هل فكرت من قبل إن كان للبسطاء في مجتمعاتنا العربية المقدرة على التأثير في الحكم أو الاقتصاد؟ لنتعرف معا كيف يغير البسطاء في العالم العربي مصير ممالك الخليج

رغم كل ما حدث، انظري إلى بديع ما صنعنا. -ستيفن هوكنج مخاطبًا حبيبته وهو ينظر إلى أبنائهما، بعد أن فشلت قصة حبهما وزواجهما، من فيلم (The Theory of Everything 2014)

معلومات مهمة لن ينطلق منها هذا التقرير

1- في يناير (كانون الثاني) 2016، صرَّح الرئيس التونسي السابق «محمد المنصف المرزوقي» بأنَّ الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي، خططت لها إسرائيل، وموَّلتها الإمارات.

وفي اليوم السادس من شهر مارس (آذار) 2016، كشف تقرير أعده «الخليج الجديد» عن أنَّ الإمارات تمارس ضغوطًا قوية على رئيس تونس «الباجي قايد السبسي»، حتى ينهي تحالفه وتصالحه مع حركة النهضة، وأنَّها تمارس هذه الضغوط، عبر إيقاف تجديد إقامات التونسيين المُقيمين لديها، كما أصبحت إجراءات حصول التونسيين على تأشيرات للإمارات شديدة التعنُّت، حتى تلك المتعلقة بحضور فاعليات أكاديمية.

وكان موقع «ميدل إيست آي» قد كشف يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عن أن مسؤولين جزائريين قد حذَّروا نظراءهم التونسيين، في أوائل الشهر نفسه، من خطوات أعدها الإمارتيون لزعزعة الاستقرار في تونس، في إطار خطة إماراتية لإنهاء التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس. وقال أحد الصحفيين المقربين من الرئيس التونسي، إن دولة الإمارات العربية المتحدة قد قدمت في وقت سابق عرضًا للباجي السبسي لتمويله، في حالة إذا كرر «السيناريو المصري».

جدير بالذكر هنا أن الأخبار المتداولة حول خطة إماراتية لزعزعة الاستقرار في تونس، تتزامن مع العمليات الإرهابية المتكررة في أنحاء البلاد.

2- في عام 2011، اتهم رئيس الوزراء الليبي السابق محمود جبريل دولة قطر، بأنها تحاول لعب دور في ليبيا، أكبر من قدراتها الحقيقية، وبأنها تتدخل في شئون ليبيا الداخلية، بمساعدة أحزاب وجماعات معينة، وقال: «لن تكون ليبيا تابعة لبلد أو لآخر، سواءً كانت قطر أو الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا أو بريطانيا، إننا نشكر جميع أولئك الحلفاء على ما قدموه من دعم ومساندة للشعب الليبي، لكني لا أعتقد في قبول الليبيين بتدخل أجنبي، أو أي تعد على سيادتهم».

3- في عام 1976، كانت مصر تمر بأزمتها الاقتصادية الخانقة، التي أدت بها في النهاية إلى التبعية الكاملة للخطط الاقتصادية الليبرالية، التي وضعها لها صندوق النقد الدولي، وأثناء تلك الأزمة انخفضت معونات دول الخليج لمصر انخفاضًا ملحوظًا، وفي الوقت الذي كانت مصر تقترض فيه من البنوك التجارية بأسعار فائدة تزيد على 15%، كانت دول النفط تستثمر فوائضها في البنوك الأمريكية والأوروبية، بأسعار فائدة تقل عن نصف هذا الرقم.

كان هذا الموقف غريبًا للغاية؛ إذ كانت دول الخليج تملك ما يكفي من الأموال لانتشال مصر من أزمتها، بل وتزيد من أرباحها هي نفسها، وقد فسر المفكر الاقتصادي المصري جلال أمين فيما بعد هذا الموقف، بأن هذه الدول لم تكن قد أخذت الضوء الأخضر بعد لزيادة حجم معوناتها لمصر، ولم يكن هذا ليتم إلا حين أعلنت مصر استعدادها النهائي، لقبول التوصيات الكاملة لصندوق النقد الدولي.

