كان الأمر غريبًا عندما أعلنت مجلَّة دير شبيغل الألمانية منذ أيام عن بناء النظام السوري لمفاعل نووي على الحدود السورية اللبنانية بمساعدة خبراء إيرانيين، بينما نفت إيران ذلك، يلوذ نظام الأسد بالصمت كعادته منذُ شهور كثيرة، فهل هذه التجربة “المزعومة” هي الأولى؟ في هذا التقرير تجوال على المحاولات العربية النووية التي لم تكتمل.

المحاولات المصرية بلا أجندة عمل!

كانت البداية في مصر، فمع مشروع قومي عربي يقوده الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، احتاج أن يبدأ أولى المحاولات العربية النووية خصوصًا أن إسرائيل كانت قد بدأت في تطوير هذا السلاح.  بدأت المحاولات بمحطة سيدي كرير كأول محطة نووية في العالم تعمل بشكل مزدوج لتحلية مياه البحر ولتوليد الكهرباء معًا. كانت لجنة الطاقة الذرية المصرية قد أنشئت عام 1955 بعد هذه المحاولة كان قد تم التعاقد على إنشاء مفاعل نووي بسيط في أنشاص بالشرقية. عرض رئيس وزراء الهند الأسبق ـنهرو، والذي كان يحتفظ بعلاقات ودية مع الرئيس عبد الناصر؛ المساعدة. كانت الهند قد بدأت مشروعها النووي في نفس الفترة لكنَّ ظروفها كانت مخالفة لظروف مصر. فأكملت الهند مسيرتها حتى صارت إحدى الدول المالكة للسلاح النووي وتوقفت مصر. عام 1961 تم توقيع اتفاق نووي مع المعهد النرويجي للطاقة الذرية وبدأ بذلك تشغيل المفاعل البحثي الأول بعد افتتاح الرئيس عبد الناصر له؛ مفاعل أنشاص النووي.

1

مفاعل أنشاص

حصلت وكالة الأسوشيتيد بريس عام 2007 على تقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية يفيد بعثورها على آثار يورانيوم عالي التخصيب يصلح للاستخدام في تصنيع السلاح النووي، كانت هذه الآثار في مفاعل أنشاص النووي.

انتهت هذه المحاولة بعد هزيمة يونيو 1976. جاءت المحاولات الأخرى على استحياء، أو أنها لم تكن جادَّة بما يكفي لإنتاج السلاح النووي، بعد انتصار مصر في الحرب عام 1973 تقرَّر إقامة 8 محطات نووية لتغطية احتياجات مصر من الطاقة، حيث تعتبر مصر من أكثر الدول استخدامًا للكهرباء في العالم، كان الاتفاق هذه المرة من أجل “الطاقة” لا “السلاح” كما أنَّهُ بدلًا من الاتجاه للهند والنرويج كما اتجه عبد الناصر أدار السادات وجهه نحو أمريكا، حيث كان الاتفاق مع لجنة الطاقة النووية الأمريكية، لكنَّ المحاولة باءت بالفشل بعد اشتراط الولايات المتحدة إخضاع المحطات النووية للتفتيش، ما رفضه السادات حينها ليتوقف المشروع مرة أخرى. استأنف السادات نفس المحاولات عام 1981 لكنهُ اغتيل بعدها بفترة قصيرة، ومع توقيع مصر على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية فقد ذهب حلم السلاح النووي أدراج الرياح.

2

عبد الناصر

 

“حاول السادات عام 1980 إنشاء مفاعل نووي مشترك مع إسرائيل في رفح. لكنني استطعت إجهاض الفكرة، باعتراضي عليها في مؤتمر عام عُقد لمناقشتها برئاسة عز الدين هلال وزير البترول وقتها” *الدكتور عصمت زين الدين مستشار عبد الناصر النووي

انتهت المحاولات المصرية في عهد الرئيس السابق مبارك إلى مشاحنات بين العلماء المصريين المتبنين للمشروع وبين رجال الأعمال المتنفذين الذين أرادوا تحويل “الضبعة” إلى مكان استثماري سياحي، ونقل المشروع إلى مكان آخر.  الرئيس المؤقت عدلي منصور أعلن عن إحياء المشروع النووي القومي بمنطقة الضبعة، في أكتوبر 2013 ومنذ هذا الإعلان تسلمت القوات المسلحة أرض الضبعة لـ “إعادة تأهيل” البنية التحتية للمنطقة!

