لم تستطع الصحف العربية المطبوعة الإفلات من سطوة التمويل السياسي، فهي تعيش في الغالب على دورها الوظيفي السياسي والحزبي، ولم تعد كلمة «مستقلة» التي تكتب في التعريف عن الصحيفة مقنعة لأي قارئ، إذ سرعان ما تُحسب هذا الصحيفة على هذه الحكومة أو هذا الحزب.

خبر تلو الآخر، يتحدث عن أزمة في الصحافة الورقية في العالم العربي. صحف عريقة كان لها اسمها وتاريخها الكبير، انقضَّتْ عليها أزمة مالية أو إدارية؛ ليتوقف إصدارها الورقي، أو على الأقل يجعله مهددًا بالتوقف.

يتحدث البعض عن منافسة الصحافة الإلكترونية، ودورها في توقف هذه الصحف عن الإصدار المطبوع، وتحولها الإلكتروني. لكن الواقع العربي، الذي لم يصل بعد لمرحلة الاستغناء عن الصحافة المطبوعة، يظهر أن الأزمات التي تعيشها الصحف العربية لها أسبابها الخاصة، بدءًا من دور المال السياسي، وليس انتهاءً بأثر ثورات الربيع العربي على هذه الصحف.

مصر.. الأولى في كل شيء

كما كانت مصر أول دولة عربية تصدر بها صحيفة ورقية يومية، كانت كذلك أول دولةٍ عربية تشهد أزمة توقف لعددٍ من الصحف المطبوعة، وتحوّلها إلى مواقع إلكترونية. فقد مرت الصحف الورقية المصرية مؤخرًا بأزمات مالية وإدارية، دفعت جُزءًا منها إلى إيقاف الإصدار الورقي، ومن تبقَّى بات مهددًا بالإغلاق في أي وقت.

في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، أغلقت جريدة التحرير عقب خسائر مالية، في الوقت الذي اضطرت فيه صحيفة الوطن تأخير رواتب صحافييها، بعد فصل عددٍ كبير منهم، بينما تعثرت صحيفة الشروق في صرف رواتب صحفييها. أمّا صحيفة المصريون، فأوقفت إصدارها اليومي واكتفت بالأسبوعي، وصحيفة البديل أوقفت تمامًا إصدارها الورقي، واكتفت بالموقع الإلكتروني.

هذا، وتتحدث الأرقام عن تراجع توزيع الصحف المصرية، من أربعة ملايين نسخة في اليوم عقب ثورة يناير 2011، إلى قرابة نصف مليون نسخة يوميًا فقط، وفق تقديرات الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ويعود ذلك إلى أن العديد من الصحف ظهرت عقب الثورة بدعم المال السياسي، وكان لها أجندة شبه محددة.

ومُؤخرًا سعت بعض تلك الصحف إلى الخروج من السوق، لعدم وجود ذرائع للاستمرار، فكما يقول الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز فإن سبب الأزمة المالية الضخمة التي تتعرض لها وسائل الإعلام المصرية، هو «عدم قيامها على أسس صحيحة، فهي لم تنطلق على أساس جدوى استثمارية، وإنما صدرت كنقاط ارتكاز سياسية ودروع لحماية رجال الأعمال ومصالحهم».

الصحافة الورقية تسقط في عاصمتها العربية

في لبنان عاصمة الصحافة العربية كما تُلقّب، تسقط الصحف واحدةً تلو الأخرى، فبعد أن قررت صحيفة السفير التحول نحو النسخة الإلكترونية الكاملة، بسبب «الظروف الصعبة» التي تواجهها؛ تأخرت صحيفة النهار – الأقدم في لبنان – عن تسليم موظفيها رواتبهم منذ سبعة أشهر، وهي قريبة من التحول إلى صحيفة إلكترونية أكثر من أي وقت مضى.

وتأتي صحيفة اللواء لتحتل مكانها في أزمة الصحافة الورقية اللبنانية، إذ أبلغت الإدارة موظفيها، في مذكرة مطبوعة، عن فتح باب الاستقالات، على أثر «إجراءات التقشف». كذلك يلوح في أفق صحيفة المستقبل، التابعة لمؤسسات تيار المستقبل التي يملكها آل الحريري، مصيرٌ ليس بالبعيد عن مصير الصحف سابقة الذكر، بعد الأزمة المالية التي عصفت بها، لدرجة عجزها عن دفع رواتب موظفيها منذ شهور.

المشهد اللبناني عمومًا، كان له التأثير الأبرز في أزمة الصحافة الورقية، إذ إنّ أغلب تلك المؤسسات الإعلامية والصحافية تعتمد على دعم أطرافٍ سياسية مُختلفة، وقوى إقليمية، بينها السعودية التي تشهد علاقتها مع لبنان توترًا حادًا، دفع الأولى إلى وقف دعمها المالي.