وبعيدًا عن الماضي ينظر الآن إلى السعودية والإمارات باعتبارهما القوتين الإقليميتين، صاحبتي قصة النجاح الأكبر في تحويل مجريات الأمور في مصر لما يخدم مصالحهما، بحيث استطاعا تحويل مسار الثورة المصرية تمامًا منذ عام 2011.

تظهر الصورة السائدة في النهاية، وبعد مرور خمسة أعوام، على النحو التالي:

دعمت السعودية والإمارات النظام الجديد في مصر بنجاح، وأوكلت له مهمة تجفيف منابع الثورة، وهو ما نجح فيه عبر دعم الدولتين المادي والسياسي؛ وفي تونس، استطاعت الإمارات إلى حد بعيد، وإن كان ليس بالشكل الذي يرضيها تمامًا، أن تقلص مشاركة حركة النهضة في المشهد، حيث أُجبرت الحركة على التنازل عن الحكم بشكل طوعي، بالإضافة إلى تصاعد النفوذ الإماراتي في حزب نداء تونس الحاكم، وسط اتهامات متكررة حول تمويل تنظيمات مسلحة تقوم باغتيال القيادات السياسية المهددة لهذا النفوذ، وفي اليمن؛ احتوت المبادرات الخليجية المسار الثوري، وعدلته لما يخدم مصالحها، وقلصت فيما بعد نفوذ حزب الإصلاح، وفي ليبيا؛ تم تشكيل تكتل مواز للقوى الثورية الراديكالية، عبر دعم رموز كانت محسوبة على نظام القذافي، هذا قبل أن تنزلق البلاد إلى ما يصفه العديد من المراقبين بـ«الحرب الأهلية».

لماذا لن ينطلق التقرير من هذه المعلومات؟

صورة لقبر محمد بوعزيزي الذي أشعل النار في نفسه، وأشعل معل معها ثورات الربيع العربي

صورة لقبر محمد بوعزيزي الذي أشعل النار في نفسه، وأشعل معل معها ثورات الربيع العربي

هذه المعلومات، وغيرها الكثير، التي تمتلئ بها الصحف، والأبحاث، والكتب في الفترة الأخيرة، تُظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن دول الخليج، قد استطاعت أن تحتوي الربيع العربي وتهزمه؛ وتبنت بالفعل الثورات المضادة التي سحقته؛ وحوَّلت أحلام الثورات الوردية إلى كوابيس واقعية مفزعة، لكن هذا التقرير لن يذهب إلى تلك الساحة التي يتحدث فيها الجميع، وإنما سيذهب إلى زاوية أخرى تمامًا للنظر.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن كيف هزم الخليج ثورات الربيع العربي، سنكتشف معًا كيف استطاع البسطاء الذين خرجوا في تلك الثورات منذ خمس سنوات، أن يغيروا دون أن يدروا مصير تلك الممالك العتيدة ذاتها. سنرى ببساطة كيف امتلك المهزوم قليل الحيلة في نظر الجميع، تلك القدرة الرهيبة على تغيير مصير المنتصر.

صورة من السطح: تأثير الربيع على الخليج بالأرقام

ظهر أول تأثير سريع من انفجار ثورات الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، على دول الخليج، متمثلًا في منفعة كبيرة لتلك الدول، فعلى أثر هذا الربيع انتقل ما بين 5 مليارات دولار إلى 40 مليار دولار، من مناطق أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليستقروا في دول مجلس التعاون الخليجي الكبرى، على هيئة ودائع واستثمارات قصيرة الأجل.

صارت كل من قطر والإمارات، قبلة للمستثمرين الفارين من الربيع العربي، لما يتمتعان به من استقرار سياسي، ومناطق مُعفاة من الضرائب، وبالأخص الإمارات التي استطاعت أن تجذب رجال الأعمال المصريين والسوريين الفارين من بلادهم.

