نشأ التيار النسوي العربي في مواجهة أجواء الجور والضيم التي كانت تتعرض لها المرأة العربية في مختلف مناحي الحياة، حيث كانت تحرم من أبسط حقوقها الشخصية والاجتماعية، بما في ذلك الحق في اختيار الزوج ورفيق الحياة والحق في التعليم والرعاية الصحية.
ولا نتحدث هنا عن المشاركة في الحياة العامة، حيث كانت تحجب في البيت ويقتصر دورها على الإنجاب ورعاية الأطفال وخدمة الزوج، أو الأخ والأب، في مجتمع تغلب عليه الثقافة الذكورية بصورة كاملة.
وبحكم أجواء التخلف وانتشار الجهل السياسي والديني، غدت هذه العادات والأعراف الاجتماعية أمرًا مستقرًا ومتوارثًا جيلًا عن جيل، من دون أن يثير ذلك أي نوع من المساءلة والرفض.
بل ازداد التشبث بهذه الأعراف الاجتماعية الظالمة مع الاجتياح الاستعماري الأوروبي، الذي اعتبرته المجتمعات العربية والمسلمة تهديدًا للوجود وثوابت الدين وأسس المجتمع، رغم أن الكثير منها يتناقض مع أسس الإسلام وقيمه الكبرى التي قامت في أصلها على معاني المساواة دون تمييز بين الذكر والأنثى، إلا في حالات مخصوصة معروفة.
في مثل هذه الأجواء، ارتفعت أصوات بعض المصلحين منذ أواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، منادية برفع الكثير من المظالم المسلطة على المرأة المسلمة باسم الدين، مثل الكاتب أحمد أمين، ومن قبله أستاذه الشيخ محمد عبده في مصر، والطاهر الحداد في تونس وَعَبد الرحمن الكواكبي في بلاد الشام.
ورغم مشروعية المطالب التي نادى بها هؤلاء، وفِي مقدمة ذلك حق المرأة في التعليم واختيار الزوج ومشروعية خروجها للحياة العامة، إلا أنهم وُوجهوا بموجة من الاحتجاج والاعتراض من طرف المؤسسات الدينية والعدد الأكبر من المشايخ والعلماء، ونُظر لهذه الآراء على أنها خروج عن ثوابت الدين وأسس المجتمعات المسلمة وانحياز لأفكار المتغلب وقيمه.
هذه الأطروحات الإصلاحية التي صدح بها عدد محدود من العلماء والكتاب من داخل الأزهر والزيتونة ونخبة من المثقفين من داخل المعاهد والجامعات الحديثة، أصبحت اليوم مألوفة وحاضرة بقوة مع انتشار التعليم وانخفاض معدلات الأمية في العالم العربي وخروج المرأة العربية للحياة العامة.
إلا أن هذا لا ينفي كون العالم العربي يعاني ضربًا من الانقسام والانشطار المجتمعي والثقافي بين عالم المدينة والريف، وبين أبناء وبنات الطبقات العليا المحظوظة التي تتعلم غالبًا في مدارس النخبة وتتصدر المناصب العليا في المجتمع والدولة، وبين الفئات الفقيرة التي تعاني من التهميش وارتفاع معدلات الأمية والبطالة وتدني ظروف العيش.
وانعكس ذلك على التيارات النسوية العربية نفسها، فكانت أقرب إلى نادي السيدات من أهل الوجاهة والحظوة، حتى إن الكثير من الناشطات في هذا التيار تمتنع عن استخدام اللغة الوطنية، إلى جانب نظرتها الاستعلائية للمجتمع، وخاصة الفئات الضعيفة منه.
ما يمكن ملاحظته هنا هو وجود حركة نسوية عربية تتغذى من السردية النسوية العالمية، وترتبط بشبكة علاقات وثيقة بما يعرف بالمجتمع المدني الدولي، أي تتمتع بقدر كبير من الدعم السياسي والمالي من المؤسسات الدولية الرسمية والشعبية.
ورغم أنه لا يمكن إنكار بعض الأدوار الإيجابية التي يقوم بها هذا التيار في الدفاع عن حقوق المرأة وتثبيت مكتسباتها، إلا أنه ظل تيارًا نخبويًا، يعبر عن توجهات ومصالح الفئات المدينية المرفهة والمتعلمة، أكثر مما يعبر عن مصالح وهموم امرأة عربية ما زالت تعاني من التهميش الاجتماعي والضيم الاقتصادي وانتشار أعراف اجتماعية ذكوريّة ظالمة.
 بلغة أخرى، يمكن القول هنا إن التيار النسوي العربي يعكس بدوره حالة الانقسام الطبقي، وهو يعبر عن مشاغل الفئات المدينية والمرفهة من المجتمع، أكثر مما يعبر عن مطالب وهموم القطاع الأوسع منه.
 ما هو مطلوب من التيار النسوي العربي الأصيل هو أن يعيد ترتيب سلم أولوياته ويقترب من هموم ومآسي المرأة العربية، المنكوبة بأهوال الحروب الأهلية والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية في أكثر من موقع في المنطقة العربية.
المطلوب هو أن ينحني من عليائه فيرى ما تعانيه المرأة في أحزمة الفقر حول الأحياء المرفهة التي اعتاد ارتيادها، والجهات المنسية من دول مركزية هُو جزء من نخبتها، من بطالة وضعف في نسب التعليم وغياب الرعاية الصحية وأدنى مقومات العيش الكريم.
نعم المرأة العربية تعاني في مواقع كثيرة من مشاكل مفجعة، مثل ختان الإناث والحرمان من حق اختيار الزوج ورفيق الحياة ومن تسلط ثقافة رجولية ظالمة، ولكن لا يجب عزل هذه القضايا عن المشاكل الكبرى التي يعانيها الوطن العربي مشرقًا ومغربًا، من فساد واستبداد وأزمات اقتصادية خانقة وحروب أهلية طاحنة ومشكلات مجتمعية عميقة.
نعم، نحن نعيش اليوم في عالم يتجه قدمًا نحو الكونية وتراجع الحواجز الثقافية واللغوية، ولكن هذا لا ينفي حالة التفاوت بين الأمم والشعوب على الصعيد الاقتصادي والتنموي وعلى صعيد المشكلات والأولويات، ولذلك من المهم أن يضع التيار النسوي العربي قدميه على أرض الواقع ويتفاعل مع الأرض التي يقف عليها.
التحدي الحقيقي الذي يواجه التيار النسوي العربي يتمثل في مدى قدرته على الخروج من أبراجه العاجية ومجالسه النخبوية المغلقة إلى الأحياء الشعبية المكتظة والمناطق الداخلية والأرياف العربية، حيث تعشش الأمية والفقر والتهميش، في غياب للحد الأدنى من الوعي بالحقوق.
أي أن هذا التيار في حاجة إلى أن يعدل ساعته على مشاغل وهموم المرأة في العالم العربي، بدل أن يعدلها على ساعة باريس ونيويورك ولندن.

تعليقات الفيسبوك