مع الانتشار الواسع لفيروس «كورونا» «عدو البشرية»، كما وصفته منظمة الصحة العالمية، وسيطرة مشاعر الخوف على الملايين من أن تنتهي مصائرهم كحال من فقدوا حياتهم بسبب الوباء، عادت من جديد صورة مشرقة منسية للمواطن العربي في الغرب، الذي انحسرت أدواره في السنوات الأخيرة في مخيلة بلدان السقيع الأوروبي بين صورة «الإرهابي»، أو اللاجيء غير القانوني الوافد  إليهم عبر قوارب في عرض البحر دون أوراق رسمية، باحثًا عن وطن بديل لموطنه الأصلي الذي صار ساحة للحروب الأهلية.

من وراء هذا الإحياء لصورة العربي المشرقة الجديدة، في يوميات «كورونا» القاتلة، هُم الأطباء العرب الذين برزت أدوارهم في مستشفيات أوروبا جنودًا في خط الدفاع الأول عن مرضي الوباء عبر تقديم خدماتهم الطبية، وامتد هذا الدور داخل معامل الأبحاث لنماذج أخرى ساهمت في تطوير تجارب الأدوية أو ابتكارات طبية تحاول الحد من انتشار الوباء الذي أصاب مئات الآلاف في أكثر من 160 دولة.

في التقرير التالي نحاول تتبع قصص هؤلاء الجنود المجهولين بين مستشفيات إيطاليا، وبريطانيا، وأمريكا، ونروي حكاياتهم في ممرات وغرف العلاج، لأيام طويلة، دون كلل أو تذمر، واستدعاء لمشاهد سابقة، حتى سقط منهم  الكثير في هذه الحرب الضروس، مُخلدين ذكراهم في ذاكرة العالم. 

صحة

منذ 8 شهور
30 سؤالًا يشرح لك كل ما تريد معرفته عن كورونا

هبة مصطفى.. مصرية مُشاركة في تطوير اختبار تشخيص ««كورونا»»

هي الطيبية الشابة المصرية التي تصدر اسمها قائمة الفريق العلمي الذي كشفت عنه جامعة «جونز هوبكنز» الأمريكية، بعد نجاحه في تطوير اختبار جزيئي خاص لتشخيص «كوفيد-19» يسهم في تخفيف العبء على المختبرات الحكومية. الكشف العلمي الجديد يتيح التعرف على نتيجة التحليل في أقل من ثلاث ساعات وبنسبة دقة أعلى، خلافًا للمختبرات المستخدمة قبله، وتظهر نتائجها بعد أيام.

حكاية هبة شبيهة بقصص آلاف الشباب العرب، الباحثين عن فرص للهجرة من بلدانهم بحثًا عن فرص تعليم أفضل، فهي مصرية النشأة درست الطب بجامعة الاسكندرية عام 2004، وقضت بالجامعة فترة التدريب والإقامة في علم الأمراض السريرية فيها. بعد هذه المحطة، انتقلت للولايات المتحدة الأمريكية، لتنجح بعد سنوات في بلد لا تعرف عنها شيئًا، في نيل درجة الدكتوراة في علم الأحياء الدقيقة بجامعة كانساس الأمريكية عام 2014، لتصبح بعد سنوات من التدريب في مراكز طبية بين الولايات الأمريكية، مديرة لمختبر الفيروسات الجزيئية وأستاذ مساعد في علم الأمراض بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز.

مقطع فيديو نشرته الجامعة الأمريكية تتحدث فيه هبة عن الاكتشاف الجديد

تقول هبة في فيديو نشرته الجامعة عن الاكتشاف الجديد أن الاختبار الجديد يركز على جينوم فيروس «كورونا» لاكتشاف وجوده في العينة من عدمه، والعينة هي مسحة من أنف أو فم المريض، مشيرةً إلى أن هذا الاختبار يخفف العبء على المختبرات الحكومية. كما تؤكد أن الجزء الصعب في الاختبار – الذي تظهر نتائجه في غضون ثلاث ساعات – تمثل في الحصول على المواد الجينومية للفيروس اللازمة لإجراء عمليات التحقُّق التي تُمكن من إجراء الاختبار.