وعلى صعيد آخر، توقف إنتاج النفط الليبي في عام 2011 نتيجة الثورة، وكانت دول مجلس التعاون الخليجي هي المستفيد الأكبر من ذلك، وبحسب تقرير نشرته «جيوبوليسيتي»، حققت الإمارات والسعودية والكويت نموًا في إجمالي الناتج المحلي وصل 62,8 مليار و5 مليارات و1 مليار دولار على التوالي، في أعقاب أحداث الربيع العربي وتوقف إنتاج النفط الليبي؛ حيث كانت ليبيا أحد أكبر منتجي النفط في العالم، والمُصدر الرئيسي للنفط في أوروبا.

وسنرى فيما بعد كيف أُنفِق جزء كبير من هذه الأرباح، وسنكشتف إلى أي حد نستطيع القول، بـأن هتافات البسطاء في تونس ومصر، كانت تتحكم في تدفق الرخاء على المواطن الخليجي.

لقد كان تأثير الربيع العربي على الخليج أكبر بكثير مما يتخيل أي شخص، وربما أكبر على المدى البعيد من تأثير الخليج نفسه على الربيع العربي.

وبحسب دراسة أعدها معهد دراسات وتحليلات الدفاع الهندي “IDSA” عام 2013، التابع لوزارة الدفاع الهندية، فإن الربيع العربي قد أثر بشكل كبير على منطقة الخليج، بحيث تأثرت كل من المملكة العربية السعودية والكويت بشكل جزئي بسببه، بينما كان كل من البحرين وسلطنة عمان، هما الأكثر تأثرًا.

بشكل عام يرى عدد من المحللين أن أحداث الربيع العربي، مثلت للسعودية والإمارات والكويت، التهديد الأكبر لعروشهم ولنظامهم الملكي العتيد، منذ أيام الغزو العراقي للكويت. وترى بعض التحليلات أن أحداث الربيع العربي، كانت هي المحرك الرئيسي لكل تحركات القوى الخليجية بعد ذلك، حتى التصاعد غير المسبوق للتنافس الخليجي الإيراني في المنطقة، كان محركه الرئيسي هو ثورات شباب الربيع العربي.

ولنا أن نعلم في ضوء هذا التصور كون دول الخليج مجتمعة، قد أنفقت في عام 2014 وحده حوالي 150 مليار دولارعلى المعدات العسكرية، وقد أنفقت المملكة العربية السعودية وحدها حوالي 81 مليار دولار، بسبب تصاعد المخاوف الأمنية الجيوسياسية الإقليمية، التي أشعلها تحركات شباب الثورات العربية البسطاء في عام 2011.

ربما عرف حكام الخليج حجم التهديد الذي يشكله هؤلاء الشباب البسطاء الثائرين في الميادين العربية؛ أكثر من هؤلاء الشباب أنفسهم.

وعدت قطر بإجراء انتخابات تشريعية سريعًا بعد الأحداث، وعززت المملكة العربية السعودية من توظيف الدين الذي ترتكز عليه شرعيتها، واستخدمت الجناح الديني الرسمي في البلاد، لتعزيز دعاياتها السلفية، وهرعت الإمارات لتطبيق إصلاحات وصفها بعض المحللين بالشكلية، شملت السماح بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي؛ رغم كونه لا يمتلك صلاحيات حقيقية مهمة.

بشكل عام اعتمدت خطة الخليج في مواجهة آثار الربيع داخله على ركيزتين، هما توزيع الفوائض الاقتصادية التي تمددت على أثر الربيع نفسه، والركيزة الأخرى هي تركيز القبضة الأمنية، وسنرى لاحقًا، إلى أي حد قد مثلت تلك القبضة الأمنية، أكبر تهديد للعروش الخليجية على المدى الطويل؛ من حيث تريد أن تحمي نفسها.

كيف ساهمت هتافات الشباب بالقاهرة في رخاء المواطن الخليجي؟

صورة لقبر خالد سعيد، الذي تفجرت الثورة المصرية بعد قتله، مصدر الصورة: موقع الحرة.

في يوم 26 سبتمبر (أيلول) 2011، نشر موقع «ذا ديلي بيست» مقالًا للكاتبة «جايل لمون» Gayle Tzemach Lemmon، بعنوان: «النساء السعوديات يجنين أرباح الربيع العربي».

