تحديث:بعد ساعات من نشر هذا التقرير، أعلنت جامعة الدول العربية أنها تلقت مذكرة رسمية من قبل مصر  بترشيح وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط لمنصب الأمين العام للجامعة للسنوات الخمس المقبلة خلفا للأمين العام الحالي الدكتور نبيل العربي الذي أعلن عدم رغبته في تجديد ولايته التي تنتهي في 30 يونيو (حزيران) المقبل.

كان إعلان أمين عام جامعة الدول العربية، نبيل العربي، عدم رغبته في الاستمرار لولاية ثانية، أمرًا حاسمًا للنظام المصري بترشيح خلفٍ للعربي، ثُمّ الاستعداد لجولة المفاوضات مع الدول العربية؛ لتحقيق توافقٍ بشأن هذا المُرشح، في ظل التباينات في مواقف مصر مع عدد من دول الخليج.

برز أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية الأسبق في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، كأحد الأسماء المُرشحة بقوة لخلافة العربي. السطور التالية، محاولة لسبر أغوار المدرسة الدبلوماسية التي ينتمي إليها أبو الغيط، واستكشاف فرص جلوسه على كرسي الأمين العام لجامعة الدول العربية.

نبيل العربي يستسلم أمام الواقع المأزوم

شكلت ولاية نبيل العربي (81 عامًا)، أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، خلفًا لعمرو موسى- محطةً تقليديةً في تاريخ الجامعة، التي لم تتجاوز بيروقراطية الأنظمة العربية في إدارتها لقضاياها، مكتفية ببيانات الشجب والإدانة، وتنظيم قمم عربية، تنتهي دائمًا بابتسامات غالبًا ما تكون مُخيّبةً للآمال العربية.

 

 

مساعي العربي في المبادرات والتسويات التي أطلقها كحلول للقضايا العربية، كانت غالبًا ما تنتهي إلى اللا شيء، ما كان كفيلًا للدبلوماسي صاحب التاريخ العريق، أن يترفع عن الولاية الثانية للمنصب، بعد عجز القدرات الشخصية للعربي، أن تمثل مخرجًا أو تأثيرًا.

في الأزمة السورية، سعى الرجل لتسوية القضية بين طرفي الأزمة، بمقابلات مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، وتنظيم أكثر من مقابلة مع الفصائل المعارضة كذلك، فضلًا عن الانتقال بالقضية لمجلس الأمن مرتين.

في النهاية، لم تنتهِ هذه الجهود بحلٍّ للأزمة، التي يُعتقد أن تسويتها باتت أمرًا شبه مستحيل. ويظل معها مقعد سوريا شاغرًا، في ضوء النزاع العربي- العربي، لتسليم مقعد سوريا للفصائل المعارضة وفقًا لرؤية بعض الدول العربية، فيما عارضت دولٌ أخرى ذلك الأمر.

وفي الأزمة اليمنية، منحت جامعة الدول العربية شرعية للحرب على الحوثيين، إذ أيّد المشاركون في القمة العربية الـ26، التي انعقدت في مارس (آذار) الماضي، بمدينة شرم الشيخ، العملية العسكرية التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن، مبررةً ذلك بـ«الحفاظ على الشرعية».

أما بشأن الأزمة الليبية، فكانت جهود الجامعة قاصرة على صياغة بيان شجب وإدانة لتردي الأوضاع الإنسانية في ليبيا، مؤكدةً أن الأزمة الليبية، لم تلقَ حقها من تسليط الضوء بسبب انشغال العالم بأمور أخرى.

أحمد أبو الغيط.. هل يكون المُرشح التوافقي؟

أجمعت المصادر الدبلوماسية المصرية والخليجية، على ترشيح «أحمد أبو الغيط»، وزير الخارجية في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

 

 

على ما يبدو إذًا، فأبو الغيط (72 عامًا) الأقرب إلى المنصب، بعد توافقات عربية عليه، أدت إليها سلسلة تفاوضات بين مصر والدول العربية. وقد كانت سياسته الخارجية المتقاربة مع وجهة النظر السعودية، فيما يخص حزب الله تحديدًا، أحد أسباب تعزيز فُرصه في الترشح للمنصب.

لكن بالتوازي مع هذه المفاوضات العربية، فمسألة ترشيح «أبو الغيط» من جانب النظام المصري، مسألة كاشفة عن التوجهات العامة للسياسة الخارجية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فاستدعاء أحد أبرز رجال نظام مُبارك، والموصوف من مُعارضيه بمحدودية القدرات الدبلوماسية؛ تُعدّ مسألةً كاشفةً لما يُمكن اعتباره ضيقًا في أفق النظام السياسي المصري، وتأكيدًا على استمرار الانحيازات السياسية الخارجية لنظام مُبارك.

كذلك فالمملكة العربية السعودية، التي لم تنجح في انتزاع إجماع عربي من الدول الأعضاء، حول اعتبار حزب الله «منظمة إرهابية»، ربما يُسهّل تسليم منصب أمين عام جامعة الدول العربية للمرشح «أحمد أبو الغيط»، على الأقل لن تعترض السعودية عليه على ما يبدو، بخاصة وأن مواقف الرجل خلال توليه حقيبة الخارجية المصرية، منذ يوليو (تموز) 2004 إلى مارس (آذار) 2011، تكشف عن مناصبته حزب الله العداء، ويُدلل على ذلك، تصريحه في 2008، خلال مُقابلة تلفزيونية، إذ قال، إن «حزب الله دمّر لبنان في حرب 2006».