العراق: لم تتركه إسرائيل ليكتمل

للعراق قصتهُ الأخرى، وربما تعتبر تجربة العراق هي التجربة الجادة الثانية بعد تجربة عبد الناصر. أول مفاعل نووي كان تحت راية العراق الاشتراكي حين حصل على أوَّل مُفاعل نووي من الاتحاد السوفيتي عام 1968. يرتبط المشروع النووي العراقي بصدام حسين بشكلٍ أو بآخر، فالرجل حين كان نائبًا للرئيس العراقي عام 1975 عقد اتفاقية مع فرنسا لتزويد بلاده بمفاعلين نوويين يعملان باليورانيوم المُخَصَّب، أطلق على أكبرهما مفاعل تمُّوز والذي تمَّ قصفه عام 1981 من قبل الطيران الإسرائيلي. أما المفاعل الآخر فكان يستخدم كمفاعل تجريبي لمفاعل تموز.

ارتبط مشروع صدام حسين النووي بمعاداة إسرائيل، لذلك لم تترك إسرائيل سبيلًا لإجهاض المشروع الخطر، خصوصًا أنه أول مشروع نووي عربي قد يكتمل بالفعل ومع دولة معادية لإسرائيل؛ فقامت إسرائيل بقصف المفاعل الرئيسي تموز والذي اشترته العراق من فرنسا قبل عدة أعوام. توقف العمل في المفاعل لسنوات إلى أن استؤنف المشروع.

في السبعينات وبداية الثمانينات امتلك العراق أربعة مفاعلات نووية، لكنَّ هذه المفاعلات لم تنفع العراق خصوصًا أنَّ صدام لا يكاد يخرج من حرب حتى يدخل أخرى، في النهاية كان السبب المُعلن لغزو العراق عام 2003 وجود سلاح نووي في العراق، الجدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية اعترفت بعد الغزو أنها لم تجد أيًا من تلك الأسلحة التي ادَّعت أنها كانت سببًا للغزو. انتهى مشروع صدام حسين كما انتهى غيره من المشاريع العربية ليظلّ شاهدًا على الفشل الدائم وقلة التخطيط، وفي أحسن الأحوال الاندفاع إذا وجد التخطيط، فهل كان مشروع صدام سيفشل لو لم يدخل كل هذه الحروب؟ ربما كانت هناك إجابة أخرى للسؤال لو لم ينهك صدام بلاده بكل تلك الحروب.

يمكنك القراءة عن المشروع أكثر، من هنا 

ليبيا والجزائر: أمريكا لن تترك شيئًا يؤرقها في المنطقة

تجربتان أخريان كانتا أقلّ خطرًا وأقل تأثيرًا من تجربتي مصر والعراق، ربما لظروفهما الخاصة أو لمدى أهمية الدولتين في مقابل أهمية مصر والعراق. الجزائر شيدت بالاتفاق مع الصين مجمعًا نوويًا للاستغلال السلمي فقط. الآن تمتلك الجزائر مفاعلين نوويين فقط قدرتهما ضعيفة يستخدمان لأغراض سلمية.

التجربة الأخرى التي ربما أرَّقت الغرب كانت مع النظام الليبي وزعيمه العقيد معمر القذافي. ارتبطت ليبيا بالعلماء المصريين بل والحكومة المصرية في بداية السبعينات لإنشاء نظام سلاح نووي فعال، عندما غير السادات توجهه تغيرت بالتالي البوصلة الليبية نحو الأرجنتين لتشييد مفاعل نووي تجريبي، بضغط من الولايات المتحدة انسحبت الأرجنتين من الاتفاق وكان على القذافي أن يبحث عن شريك جديد.

3

القذافي والرئيس الروسي بوتين

لن يستسلم القذافي؛ سيبحث عن شركاء في فرنسا وروسيا، فرنسا رفضت بيعه مفاعلًا نوويًا، لكنَّ روسيا أمدته بمفاعل تجريبي وشيدت عددًا من المعامل النووية في ليبيا، كان هذا في السبعينات وتكلفت تلك الصفقة وحدها أربعمائة مليون دولار. عام 2003 كان عامًا مختلفًا حيث فجأة، فككت ليبيا، بالاتفاق مع أمريكا؛ المشروع النووي الليبي. الولايات المتحدة كانت المشرفة على نقله إلى أراضيها! حسب مسؤولين في البيت الأبيض فإن غزو العراق كان السبب الرئيسي لتفكيك ليبيا برنامجها النووي. وقد تفاجأ الجميع عندما أعلن مسؤولون أن القذافي امتلك مقومات سلاح نووي بالفعل.

هذه كانت تجارب إنشاء سلاح نووي عربي، فهل تفكر دول أخرى في امتلاك هذا السلاح؟ أم أن تجربة صدام الماثلة أمام عيون الرؤساء العرب ستجبرهم على الصمت وعدم التفكير في هذا السلاح الفتاك؟

 

 

المصادر

تحميل المزيد