تحدث التقرير عن أن الربيع العربي قد قاد السلطات السعودية، إلى التعجيل بشأن منح النساء حقي التصويت والترشح في الانتخابات البلدية بالمملكة، ابتداءً من عام 2015.

قام العاهل السعودي آنذاك، الملك عبد الله بن عبد العزيز، بهذه الخطوة، بعد ثورات الربيع العربي، التي رأت فيها السعوديات نظيراتهن في ميادين الثورة العربية، وهن يصنعن المستقبل بأيديهن.

بالطبع لم يكن هذا هو التأثير الوحيد للربيع العربي على حياة المواطنين في الخليج، فهناك تأثيرات اقتصادية أخرى شديدة الأهمية.

بعد عام الربيع العربي (2011) مباشرة، تشير بعض التقديرات إلى أن دول الخليج أنفقت مجتمعة حوالي 150 مليار دولار، على ما يخص الدعم الاجتماعي، بسبب خوفها من انتقال العدوى الثورية إليها.

عززت السلطات الإماراتية نفقات الرعاية الاجتماعية، ووقعت اتفاقية بقيمة 2.7 مليار دولار، لمساعدة المواطنين الأكثر فقرًا على سداد ديونهم، وأعلنت عن ضخ استثمارات بلغت قيمتها 1.6 مليار دولار، لتحسين البنية التحتية في إمارات الشمال الأكثر فقرًا.

وأنفقت السلطات السعودية 130 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، على نفقات الرعاية الاجتماعية؛ تضمنت زيادة أجور العاملين في القطاع العام، وتم صرف مخصصات بطالة للعاطلين، بالإضافة إلى بناء نصف مليون وحدة سكنية، ورفع الحد الأقصى لقروض السكن إلى 133 ألف دولار، وخلق 70 ألف وظيفة جديدة بوزارة الداخلية، هذا بخلاف صرف رواتب شهرين كاملين آنذاك للمدنيين والعسكريين العاملين في الدولة، وحتى طالبات وطلاب التعليم الحكومي.

أما البحرين التي تدخلت ممالك الخليج فيها عسكريًا؛ لسحق انتفاضة الربيع فيها، لم تنس المملكة العربية السعودية أن تغدق عليها أموال بلغت قيمتها 3 مليارات دولار، في ظل ظروف انتفاضتها التي جعلت المستثمرين يفرون منها، حتى تطبق هي الأخرى استراتيجية الدعم الاجتماعي في مواجهة رياح التغيير.

وفي الكويت زادت رواتب موظفي الخدمة المدنية بنسبة 115%، ووزعت السلطات حوالي 1000 دينار كويتي لكل مواطن كحوافز مادية، ووفرت الدعم على المواد الغذائية الأساسية لكل أسرة كويتية.

لكن الجدير بالذكر هنا، أن المكاسب الاقتصادية التي حصدتها دول الخليج من الربيع العربي، والتي مكنتها من تعزيز الركيزة الثانية في خطتها الاستراتيجية، لمجابهة بذور الربيع بداخلها، كانت مكاسب قصيرة الأجل، فقد هبطت أسعار النفط ثانية، بسبب البطء في نمو الاقتصاد الأمريكي، وأزمة ديون المنطقة الأوروبية، وعودة النفط الليبي إلى الأسواق العالمية.

وفي الوقت الذي كانت تنفق فيه هذه الدول بسخاء، على الدعم الاجتماعي وعلى تحركاتها لكبح الربيع العربي، كانت توقعات مجموعة السامبا تقول إن إجمالي الناتج الفعلي في دول الخليج سيرتفع بالفعل بمعدل 7%، لكنه سيعود لينخفض في 3.7% في عام 2012.

وبالفعل، بحلول عام 2016، ومع هبوط أسعار النفط، كانت العديد من دول الخليج قد قامت بإجراء إصلاحات على هيكل الدعم، وفي السعودية عام 2015 زادت أسعار البنزين بنسبة 50%، وزادت أسعار الماء والكهرباء، وفي عمان 2015 اتخذت السلطات إجراءات تقشفية، شملت تقليص هيكل الدعم، وخفض الإنفاق على القطاع العام، في حين أخبر أمير قطر رعاياه في نفس العام بأن الحكومة لم تعد قادرة على توفير كل شيء.