إلى جانب دورها في هذا الاختبار، تركز هبة في عملها البحثي على تطوير برنامج بحثي يركز على تنفيذ تسلسل الجينوم الكامل في مختبر علم الفيروسات السريري، مع التركيز على دراسة الأحداث التطورية الجينومية الفيروسية.

إلى جانب اكتشاف هبة، برزت أدوار بطولية لآلاف الأطباء العرب المُقيمين في الولايات الأمريكية، في مستشفياتها، عبر العمل على معالجة آلاف المصابين.

أطباء سودانيون في بريطانيا.. تضحية الأطباء العرب طواعية من أجل الواجب

في قائمة من نعتهم هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية «NHS» تثمينًا لأدوارهم في مواجهة الوباء الذي أصابهم خلال عملهم بالمستشفيات، تصدر اسمي طبيبين سودانيين هما عادل الطيار استشاري جراحة زراعة الأعضاء، الذي غيبه الموت 25 مارس (آذار)، وزميله استشاري الأذن والأنف والحنجرة، الدكتور أمجد الحوراني، الذي لحق به يوم السبت الماضي.

مع اشتداد المرض، وارتفاع أعداد الحالات، تطوع الطيار  مع عشرات من الأطباء العرب العاملين بكبرى مستشفيات بريطانيا لمعالجة حالات غرفة الطوارئ بمستشفى ويست ميدلان، وأصيب بالوباء جراء عمله، لينتقل بعد ذلك إلى مستشفى «ويست ميدلسيكس» الجامعي، في إيزلورث بغرب لندن، بينما زميله الحوراني، توفي بالمستشفي بعدما أدى دوره كاملًا لساعات طويلة، متقلًا بين المصابين، غير عابئًا بسنه الذي يزيد من احتمالية تعرضه لأعراض حادة عند الإصابة.

السفير البريطاني ينعي الطبيب السوداني على حسابه في «تويتر»

وحضور أبناء النيل في مجال الطب ببريطانيا لافت ومؤثر منذ سنوات طويلة، أعاد التذكير به أزمة الوباء عقب تصدرهم الخطوط الأمامية لعلاج آلاف البريطانين الوافدين لمستشفياتها. رفع من شأن هذا الدور أنهم أدوه تطوعًا، بعد القفزة الكبيرة التي حققتها أعداد المصابين، خلال الأيام الأخيرة في لندن.

والطيار هو أحد أبناء مدينة عطبرة، شمال السودان، التي رحل عنها مرتين، الأولى حين غادرها لدراسة الطب في مصر،  بعد الانتهاء من دراسة المراحل الأولية. والثانية في عام 1993،  قاصدًا عاصمة الضباب، ليتخصص في الجراحه، ويصير بعد سنوات قليلة عضوًا في الجمعية الملكية للجراحين في إنجلترا، «مانحًا  الحياة للكثيرين في أنحاء العالم بفضل نبوغه الطبي من خلال مهاراته المميزة في زرع الكلى والبنكرياس، مجال تخصصه، لقد كان زميلًا ممتازًا ومتواضعًا حقًا»، كما حكى عنه الجراح الاستشاري السوداني عباس غظنفر لـ«بي بي سي».

الصحافية البريطانية زينب بدوي (سودانية الأصل)، وهي ابنة عم الطبيب الطيار، وقد روت عن أيامه بعد إصابته بالمرض، قائلة لإذاعة «بي بي سي»: «كان عادل متفائلًا أثناء مرضه، ولم يكن أحد يتخيل الأسوأ، كنا نعتقد أنه سيتعافى قريبًا». بينما قال نجل الحوراني لصحيفة سودانية محلية «أنا فخور به للغاية، وكان صخرة عائلتنا، كان قويًا بشكل لا يصدق، عطوفًا ومعطاء، يضع الجميع قبل نفسه».

في إيطاليا..  أطباء لبنان جنود في الصف الأول من المعركة

عقب تحول إيطاليا لبؤرة انتشار للفيروس، وتدهور الأوضاع سريعًا، بعد تخطي البلد الأوروبية الصين في أعداد الإصابات والوفيات وتكدس المستشفيات، كان للأطباء اللبنانين دور بارز مع أقرانهم الإيطالين كخط دفاع أخير للحد من وقوع مزيد من الوفيات، والسيطرة عليه. ويُشكل اللبنانين الغلبة في نسبة الأطباء العرب المُقيمين في إيطاليا التي انتقلوا إليها من سنوات طويلة.

