية لذلك، واجتيازي اختبار القيادة؛ وذلك لأسباب فسرها لي أنها تتعلق بهويتك الأمازيغية كونك موريتاني». يختتم تصريحاته: «كان المجتمع يقبل العيش معنا، لكنه لا يقبل إعطاءنا حقوقنا التي يطالبون بها كمواطنين».

 

واقعة أخرى لمواطن موريتاني انتقل للدراسة في إحدى الجامعات الحكومية في مصر؛ ليبدأ قصّة حُب مع فتاة مصرية استمرت لعامٍ كامل؛ قبل أن تُقرّر قطع العلاقة العاطفية فى منتصفها لأسباب فسرتها له: «أصدقائي وعائلتي استغربوا من أنّي أتزوج واحدًا موريتانيا؛ قالوا لي مش هيناسبك»؛ ثم يتذكر أكثر الجمل التي أحس منها بالظلم: «أنت حلو؛ بس موريتاني». تسببت هذه الواقعة فى عقدة لازمت الشاب طوال حياته، جعلته ينطوي على نفسه لفترات طويلة عقب مغادرته مصر.

ولا توجد قوانين عنصرية في الدول العربية تجاه المواطن الموريتاني أو المنتمي للدول السابق ذكرها بشكل رسمي؛ لكن وفقًا لما رصده هذا التقرير من شهادات حية، توجد بعض الإجراءات التي تتخذها هذه الدول تندرج تحت ما يمكن توصيفه بـ«التمييز بشكل غير رسمي».

 

من الهند إلى أمريكا مرورًا بإسرائيل.. التعقيم القسري لتحديد نسل الفقراء والسود والغجر

الداخل الموريتانيّ.. شبح الرقّ مازال حائماً حول «بلاد شنقيط»

تركت سياسات التهميش والعنصرية في البلدان العربية ضد الوافدين الموريتانيين آثارًا سلبية كبيرة عليهم، لكن هذه الأجواء العنصرية لا يعيشها الموريتانيون خارج حدودهم فقط؛ بل إن هذه الممارسات منتشرة على المستوى الشعبيّ، بالإضافة إلى سياسات الحكومة التي اتسمت بقدر كبير من هذه الأساليب تجاه قطاع كبير من مواطنيها ممن يخرجون عن الأطر الاجتماعيّة الغالبة.

Embed from Getty Images

صورة تجمع أكثر من مواطن موريتاني يركبون الجمال في الصحراء

 

واحد من هؤلاء الذين عانوا من الممارسات التمييزيّة بحسبه هو عبد الله سالم ولد يالي، والذي اتهمته المحكمة الجنائية الموريتانية بالتحريض على العنف والكراهية العنصرية، لنشره آراءً على وسائل الإعلام الاجتماعي تدين التمييز العنصري في البلاد. لم يكن رأي ولد يالى سوى تعبيرًا عن معاناة مجتمعه في نظر البعض؛ فقد أشارت هذه الآراء لمعاناة الأقلية التي ينتمي إليها وهي «الحراطين»، وهم أحفاد عبيد ذوو بشرة داكنة ويتحدثون العربية، ويشكلون حوالي ثلث سكان البلاد. يدعو ولد يالي في تلك المقاطع الصوتية الحراطين إلى الدفاع عن حقوقهم ومقاومة «النظام» والنخب والرئيس محمد ولد عبد العزيز.

هذه الدولة العربية ما زال بعض الناس يستعبدون السود فيها!

 

في هذا السياق، قالت «هيومن رايتس ووتش» في تعليقها على الأوضاع الحقوقيّة في موريتانيا: «إن الانتماء الإثني والتمييز هما من القضايا الحساسة سياسيًا في موريتانيا، ويشكلان الأساس لكثير من القوانين التي تتضمن أحكامًا فضفاضة تُستخدم لمعاقبة الخطاب النقدي السلمي». حالة أخرى لمواطن موريتاني تعرض للتمييز من جانب سلطات بلاده على إثر خلفيته الاجتماعية والمادية هو المدوّن الشهير محمد الشيخ ولد امخيطير، والذى صدر بحقه حكم قضائي بالإعدام بتهمة الزندقة؛ بسبب مقالة تنتقد التمييز الطبقي.

 

يبدو التجلّي الأكبر والأكثر بروزًا  لسياسات التهميش فى موريتانيا علي مواطنيها في «استعباد» بعض النُخب العربية والأمازيغية الذين  يُشكلون نحو ثلث سكَّان موريتانيا، بعض المواطنين السود من مواطني موريتانيا حتى الآن، والذين يعرفون باسم الحراطين.

 

استمرار هذه السياسة للوقت الحالي مرتبط بشعور قطاع كبير من النخبة العربية من جانب مواطني موريتانيا بالتفوق العرقي على الآخرين؛ لأسباب لها علاقة بالحقوق المكتسبة على خلاف الفئة الأخرى التي لا تملك حقًّا في التعليم، ولا أية حقوق مدنية، بالإضافة إلى ظروفهم الاقتصاديّة السيئة، والتي تحتّم عليهم القيام بالأعمال الشاقة.

 

وحسب المؤشِّر العالمي للرق فإنَّ عدد الأشخاص الذين يعيشون في ظروف تشبه العبودية والرق في موريتانيا يصل إلى نحو 160 ألف شخص إلى الوقت الحالي؛ وذلك على الرغم من صدور قانون رسمي يمنع العبودية والرق رسميًا في موريتانيا، وملاحقة مالكي العبيد قضائيًا. حسب تصريح للناشط الموريتاني المدافع عن حقوق الإنسان، بيرام ولد، لموقع «قنطرة»: «المجتمعات العربية تنكر بالتالي فكرة المساواة بين جميع الناس بصرف النظر عن لون بشرتهم أو عرقهم. وهذه الرؤية العنصرية تعود إلى عهد تجارة الرقيق».

 

هكذا حاول «الرجل الأبيض» استخدام العلم لتحقير الأعراق الأخرى واضطهادها

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!