هذا كله بالإضافة إلى إعلان دول مجلس التعاون الخليجي، عن أنها ستطبق بداية من عام 2018 ضريبة على القيمة المضافة تبلغ نسبتها 5%، وعلى الرغم من ضآلة هذا الرقم، فإنها تعد ضريبة مفاجأة في ظل منطقة تشتهر بالانخفاض الشديد للضرائب.

تخبرنا هذه الأرقام، بوجود احتمالية كبيرة لعدم استطاعة الركيزة الثانية في الاستراتيجية الخليجية لكبح الربيع بداخلها، على الصمود في المدى الطويل، فانخفاض عوائد النفط سيشكل هاجسًا دائمًا لتهديد العقد الاجتماعي الريعي.

الربيع يجبر الملوك على اتخاذ إجراءات اقتصادية قد تسقط عروشهم

صورة لولي ولي العهد بالمملكة العربية السعودية محمد بن سلمان

صورة لولي ولي العهد بالمملكة العربية السعودية محمد بن سلمان

المجتمعات الخليجية عمومًا مجتمعات فتية، تتمتع بمعدلات شبابية كبيرة، وفي دراسة أعدها موقع الخليج الجديد، بعنوان «هل نجحت دول الخليج في منع أمواج الربيع العربي من بلوغ شواطئها؟»، كانت إحدى النتائج التي خُلصت إليها، أنه إذا نظرنا من منظور الاقتصاد السياسي، سنجد أن الربيع العربي لم يكن أبدًا مرشحًا لكي يضرب الخليج بقوة، لأن أنظمة الخليج -وبالأخص المملكة العربية السعودية- لم تشهد تحولات نيوليبرالية في اقتصادها؛ كانت ستنتج في سياقها طبقة وسطى فاعلة كالتي في مصر وتونس.

وبالفعل لم يضرب الربيع العربي دولة خليجية بقوة، إلا البحرين التي كانت تملك طبقة وسطى قوية وفاعلة.

وصفت مجلة «الإيكونوميست» في بدايات عام 2016، التحولات الاقتصادية التي تحاول المملكة أن تتخذها في الفترة الحالية بـ«التاتشارية»، نسبة إلى مارجريت تاتشر المرأة الحديدية التي طبقت سياسات نيوليبرالية جذرية في إنجلترا، شملت رفع دعم الدولة المباشر عن كثير من القطاعات، وجعل القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للاقتصاد من حيث التشغيل والربحية، مقابل إزاحة يد الدولة بشكل كبير عن الاقتصاد.

وقد جاء ذلك بعد إعلان ولي ولي العهد في المملكة ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، وهو الرجل الذي يحمل أحلاما كبيرة بإصلاحات ليبرالية جذرية في الاقتصاد السعودي، عن أن السعودية تعتزم إصدار قرار خلال الفترة القادمة بإدراج شركة «أرامكو» في سوق الأسهم، وهي أضخم شركة نفطية في العالم، وقد جاء هذا الإعلان نفسه بعد أشهر قليلة من فتح أبواب البورصة السعودية بشكل مباشر ولأول مرة في التاريخ، أمام المستثمرين الأجانب.

لا يمكن قراءة تلك السياسات الاقتصادية الجديدة، بمعزل عن التهديد الكبير الذي شكله الربيع العربي على العروش الخليجية، خصوصًا إذا استمعنا إلى تحليل الباحث روبن ميلز، الذي نشره مركز «بروكنجز» الأمريكي، ويخلص فيه ميلز إلى نتيجة مفادها أن السعودية تحتذي بالصين في سياساتها الاقتصادية الجديدة، حيث لن تهدف السياسات التي تسمى بسياسات الإصلاح الاقتصادي، لكي تكون ممهدة للإصلاح السياسي، بل لتمنع حدوثه.