من بين هؤلاء كان الطبيب اللبناني حسين جلوس، أحد أعضاء خلية الازمة في المناطق المصابة بالفيروس، والذي مضى طيلة الأسابيع الماضية متنقلًا بين الغرف في المستشفيات، تحت وطأة خطر التقاط العدوى والموت، ساعيًا لإنقاذ أكبر عدد ممكن. ويُشارك حسين أطباء عرب أغلبهم لبنانين مع زملائهم الإيطالين في العمل لساعات طويلة، آملين أن تنتهى جهودهم في السيطرة على هذا الوباء.

دولي

منذ 8 شهور
«فورين بوليسي»: لهذه الأسباب تفاقمت أزمة كورونا في إيطاليا

وحسين، ابن مدينة الهرمل اللبنانية، كان واحدًا من آلاف الأطباء اللبنانين الذين انتقلوا للعمل في إيطاليا، وترقوا في مسار صعودهم المهني، ليصير رئئيسًا لقسم جراحة الكلى والمسالك البولية بكبرى المستشفيات الإيطالية، ومدرسا في جامعة بافيا للدراسات.

«يعمل الأطباء اللبنانيون ليلًا ونهارًا لمكافحة الفيروس»، هكذا وصف الدكتور جلوس أحوال الأطباء اللبنانين الذين يعيش العدد الأكبر منهم في شمال إيطاليا، وهي المنطقة التي تشهد بؤرة تركز الفيروس. ويُضيف الطبيب اللبناني: «إنهم لا يبذلون قصارى جهدهم في لبنان فحسب، بل في جميع أنحاء العالم وحتى في أخطر الظروف»، وساهم في هذا التدهور السريع في أعداد الوفيات موقع إيطاليا في المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد اليابان من حيث عدد كبار السن؛ مما يعني أنهم معرضون بشكل خاص لخطر الإصابة بأعراض بالفيروس الحادة والوفاة. 

في تركيا.. أطباء عرب يواجهون «كورونا» تطوعًا

وكحال البلدان السابقة، برزت أدوار الأطباء العرب أيضًا في تركيا التي ارتفعت فيها أعداد الإصابات مؤخرًا، بمبادرات فردية من جانبهم، دعمًا للبلد، التي احتضنتهم طيلة السنوات الماضية، في مواجهة الوباء القاتل. وبدأ هذا الدور عبر إطلاق أطباء سوريون مبادرة من أجل التكاتف مع جهود وزارة الصحة التركية في مكافحة الفيروس. بعد الإعلان عن المبادرة، لحق بالأطباء السوريين أطباء مصريون وعرب من جنسيات أخرى، ليوزعوا على كافة الولايات التركية للحد من انتشاره.

علوم

منذ 6 سنوات
الطيور المصرية المهاجرة... أبرز 15 عالمًا مصريًّا في الخارج

وبحسب البيان الصادر عن المبادرة؛ فهي تهدف إلى مساعدة السلطات الصحية التركية في مواجهة فيروس «كورونا» من خلال وضع الأطباء العرب والممرضين والصيادلة وأطباء الأسنان والمخبريين أنفسهم تحت تصرف وزارة الصحة.

وحول تفاصيل إطلاق المبادرة، قال طبيب الأسنان السوري محمد دالي لوكالة الأناضول للأنباء: إن «فكرة المبادرة بدأت من الأطباء السوريين وتوسعت لتشمل الأطباء العرب، ووصلتنا طلبات وعروض من السفارات والقنصليات الأوروبية للتطوع مع فرقها، حيث راسلتني السفارتان الفرنسية والإيطالية»، وأضاف «رأينا أن من واجبنا تجاه تركيا رد الجميل والعمل والتطوع لمكافحة الفيروس فيها، فبدأت بجهد شخصي بعمل روابط ومجموعات وتمكنت من جمع قرابة 250 طبيب في إسطنبول لوحدها، ونفس الأمر جرى في ولايات أخرى».

المصادر

تحميل المزيد