الأردن ليست أفضل حالًا

لا يبدو حال الصحافة الورقية الأردنية أفضل منه في مصر ولبنان، إذ أغلقت عدد من الصحف الأردنية أبوابها، وطوت صفحاتها، فيما تُحاول أخرى الصمود أمام الظروف الخانقة.

صحيفة الدستور، أقدم الصحف الأردنية، تعاني مُؤخرًا أزمة مالية، متمثلة في عجز قدره حوالي 10 ملايين دولار. ويُشار إلى أن الحكومة الأردنية تُسيطر على نحو 30% من أسهم الصحيفة، عبر مُؤسسة الضمان الاجتماعي. وقد وصلت أزمة الصحيفة إلى أروقة البرلمان الأردني، بعد تأخر الإدارة في تسليم رواتب العاملين. كذلك تمر كل من صحيفتي الرأي والعرب اليوم، بأزمات مالية، توقع محللون أن تتوسع وتصل لمستويات صعبة.

كيف تسبب المال السياسي في أزمة الصحف العربية؟

لم تستطع الصحف الورقية العربية الإفلاتَ من سطوة التمويل السياسي، فعلى الأغلب تعيش تلك الصحف على دورها الوظيفي السياسي والحزبي، ولم تعد كلمة «مستقلة» مُقنعة بما فيه الكفاية للقارئ.

على سبيل المثال، لم يكن بإمكان صحيفة العرب اليوم الأردنية، أن تعاود إصدار نُسخها الورقية بعد تعليقه منذ يوليو (تموز) 2013، دون حصولها على الدعم المالي من إحدى دول الخليج العربي، لذا فإن الصحافي المصري عبد الرحمن يُوسف، يُؤكد على أنّ أصحاب رأس المال يتعاملون مع الصحف والمؤسسات «كأدوات حرب تُجند لصالح الجهات التي يُساندونها وتُساندهم».

واعتبر يوسف، خلال حديث لـ«ساسة بوست»، أن ذلك أثّر على ثقة قراء تلك الصحف، بخاصة وأنّ الأحداث باتت أوضح بفعل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. عليه فإنّ الأعمال التجارية لأصحاب رؤوس الأموال هؤلاء، قد تأثرت بالضرورة. ويضرب يوسف على ذلك مثلًا بموقف مالك صحيفة التحرير المصرية، أكرم قرطام، الذي هو عضو في مجلس الشعب المصري. يقول يوسف إنّ قرطام «استخدم الصحيفة لمحاربة أطراف من النظام، واللعب بها لصالح أطراف أخرى، لذلك يُبحث الآن في أمر سحب عضويته في البرلمان».

من جهة أُخرى، في لبنان، تلعب ثنائية الطائفية والحرب السورية دورها في التأثير على الأوضاع المالية للصحافة الورقية، ما أدى إلى عجز صحف هناك عن دفع مُستحقات العاملين بها، حسبما يقول الصحافي المصري عبد الرحمن يوسف.

حول إغلاق الأسواق العربية في وجه الصحافة الورقية

تسببت الاضطرابات السياسية والأمنية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، في تراجع وإغلاق العديد من الأسواق العربية التي كانت توزّع فيها الصحف المصرية واللبنانية على وجه التحديد، فالسوق السورية والليبية واليمنية توقفت كليًا عن استقبال النسخ المطبوعة من الصحف العربية؛ على أثر الاضطرابات التي تعيشها تلك البلدان.

حتى الدول التي لم تندلع فيها ثورات، تأثرت بالأحداث المحيطة بها في عدم استقبال الصحف العربية، فعلى سبيل المثال أوقف جزء كبير من السوق الخليجية، استقبال الصحف المصرية بعد ثورة 25 يناير 2011، في إطار الإجراءات المتخذة للحد من انتقال الاضطرابات إلى تلك الدول.

الصحافة الإلكترونية في مقابل الصحافة الورقية

«في ظل انصراف أغلب قطاعات المجتمع عن قراءة الصحف المطبوعة – خصوصًا الشباب – واتجاههم إلى الحصول على معلوماتهم من الصحافة الإلكترونية، فقد دعا ذلك مجلس الإدارة إلى اتخاذ هذا القرار»، هكذا بررت صحيفة التحرير المصرية قرار إيقاف النسخة الورقية، وتحولها إلى نسخة إلكترونية كاملة.

مُؤكد أن الصحافة الإلكترونية كان لها دور في أزمة الصحافة المطبوعة، لكن في المنطقة العربية، لا تزال ثقافة القارئ المُرتبط بالورقي حاضرة بقوة، لذا فالأرجح أن الأزمات المالية المرتبطة بالسياسة كانت صاحبة الأثر الأكبر والأساس.

عرض التعليقات
تحميل المزيد