إذا حاولنا أن نربط هذه المعلومات الهامة في صيغة معادلة، ستصبح كالآتي:

بعد الرعب الذي أثاره الربيع العربي في العروش الخليجية، ومع انخفاض أسعار النفط، هرعت سلطات الخليج إلى تطبيق سياسات اقتصادية جذرية، ظنًا منها أن هذه السياسات ستكبح تطور المطالب السياسية وستمنع حدوث التغير السياسي، في حين أن تلك السياسات النيوليبرالية قد تساهم في سياق الأنظمة الخليجية، في تبلور طبقة وسطى فاعلة في بلادها، كتلك الموجودة في مصر وتونس والبحرين، على المدى الطويل، وقد تخرج فيما بعد لتطالب بنفس المطالب التي أزعجت الخليج في 2011، لكن هذه المرة من داخل الخليج ذاته.

ونستطيع أن نرى تلك المعادلة بعمق أكبر، إذا ما عرفنا ما تخبرنا به الدراسات، من تحولات حدثت في الفترة الماضية بالمجتمعات الخليجية، قد تؤثر في المدى البعيد على العروش الخليجية، أبرز تلك التحولات كان تفكك النظام القبلي التقليدي، وتحول قيم المجتمع التقليدية، وبداية ظهور فجوات عميقة في البنية الاجتماعية، وصعود شرائح اجتماعية جديدة من التكنوقراط والمتعلمين، الذين يمتلكون رؤية للعالم قيد التبلور؛ مختلفة عن السائد من حولهم.

وفي الكويت على سبيل المثال، بدأ النظام الملكي ينتبه إلى التغيرات الاجتماعية التي حدثت في البلاد بالفترة الماضية، والتي أسهمت في بروز قوى جديدة، تمثلت في شباب أبناء القبائل، الذين يمثلون الكتلة الصلبة في المعارضة السياسية بالبلاد، ضد الوزراء الشيوخ في الأسرة الحاكمة.

رغم كل ما حدث تونس ما زالت خضراء!

رغم كل محاولات دولة الإمارات العربية المتحدة سابقة الذكر، لإعاقة التحول الديمقراطي في البلاد، لا زالت تونس تظهر بعد 5 أعوام من ثورتها على تلك الخريطة التي أصدرتها مؤسسة «فريودم هاوس» (Freedom House) الأمريكية لعام 2016، باعتبارها الدولة العربية الوحيدة الملونة باللون الأخضر؛ بمعنى أنها الدولة العربية الوحيدة التي تتمتع بحد مقبول جدًا من الحرية. تظهر تونس بلون مختلف تمامًا، عن الألوان التي صُبغت بها بقية الدول العربية.

تظهر تونس كأنها جزء من قارة أخرى بهذا العالم، بعكس الإمارات التي تظهر على الخريطة، بهيئة الدولة التي لا تتمتع بالحد الأدنى من الحرية.

ورغم كل الاتهامات التي توجه إلى الثورة التونسية، بأنها لم تكن ثورة راديكالية، ولم تحقق حتى الآن أهدافها العميقة، لكنها لا زالت قادرة على التماسك والبقاء بلونها الأخضر المزعج لبعض ممالك الخليج، وما زالت تجربتها المزعجة باقية وتحاول القول بأن إمكانية بروز نظام ديمقراطي في دولة عربية، هي إمكانية متاحة رغم كل التضحيات، باختصار ما زالت تونس قادرة على أن تصبح تجربة ملهمة للشعوب العربية، وهو ما يسبب تهديدا كبيرا للعروش الخليجية.

فما زال يُنظر إلى تونس باعتبارها قصة النجاح الوحيدة من مخرجات الربيع العربي.

على جانب آخر ذكرنا فيما سبق، أن خطة الخليج لمواجهة آثار الربيع الذي تبلور في تونس، قامت على ركيزتين، هما توزيع الفوائض الاقتصادية التي تمددت على أثر الربيع نفسه، والركيزة الأخرى هي تركيز القبضة الأمنية، وقلنا إننا سنعرف في وقت لاحق، إلى أي حد قد تمثل تلك القبضة الأمنية أكبر تهديد للعروش الخليجية على المدى الطويل؛ من حيث تريد أن تحمي نفسها.

