في الآونة الأخيرة أثارت اتفاقات التطبيع الخليجي والعربي مع إسرائيل الكثير من الاستهجان والغرابة، على اعتبار أن أي تعاون وتعامل مع دولة إسرائيل يعد أمرًا غير مقبول أو مستساغ، بحكم سلبها لأراضي فلسطين، وإنشاء دولة على تلك الأراضي، ناهيك عما ارتكبته من مجازر ومذابح، ولم تزل.

وكالنار في الهشيم، جاء خبر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على متن طائرة خاصة بصحبة رئيس الموساد يوسي كوهين إلى السعودية، ومن ثم الاجتماع مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة نيوم على البحر الأحمر يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في الوقت الذي زادت فيه التكهنات بشأن ما إذا كانت السعودية ستحذو حذو الإمارات والبحرين في عملية التطبيع مع إسرائيل.

مواقع صديقة

منذ 9 شهور
«حانت ساعة التطبيع».. هذا ما لم يقله بندر بن سلطان للشعب السعودي

لكن وبحسب تقرير صحيفة «جلوبس» العبرية، فقد أُثير في هذا الاجتماع، آليات «التعاون العسكري» بين المملكة السعودية وإسرائيل، ورغبة ولي العهد السعودي، في شراء أنظمة إسرائيلية وعقد صفقات أسلحة للحماية من هجمات الحوثيين على منشآت نفطية ومواقع أخرى في السعودية، تتسبب في إحراج «السيد الذي يتحكم في كل شيء»، والذي دخل هذا المستنقع الزلق قبل خمس سنوات، ولم يزل غير قادر على الفكاك منه.

وبعودة سريعة إلى تاريخ الصراع العربي مع إسرائيل، يظهر لنا أن التعاون مع إسرائيل بغية خدمة مصالح الأنظمة العربية، ليس بِدعًا، فالعديد من الزعماء والملوك العرب سبق وأن تواطأوا وتعانوا مع الإسرائيليين، بغية حمايتهم تارة، وأخرى لمساعدتهم في تمكين حكمهم، وثالثة لتغيير وجهة معركة ما لصالحهم.

في هذا التقرير نستعرض بعض الأحداث المؤكدة التي تعاون فيها قادة عرب مع قادة إسرائيليين على مر التاريخ.

بادئ ذي بدء.. فيصل بن الحسين يستعين بإسرائيل كي يصبح ملكًا

«رأيت في بيت جدي صورًا لمشاركاته في المؤتمرات الصهيونية، وزعماء حركة أحباء صهيون والحركة الصهيونية. فيما علقت صورة للملك فيصل بن الحسين بن علي الهاشمي وبجانبه حاييم وايزمان، وقد ارتديا الكوفية العربية، وهما يبتسمان، والتقطت صورتهما في دمشق عام 1918، وقد التقطت هذه الصورة لهما عشية الجهود البريطانية لتجنيد يهود العالم وعرب الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى».

هكذا تحدث الكاتب والسياسي يوسي بيلين في مقاله بصحيفة «إسرائيل اليوم» عن العلاقة الوطيدة التي جمعت بين الملك الأردني فيصل بن الحسين والزعيم الصهيوني حاييم وايزمان، إذ شكلت علاقة ابن الحسين الذي كان آنذاك ملك الحجاز، وقاد التمرد العربي ضد الإمبراطورية العثمانية عبر التعاون مع اليهود؛ واحدة من أهم علاقات الملوك العرب مع إسرائيل.

وايزمان (يسار) مع فيصل (المصدر : ويكيبيديا)

لقد وافق فيصل على إنشاء أغلبية استعمارية يهودية في فلسطين، في مقابل أن يصبح ملكًا لمملكة عربية كبيرة ومستقلة في كل سوريا، وفي هذا الاطار فإنه «قبل 100 عام، وتحديدًا في الثالث من يناير (كانون الثاني) 1919 في لندن، وقّع الرجلان على اتفاق مشترك يهودي عربي»

ويقول يوسي بيلين: إن الأمر تطلب منه أن يقرأه مرتين حتى يتأكد من حقيقته، فقد كان هدفه إقامة جبهة يهودية عربية مشتركة في مؤتمر الصلح الذي انعقد بعد أيام قليلة في باريس، وأن هذه الجبهة أُنشئت بمباركة بريطانية، وأعلن فيصل أن «المقترحات التي قدمتها المنظمة الصهيونية متواضعة ومناسبة».

وفقًا لبيلين فإن «الاتفاق تطرق لكيانين اثنين: سوريا الكبرى التي يفترض أن يكون فيصل ملكها، وفلسطين الانتدابية التي ستشهد تطبيق وعد بلفور عليها، ودعا الاتفاق لاتخاذ خطوات مطلوبة من أجل تعزيز الهجرات اليهودية، واستيطانهم على هذه الأرض، وإقامة تجمعات استيطانية مصطفة بعضها بجانب بعض، وضمان حقوق الفلاحين العرب والمستأجرين لتطوير الاقتصاد، وحل أي إشكاليات بينهما باللجوء للحكومة البريطانية».

ويختم المحلل السياسي بالقول: إن فيصل «أكد أنه إن لم تلتزم بريطانيا بتعهداتها للعرب، فلن يكون ملزمًا بتطبيق باقي بنوده، لكن سنوات قليلة مرت، خيبت آمال الطرفين. فوالد فيصل لم يصبح زعيم العرب، كما كان يأمل، بل بقي ملكًا على الحجاز فقط، وبعد فترة وجيزة احتل السعوديون المملكة الهاشمية. وفي 1920 عين فيصل ملكًا على سوريا الكبرى، وبعد أربعة أشهر أطاح به الفرنسيون، واكتفى بالعراق، حيث بقي ملكًا عليها حتى موته بعد 13 عامًا».

الموساد يهدي ملك المغرب رأس أبرز وأشرس معارضيه!

واحدة من أبرز قصص خذلان ملوك الدول العربية للقضية الفلسطينية، تتعلق بقضية تسريب تسجيلات أخطر قمة عربية في عام 1967. إذ كان هذا التسريب أحد العوامل التي تكالبت على الدول العربية التي دخلت حرب الأيام الستة، ومن ثم انتصار إسرائيل.

يقف وراء تلك التسريبات أحد أبرز المتعاونين مع إسرائيل، ملك المغرب السابق الحسن الثاني الذي يصفه الاسرائيليين بأنه «رجل إسرائيل ومفتاحها، الذي مكّن المخابرات الإسرائيلية من معرفة أعدائها، إذ تحرك الموساد بناءً على المعلومات المقدمة من المغرب».

Embed from Getty Images

الملك المغربي الحسن الثاني 

وبحسب تقرير لقناة «24i» الإسرائيلية، فقد كانت المغرب ترتبط مع إسرائيل بعلاقة إستراتيجية، إذ سمح الحسن الثاني للهجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل مقابل تقديم الأخيرة مساعدة لوجستية لتكون الجيش المغربي بحسب ما ذكرته القناة الإسرائيلية في تقريرها المصور، إلا أن الثمن الأهم الذي حصده الملك المغربي بعد شهر واحد من تسريبات تسجيلات القمة، كان المساعدة في تصفية أشرس معارض له في إطار عملية «بابابترا» التي أزالت مهدي بن بركة من الوجود.

ففي 29 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1965 نُصب فخ لزعيم المعارضة الاشتراكية مهدي بن بركة فاستدرج من جنيف الى حي سان جيرمان في باريس، وهناك خُطِف ونقل إلى فيلا، حيث قتل وهو في الخامسة والأربعين من عمره، وبقيت ألغاز عدة تحيط بقضية مقتله، حتى ظهور عميل جهاز الأمن المغربي، السابق أحمد بخاري، وكشف الكثير من تلك الألغاز.

فقد قال بخاري: «إن جثة ابن بركة نقلت إلى المغرب جوًا من باريس بعد أن قتل على يد عملاء للملك الحسن الثاني، ثم حُللت الجثة في حوض من حامض تحت إشراف وزير الداخلية العماد محمد أوفقير ونائبه الرائد أحمد الدليمي».

وقد كان من جملة من تورط مع المخابرات المغربية؛ الموساد الإسرائيلي، فقد اعترف الإسرائيلي مئير عميت الذي ترأس الموساد خلال الستينات أن عملاء الموساد هم من ساعدوا أجهزة الأمن المغربية على إيجاد ابن بركة والتغرير به للذهاب إلى الاجتماع في باريس بتواطؤ مع عملاء فرنسيين، إذ اعتاد هؤلاء على التعاون مع الموساد في مراقبة المنشقين وتنكروا بوصفهم عملاء لوكالة المخابرات المركزية في المغرب؛ لأنه لم يكن من الممكن الكشف عن جنسيتهم.

ملك الأردن طلب من إسرائيل ضرب القوات السورية!

جمعت علاقات سرية إستراتيجية بين كل من جهاز الموساد الإسرائيلي والملك الأردني الراحل حسين بن طلال، قبل قيام «دولة إسرائيل». إذ بدأت تلك العلاقات باجتماع أحد جنرالات جيشه مع الإسرائيليين عام 1960 في القدس، وبحلول عام 1963 اصبح الحسين يلتقي بالإسرائيليين بنفسه في مكتب طبيبه في لندن، ثم انتظمت تلك اللقاءات حتى أحصيت 200 ساعة من المحادثات تجمع بين الملك والزعماء الإسرائيليين في مقر الموساد، أو قصر الملك، أو القارب الملكي في ميناء العقبة، وأماكن أخرى.

Embed from Getty Images

الملك حسين ملك الأردن (يمين) يستمع لرئيس الوزراء الإسرائيلي

قامت هذه العلاقة على أساس حماية الملك والحفاظ على عرشه في مواجهة ضغط الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ثم ضغط منظمة التحرير الفلسطينية لاحقًا. إذ فرض وجود أعداء مشتركين، والعمل على منع إقامة دولة فلسطينية، تعاونًا أمنيًا ومعلوماتي بين إسرائيل والملك الحسين، أداره الموساد بشكل منفرد.