كذلك كانت علاقات «أبو الغيط» مع الإسرائيليين عاملًا داعمًا لمسألة ترشحه، في الوقت الذي تبدو فيه العلاقات جيدة بين كلٍّ من القاهرة وأبو ظبي والرياض وتل أبيب، في ما يتعلق بملفات مكافحة «الإرهاب» في سيناء، والنفوذ الإيراني المتزايد في لبنان وسوريا، والموقف الصلب من جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

مدرسة «أبو الغيط»: علاقات قوية بإسرائيل.. ومعاداة لحزب الله وحماس

تكشف مواقف «أحمد أبو الغيط»، خلال شغله منصب وزير الخارجية المصري، الملامح العامة للتوجهات العامة لسياسته الخارجية، والتوقعات المستقبلية لشكل التدخل للجامعة العربية في قضايا الدول العربية، حال انتخابه أمينًا عامًا للجامعة.

 

 

فبالنسبة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، فإن موقف «أبو الغيط» يتسم بالعداء الصريح حيال الحركة التي يعتبر وجودها من الأساس «غير شرعي». وهي المسألة التي عبّر عنها في تصريح صادر عنه خلال توليه منصب وزير الخارجية، إذ قال، إن «مصر لن تعترف بحكومة حماس». يُضاف إلى ذلك خصومته مع إيران، والتي سبق وأن وصفها بـ«اللاعب الخطر» في المنطقة، وأنها تُحاول «العبث» بأمن المنطقة عبر حماس وحزب الله، حسبما قال.

كما هاجم أبو الغيط حركة حماس، عقب الغارات الجوية الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي استمرت منذ 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008 وحتى 18 يناير (كانون الثاني) 2009، مُخلفة حوالي 348 قتيلًا فلسطينيًّا. حمّل أبو الغيط حماس مسؤولية العدوان الإسرائيلي، قائلًا إنّ «مصر قامت بتحذير حماس منذ فترة طويلة، من أن إسرائيل ستقوم بالرد بهذا الأسلوب»، مضيفًا: «فليتحمل اللوم هؤلاء الذين لم يولوا لهذا التنبيه أهمية»!

وفي عام 2009، هاجم أبو الغيط، حماس وحزب الله، مُتهمًا إياهما بالسعي لإشعال الصراع في الشرق الأوسط. واعترف أبو الغيط أن بلاده أفشلت عمدًا قمة عربية مُكتملة النصاب حول غزّة كانت ستعقد في قطر، مُبررًا ذلك بأنّ تلك القمة كانت «ستهدد العمل العربي المُشترك»!

وفي عهده أيضًا عرفت مصر أسوأ أزمة سياسية مع حزب الله، بلغت ذروتها بعد الإعلان عن توقيف ما عُرف إعلاميًّا بـ«خلية سامي شهاب». على الجانب الآخر، فإن للرجل علاقاته القوية بدوائر السلطة في إسرائيل، عبر دوره في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية أثناء توليه حقيبة الخارجية.

مع هذا كله، لا يخفى على أحد عداء «أبو الغيط» العلني لثورة 25 يناير، وغيرها من ثورات الربيع، التي يرى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعد لها العدة منذ 2005!

هل يعود المُقترح القطري– الجزائري بتدوير المنصب؟

في 2005، سعت الجزائر لكسر العرف السائد باستمرار سيطرة مصر على المنصب، وهو العرف الذي تأسس من كون مصر هي من بادرت بتأسيس الجامعة، وعليه فيتحتم دبلوماسيًّا أن يكون الأمين العام للجامعة مصريًّا.

 

 

وكانت الجزائر، بدعم من العراق، قد أثارت قضية تدوير منصب الأمين العام للجامعة عام 2005، بترشيح عبد العزيز بلخادم، وزير خارجيتها، للمنصب؛ لإنهاء العرف السائد بأن يكون الأمين العام للجامعة العربية من دولة المقر. غير أن هذه المحاولة تراجعت بتنسيق بين مصر والسعودية وسوريا، لتُجدد ولاية ثانية لعمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة حتى 2011.

وفي 2011، طرحت قطر مرشحًا لها، هو عبد الرحمن بن عطية، ساعية هي الأخرى لإنهاء الاحتكار المصري على المنصب، بخاصة مع اعتراضها على المُرشح المصري آنذاك، مصطفى الفقي. لكنها تراجعت عن طرحها المُرشح، بعد سحب مصر ترشيح مصطفى الفقي.

وكان أحمد أبو الغيط، قد وصف السياسات القطرية الخارجية، بالمنطلقة من مبدأ «يجب أن يكون اسمنا معروف، وأن يكون لنا دور». اتهم أبو الغيط أيضًا قطر بأنها تسعى للصدام مع الدول العربية «الكُبرى»؛ بُغية تحقيق هذا الهدف. على هذا فإنه من المُحتمل أن تُمثّل قطر عقبة أمام فُرصة «أبو الغيط» في الحوز على المنصب.

لكن بالتوازي مع ذلك، تُثار أنباء عن تفاهمات بين مصر وقطر، أو حدوث ما يشبه الصفقة بينهما، بحيث تدعم قطر مرشح مصر في الجامعة العربية، مُقابل أن تدعم مصر مُرشحها لليونسكو، وهو وزير الثقافة حمد بن عبد العزيز الكواري.


المصادر

تحميل المزيد