كان «إليوت إبرامز»، نائب مساعد الرئيس الأمريكي سابقًا، في إدارة جورج بوش، يقول إن: «الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط على وجه الخصوص تتمتع بشرعية أكبر من الأنظمة الجمهورية لأنها لم تقم على تاريخ طويل من القمع الدموي للمواطنين»، وقد سار على نهج إليوت العديد من مؤرخي النظم السياسية.

في حين تشير دراسات الآن، إلى أن نفوذ الأجهزة الأمنية قد ازداد بقوة في الخليج العربي، وهو ما جعل بنية تلك الأجهزة شبيهة للغاية، ببنية الأجهزة الأمنية في الجمهوريات العربية التي تكونت بعد الاستعمار، والتي قامت بها ثورات الربيع.

لقد ارتفعت نسبة الحديث عما يسمى بالمظالم السياسة في دول الخليج بشكل لافت، بعد عام 2011، وبشكل لم يسبق له مثيل ازداد توجيه اللوم في المجتمعات الخليجية للعائلات المالكة بشكل مباشر، حيث صارت أكثر من أي وقت مضى طرفًا في النزاع، وليس كما كانت في السابق دائمًا حكمًا بين القوى المجتمعية المختلفة.

كل هذا قد دفع دراسات بحثية، لتقول: إن دول الخليج أثناء حربها على رياح التغيير، ربما تكون قد دمرت مرتكزا داخليا أساسيا في بنيتها، ساعدها أصلًا على عدم التعرض للربيع العربي، الذي ضرب بشكل مُركز جمهوريات ما بعد الكولنيالية في الوطن العربي.

تُرى إذًا من الذي انتصر في تلك الجولة على المدى البعيد، ثوار تونس البسطاء أم قوى الخليج التي حاولت عرقلتهم بأموالها الطائلة؟

هل يحرق بارود الطائفية صاحبه؟

صورة مظاهرة لمواطنين سعوديين شيعة في المنطقة الشرقية من البلاد

صورة مظاهرة لمواطنين سعوديين شيعة في المنطقة الشرقية من البلاد

ترى بعض التحليلات أن أحداث الربيع العربي، كانت هي المحرك الرئيسي لكل تحركات القوى الخليجية بعد ذلك، حتى التصاعد غير المسبوق للتنافس الخليجي الإيراني في المنطقة، وقد اتسع بشكل كبير اعتماد الخليجيين على المقاربة الطائفية بدلًا من القومية في مواجهة التهديد الإيراني، لكن التهديد الأكبر أن ذلك جرى في ظل وضع إقليمي شديد التعقيد.

حين تواصلت ساسة بوست مع المفكر الفلسطيني «سلامة كيلة»، ليدلي بدلوه في هذا الصدد، قال رأيًا عكس السائد من التحليلات، فهو يرى أن المملكة العربية السعودية قد تحالفت مع بشار الأسد لسحق الثورة السورية، بحيث تظهر على السطح عدوًا كبيرًا له، لكنها في الواقع الحليف الأهم، ويستدل «كيلة» على ذلك، بأن كلًا من السعودية والإمارات قد وضعتا 4 مليارات دولار بالبنك المركزي السوري، في أغسطس عام 2011.

يقول كيلة أن المملكة العربية السعودية لعبت على دعم المتطرفين، وعلى أسلمة الكتائب المسلحة عبر الإيهام بالدعم المالي، من أجل إفشال الثورة، فقد أبرزت شخصًا مثل الشيخ السلفي عدنان العرعور، وكأنه قائدًا للثورة، وأقامت له قنوات فضائية خاصة. ويبرهن كيلة على الاتفاق بين النظامين السعودي والسوري، على اللعب بورقة الطائفية لإفشال الثورة، بمعلومة إفراج النظام السوري عن الجهاديين المحبوسين في سجونه عامي 2011 و2012، كي ينخرطوا في قتاله بعد ذلك، وتظهر الثورة وكأنها حرب طوائف تسودها النزعات التكفيرية.