وقد أنقذت إسرائيل الملك حسين بالفعل ثلاث مرات، أبرزها خلال أحداث سبتمبر (أيلول) 1970، وقت اندلاع ما يُعرف بأحداث «أيلول الأسود» بين مقاومين فلسطينيين والقوات الأردنية.

فقد بدأت الأحداث التي استمرت حتى يوليو (تموز) 1971 بقيام مسلحين فلسطينيين باختطاف أربع طائرات، نقلوا ثلاثًا منها إلى قاعدة جوية صحراوية في الأردن، ثم طالبوا بالإفراج عن المناضلة وعضو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليلى خالد، وعندما لم تستجب الحكومة البريطانية لمطالبهم، قاموا بتفجير الطائرات الثلاث بعد أن أفرجوا عن كل الركاب، بعد نجاح مفاوضات سرية مع بريطانيا.

وتُظهر وثائق بريطانية نُشرت أواخر عام 2001، أن مناشدة الملك الأردني آنذاك للمجتمع الدولي لم تقتصر على طلب دعم معنوي ودبلوماسي من بريطانيا والولايات المتحدة؛ بل تعدته إلى مطالبة إسرائيل بقصف القوات السورية التي كانت تدعم آنذاك المقاومين الفلسطنيين في محاولة منه لقلب الوضع لصالحه، لكن إسرائيل التي لم تستجب لهذا الطلب، واكتفت بتزويد الأردن بالسلاح، لتمكينه من تدمير القواعد الفلسطينية التي كانت تشكل خطرا على استقرارها.

التاريخ يعيد نفسه.. ملك السعودية يحثّ إسرائيل على التدخل في اليمن

اندلعت حرب اليمن الأولى في سبتمبر عام 1962، عندما قامت فرقة عسكرية يمنية بانقلاب ضد نظام الإمام الزيدي، محمد البدر، وذلك بعد أسبوع واحد فقط من وراثته لعرش أبيه المتوفى.

وسرعان ما دفع الهجوم الشرس، محمد البدر، للهرب إلى شمال البلاد، وهناك حاول تجميع جيش من القبائل المخلصة له، خاصة أن مدبرو الانقلاب استعانوا آنذاك بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو الأمر الذي أثار مخاوف السعودية ودول أخرى ذات مصالح في المنطقة.

فسارعت كل من السعودية والأردن لمساعدة الجيش الزيدي بالمؤونة والدعم المالي صدًا لمطامع عبد الناصر في إنشاء قومية عربية علمانية ثورية تهدد ملكهم.

الإمام اليمني المخلوع محمد البدر (المصدر : «هآرتس» الإسرائيلية)

ويذكر يوجيف الباز، باحث الدكتوراة في الصراعات الإقليمية بالجامعة العبرية في القدس، في مقال له تابع لورشة التاريخ الاجتماعي، ونشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أنه «مع بدء تكريس تقسيم اليمن؛ بين الثوار ومصر في جنوب اليمن، ونظام الإمام في الشمال، ومع صعوبة إيصال المساعدات والذخيرة والعتاد العسكري إليهم، وفي ظل وجود تفوق لقوات الثورة المدعومة من الرئيس عبد الناصر؛ بحث أنصار الإمام في الشمال عن طريق لإيصال المساعدات والسلاح».

ويوضح يوجيف الباز أن إنزال المساعدات من الجو: «طُرحت لأول مرة، لكن بما أن موقف البريطانيين المعلن كان عدم التدخل في الحرب، ولخوف الدول (المعتدلة) في المنطقة من رد مصري في حال القيام بذلك، تم التوجّه لإسرائيل لتقوم قواتها الجوية بإنزال المساعدات والسلاح لموالي نظام الإمام».

وبحسب الباحث في الصراعات الإقليمية، يوجيف الباز فإن إسرائيل «لم تتردد في قبول الاقتراح، لا سيما أنها كانت تعاني من حالة عزلة دولية، من جهة ولرغبتها في التخلص من الزعيم المصري عبد الناصر أو على الأقل كسر قيادته للمنطقة العربية التي شهدت في تلك السنوات الوحدة بين سوريا ومصر، والثورة في العراق، ومحاولات لإسقاط النظام الهاشمي في الأردن، فيما كانت إسرائيل تصور الزعيم المصري عبد الناصر بأنه وريث لأدولف هتلر يسعى لإبادتها ومحوها من الوجود».

ويؤكد الباز في مقاله أن «الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز حاول مجددًا في فبراير (شباط) 1967 حثّ إسرائيل على إنزال عتاد عسكري إضافي لقوات الإمام، إلا أن إسرائيل رفضت ذلك بعد أن أوقفت الجسر الجوي لقوات الإمام بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل في أغسطس (آب) من عام 1965».

سياسة

منذ سنتين
من قصص الخذلان المنسية.. كيف باع العرب القضية الفلسطينية؟

المصادر

تحميل المزيد