وقد تختلف بشدة الآراء على طرح المفكر الفلسطيني، حول طبيعة علاقة النظامين السوري والسعودي، لكن حتى تلك الآراء التي تؤكد على الرغبة الأكيدة للنظام السعودي في زوال نظام الأسد، لا تنكر حقيقة استخدام المملكة للورقة الطائفية الحارقة في هذا الصراع، وتؤكد أن هذا الاستخدام، بالإضافة إلى تأخر الحسم في سوريا، قد أدّى إلى تحول المنطقة لبيئة خصبة وجذابة لنمو الأفكار التكفيرية، وأن هذا قد سمح لقوة مثل «داعش» أن تمتد وتتوسع، إلى الحد الذي صارت به في نظر الكثيرين مهدِدة بإزالة دول قائمة من خريطة الوطن العربي.

ويؤكد هذا الطرح، الذي لا يميل إلى تصور تحالف خفي بين الخليج والأسد، أن الخليجيين قد أضاعوا فرصة ثمينة للإجهاز على ما يسمى بالإرهاب في المنطقة، بعد مقتل أسامة بن لادن وتراجع تنظيم القاعدة، وأنهم بدلًا من ذلك قد دعموا تنظيمات جديدة في سوريا تمثل القاعدة مثل النصرة. وربما يدعم هذا التناقض رؤية سلامة كيلة لمجرى الأمور.

وبعيدًا عن هذا كله، وبالنظر إلى الإجماع حول اعتماد المملكة على الورقة الطائفية في الملف السوري، والذي أدى إلى الإفساد المتعمد للثورة في نظر كيلة، أو الإفساد دون قصد في نظر الآخرين، واعتمادها على هذه الورقة بالأساس في الصراع الأكبر والأعم مع طهران، فإن هذا الاعتماد على المقاربة الطائفية يأتي من منطقة غير متجانسة مذهبيًا في الأساس، بحيث تحتوي على نسب ليست بالقليلة من الشيعة، فورقة الطائفية التي لعبت بها القوى الخليجية وعلى رأسها المملكة السعودية بعد الربيع العربي، في حربها عليه، قادرة على حرق تلك القوى من داخلها هي الأخرى، وقد صرح رأس الإدارة الأمريكية الرئيس باراك أوباما في السابق قائلًا: «الخطر الأكبر على الخليجيين ربما لا يأتي من إيران، بل من الداخل الخليجي».

وفي هذا السياق، تنبغي الإشارة إلى وجود بؤر ثورية مذهبية في الخليج، هي الأكثر حرمانًا من عائدات النفط، والأكثر تعرضًا للمعاناة السياسية والاقتصادية والمذهبية بطبيعة الحال لكونها شيعية، وأهم تلك المناطق هي المنطقة الشرقية بالسعودية، التي يقطنها الشيعة، وتحتوي على غالبية المخزون النفطي في البلاد.

ولا يستبعد على المدى الطويل، وإذا ما تحالفت كل الأسباب التي ذكرنا الاحتماليات الكبيرة لوقوعها في هذا التقرير، أن تقوم طهران آنذاك بتسليح تلك البؤر الثورية، وتلعب حينئذ بورقة الطائفية بقوة.

يأتي هذا كله في وقت اهتزت فيه الشرعية الرمزية للملكة العربية السعودية، التي تصدرها عن نفسها في العالم السني، جراء تدخلاتها ضد الربيع العربي، بالأخص في مصر، حيث اتسعت الهوة للغاية بينها وبين أنصار التيارات الإسلامية بشكل عام والإخوان المسلمين بشكل خاص، ولم تكن قد اتسعت من قبل إلى هذا الحد، كما تعززت على أثر هذه التدخلات، مقولات الجماعات التي تصفها السعودية بالمتطرفة؛ ضد النظام السعودي، بالأخص بسبب الدعم الذي وفرته للسلطة الجديدة في القاهرة، بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة بالقوة، ودفاعها ودعمها المستمر لتلك السلطة الجديدة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد