هل اعتقدَ شابٌ في ميدان التحرير بمصر، أنَّ فِعله سيُلهم شابًا آخر يُمضي معظم يومه في مقهى مُعتم بزاوية شارع عتيق في برشلونة؟ وهل توقَّع أحدٌ أن يُحمل اسم الميدان «التحرير»، في الميادين، من مدريد وحتّى «وول ستريت»، قلب العالم الماليّ؟ هذا ما حصل بالفعل، فقد كان اجتماعُ الشُّبَّان العاديين في قلب القاهرة ليشكّلوا كتلةً واحدة حدثًا ملهمًا لشباب العالم في الكثير من البلدان. في هذا التقرير نعرض أهمّ أحداث «الربيع الإسباني» في سنة 2011؛ ولمَ احتجَ الناس وكيف، وماذا كانت أهدافهم.

 

أزمة مالية؟ جيب المواطن يَكْفِي ويَفِي

للثورات غدرُها أو ثأرُها الخاص، تطغى حِممها على المشهد دون سابقِ إنذار، فتصعق الجميع، ثوارًا وحكّامًا. لم يكن ما حصل في إسبانيا ثورةً بما تعنيه الكلمة من معاني تدمير النظام السائد واستبداله بآخر، ولكنها كانت ثورةً احتجاجيةً رفضت الانخراط في النظام القائم.

ما إن مرَّت أزمة 2008 الاقتصادية حتى دخلت إسبانيا في سنة 2009 أزمةَ الديون الأوروبية برفقة دول أخرى، كاليونان والبرتغال وأيرلندا. الأزمة ببساطة شديدة: اقترضت هذه الدول ديونًا من الاتحاد الأوروبي، وموعد ردّ الدين اقترب، والتأخر في السداد قد يعني إفلاس هذه الدول في وقت قريب. ما الحل الأسهل الذي تنحو نحوه الحكومات؟ التقشّف.

اضرب جيوب المواطنين تنفرج الأزمة الاقتصادية، هل الأمر بسيط إلى هذا الحد؟ لا يبدو كذلك. فما إن فرضت الحكومة الإسبانية سلسلةً من الإجراءات التقشفية حتى انفجرت أزمة جديدة، سياسية واجتماعية؛ بل وثقافيّة غطَّت ساحات إسبانيا.

منذ 2007 وحتى نهاية 2011، قدَّم البنك الإسباني المركزي قروضًا وإمدادات مالية للبنوك الإسبانية التي تسبَّبت بالأزمة، وبالفقّاعة العقارية، هذه البنوك ذاتها التي اختفت من المشهد مع انطلاق التقشّف دون أن يحاسبها أحد. وكلّما اتجهت الحكومة إلى التقشف قلَّصت الإنفاق العام: التعليم والصحة وغيرها من القطاعات التي تمسّ الناس مباشرةً. في سبتمبر (أيلول) 2010، دعت اتحادات العمال إلى إضراب عام، لكنه فشل.

Embed from Getty Images

آلاف المُحتجين والمُعتصمين في ميدان «بويرتا ديل سول»، أحد أشهر الميادين في مدريد، عاصمة إسبانيا. 19 مايو (أيّار) 2011.

 

في هذه اللحظة اختلفت الأمور، نحنُ الآن في 15 مايو 2011، فقبل خمسة أشهر فحسب أسقطَ المصريّون حاكمًا ديكتاتوريًّا تسلّط على الكرسي ثلاثة عقود، فلمَ لا يُمكننا، نحن الشباب الإسبان، أن نُغيّر النظام الموجود؟ أليسَ من الممكن أن نهز باجتماعنا ارتباطَ المال بالسلطة الذي تم على حسابنا؟ كانَ الشعار: «لسنا سلعةً في أيدي السياسيين والمصرفيين». وانطلقت حركة «ديمقراطية حقيقيّة الآن!»، التي كانت نتاج تراكم نشاط سياسي لمجموعات وناشطين من اتجاهات مختلفة.

تبدو كلمة «اتجاهات مختلفة» مبتذلةً في الحديث عن التيارات السياسية، لكنها صفة حقيقية في الحراك الإسباني، ويبدو ذلك واضحًا في بيانِ الحراك: «بعضنا تقدميّون، وآخرون محافظون. بعضنا مؤمنون، وبعضنا ليسوا كذلك. بعضنا لديهم أيديولوجياتهم الواضحة، وآخرون ليسوا مسيّسين»، ثم يُؤنْسَن البيان وينتقل من كلام عام إلى شعور شخصيّ يُمكن لأي مواطن إسباني أن يشعر به: «لكننا جميعًا غاضبون من الآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حولنا: الفساد بين السياسيين، ورجال الأعمال، والمصرفيين جعلنا مكتوفي الأيدي وبلا صوت». بساطةٌ في الكلام لا يقدر عليها الساسة المحترفون: «نحن عاديّون مثلك: أناس يستيقظون صباحًا للدراسة، أو للعمل، أو للبحث عن وظيفة. أناس لديهم عوائلهم وأصدقاؤهم. يعملون بجد كل يوم ليُوفّروا مستقبلًا أفضل لمن حولهم».

 

كان الحراك شابًا وحيًّا، مسَّ الشباب في القلب؛ لأن 40% منهم عاطلون عن العمل رغم تحصّلهم على التعليم الجامعيّ اللازم، ومسَّ الأُسر أيضًا؛ لأن الفقاعة العقارية أَجلت 600 ألف إسبانيّ من بيوتهم في سبعة أعوام، وطوال هذه الفترة كانت نسبُ الانتحار ترتفع شيئًا فشيئًا، وبعض الذين طُردوا من بيوتهم انتحروا.

 

ما الفقاعة العقارية وكيف تحدث؟ اقرأ في «ساسة بوست»:

 

مصر على أعتاب فقاعة عقارية قد تقضي على الأخضر واليابس

 

من التحرير إلى «بويرتا ديل سول» في مدريد.. أزمة ثقة؟

بدا أن المشكلة عالمية، فالشعوب لم تعد مؤمنةً بحكوماتها ولا بالسياسيين. أزمة ثقة؟ لا، يُجيب المتظاهرون: «هذه ليست أزمة، وإنما لم أعد أحبّك بعد الآن!»، ولذا يجبُ أن نغيّر، لا السياسيين فحسب، وإنما النظام السياسي الذي أنتجهم وسمح لهم أن يتواطؤوا مع أصحاب المصالح الماليّة ضدنا. وهكذا كان الحراك الذي تسمّى بيوم اجتماعه، حراك 15 مايو، شديدَ الحذر من الدخول في لعبة سياسية مع الحكومة والأحزاب السياسية الكبرى التي أوصلتهم إلى تلك الحالة.

لافتة رُفعت في الاحتجاجات بمدريد، كُتب عليها «ميدان التحرير». تصويرXurxo Martínez

 

نعم، استدعَى الحراك في مدريد صورة التحرير ورفعوا لافتات كُتب عليها «ميدان التحرير»، ولكن روحًا مختلفة حلَّت في حراك «ديمقراطية حقيقية الآن»: رفضُ الانخراط في العملية السياسية، ومن ثم رفض المحتجّون المشاركة في الانتخابات القريبة أو القادمة. كانَ تاريخ 15 مايو 2011 نقطة مميّزة وحساسة لانطلاق الاحتجاج في إسبانيا، فبعده بأسبوع ستعقد الانتخابات المحليّة، وبعده بخمسة أشهر تأتي الانتخابات الرئاسية العامة. لم تكن الاحتجاجات طلبًا لإصلاح النظام السياسي فحسب؛ بل احتجاجًا على النظام السياسي نفسه ككل.

 

انتقلَ الشباب من منشورٍ على فيسبوك إلى ميدان حَيّ في الشارع.

للحراك سنة 2011 حول العالم سمةٌ مشتركة، في مصر وإسبانيا وحتى نيويورك «احتلّوا وول ستريت»: خلقت هذه الحراكات ملاذاتٍ آمنة على الإنترنت، وأنشأت مجموعات وصفحات فيسبوك خاصة بها، تفاعل فيها الناشطون والغاضبون بحرية وأمان من ملاحقة الدولة وغطرستها، فتكلّموا عن الواقع السيئ وشرّحوه، وحدّدوا المُخطئ «الحكومة» أو «النظام» في هذه الحالة، ومن هذه المساحة الافتراضية انطلقوا إلى المساحة الحقيقية: الميدان. مساحة حقيقية بكل ما تحمله كلمة «احتلّوا» من ثقل وقوّة. احتلّوا مساحتكم الخاصة، احتلّوا جغرافيةً صغيرة كميدان أو ساحة، لتصيرَ مساحتكم الآمنة في الواقع، وهكذا انتقلَ الشباب من منشورٍ على فيسبوك إلى ميدانٍ حَيّ في الشارع.

ولفترة طويلة أُقيمَ طقسُ حجٍّ يومي إلى الميدان للاعتكاف فيه. العاطلون عن العمل ومَن لديهم الوقت، يباتون الليل في الميدان ويحرسونه، ويعودُ البقية إلى بيوتهم. في هذا المشهد تحوَّل الميدان من مكان عادي إلى «يوتوبيا»، أوَ جَنَّة المُحتجين، يُطبقون فيها مثالًا صغيرًا لما يمكن أن تكونه إسبانيا: بلدًا ديمقراطيًّا بحق.

 

ميدان مثالي

عاشت إسبانيا سنوات طويلة في ظلّ نظام سياسي يحكمه حزبان رئيسيان: حزب ديمقراطي اجتماعي «الاشتراكي العمالي الإسباني»، وهو الحزب الأقدم، وخصمه المُحافظ «الحزب الشعبي». في كلّ انتخابات تكون الأغلبية لأحد الحزبين، وتتبعهما الأحزاب الأخرى بنسبٍ ضئيلة.

من قلب هذا الاختناق سقطت شرعية المُمثلين السياسيين للشعب، لم يَعد وجود «نواب» أو «مُمثلين» كافيًا، لا ثقة في هؤلاء بعد اليوم، وهكذا صار انسدادُ قنوات التغيير السياسي وقود الناس لينزلوا إلى الشوارع، وحتى في لحظة الغضب كانَت بعض الوجوه المُعارضة والمُؤيدة داخلَ النظام السياسي، تُصر على تحجيم وتصغير مطالب الشباب على أنها مجرَّد مطالب اقتصادية، وتؤكِّد بلغة حادة ضرورة أن يظلَّ النظامُ والقانون كما هو، على عكس ما أراد المحتجّون.

«دور القانون أن يكون الملك في الديمقراطية»، لكن ماذا إن كان القانون هو الذي أنتجَ واقعنا السيئ؟ لا، «أنا لستُ ضد النظام، أنا مع إصلاحه. علينا أن نحترم القانون ومؤسساته». هذا تعليق النائب في البرلمان، جوستافو أريستيجوي، المُعارض المُحافظ.

لافتات رفعها المحتجّون في مدريد بلغات مختلفة، إحداها بالعربيّة: «عدالة، حرية، مساواة».

 

في مصر تنازل المجلس العسكري عن الرئيس مبارك، واجهة النظام، في حركةٍ وصفها وزير عدل حكومة مرسي بأنها «انقلابٌ على الثورة»، وبَدَا للعرب لا للمصريين فحسب أن النظام سقط بسقوط مبارك. لم يكن مطلبُ الإسبانيين إسقاط النظام، وإنما أبعد من ذلك: نحنُ الشعب يجب أن نقود، «لا تقترح بل نفِّذ» كانَ شعارًا رائجًا في حراكات 2011. «الديمقراطية التشاركية»، أن يشارك الشعب والنّاس في صناعة القرار الذي يهمّهم ويؤثّر فيهم، مباشرةً دونَ وسطاء كالنواب.

هذا الرفض لمُمثلي الشعب قاد الحراك في إسبانيا إلى رفض وجودِ «قيادات» أو «زعامات» تترَّأس المشهد. لا زعيم بعدَ اليوم. كلّ مَن في الميدان سواء، بالمستوى نفسه من الحرية السياسية والتعبيرية، وعندما يدّعي شخصٌ ما أن الديمقراطية التشاركية لا تعمل، يُقدم الميدان مثالًا مصغرًا لها: المجالس العامة. كلُّ من يتواجد في الميدان تواجدًا مستمرًا يحقُّ له أن يكون عضوًا في المجلس العام للميدان، وله حقُّ التصويت -بالوزن نفسه- مع الموجودين. أما زوار الميدان غير الدائمين فلهم مساحة لسماع صوتهم. وما أن يتخذ المجلس العام قرارًا –جزءٌ كبير من القرارات مشروطة بالاتفاق الجماعي- يبدأ التنفيذ مباشرةً، وبشكل تلقائي –دونَ قيادة محددة- ينقسمُ الموجودون إلى لجان وأفرقة تتقاسم المهام وتوزّعها: فريق يهتمّ باللوجستيات كالنظافة العامة للميدان، والصرف الصحي، وإمداد الغذاء. وفريقٌ آخر من المبرمجين يتولّى مهمة توزيع الإنترنت عبر نقاط اتصالٍ مجانية باستخدام «Wifi» لأبناء الميدان، وفريق آخر من أهم الفرق: الفريق الإعلامي. كان الميدان بمَن فيه فريقًا إعلاميًّا ذا إدارة ذاتية، وكان الأمر واضحًا للمحتجين: كلُّ منا منبرٌ فريد. كلّ فرد وسيلة إعلامية بهاتفه أو عدسته.

تريد أن تحمي نفسك والميدان؟ وثِّق ما يحصل بطريقتك الخاصة، وأخبر الناس بذلك. كانت التغطية الرسمية للأحداث بطيئة ولم تُقم للاحتجاجات وزنًا، على الرغم من انتشارها في مئات الميادين والساحات في إسبانيا، وفي غالبية المدن. اختلف المشهد العربيّ هنا عن المشهد الإسباني. في تونس حُجب يوتيوب، وفي مصر قُطع الإنترنت لفترة قصيرة، تخطَّى بعدها الثوار العرب الحواجز ونشروا ما لديهم، وخذلهم إعلامهم المحليّ؛ بينما احتلَّت الجزيرة المشهد خالقةً في عقول العرب حول العالم ميدانًا مُتصلًا بالتحرير، وحوَّلت الثورة لشيء أيقوني في عقل المشاهد: «بِن علي هَرب!»، وجعلت الثورة لحظة فارقة: «لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»، مَن لا يعرف مشهدَ التحرير عندما أضاء سماء القاهرة بثواره؟ الثوار أولًا، ثم الجزيرة، نقلوا صورته في بثٍّ حيّ فضح النظام وحمى المُحتجّين.

Embed from Getty Images

ميدان التحرير- القاهرة، 8 فبراير (شباط) 2011.

الجزيرة نقلت صوت الناس من المحليّة إلى العالميّة عندما تجاهلهم البقيّة، أما في إسبانيا فالناس كثفوا مشاركتهم الصور والمقاطع المرئية والقصص حتى تجاوزت الإعلام العام والقنوات الكبرى، وصارت بوزن المؤسسات الإعلامية نفسها، أو تكاد تفوقها.

في المجالس العامة نقلَ المحتجون نقاشاتهم من الإنترنت إلى الواقع: حولَ فكرة الديمقراطية، وأيّ نوع منها يصلح للوضع الحالي؟ فيمَ أخطأنا؟ ومَن تسبَّب في ما وصلنا إليه؟ وكلّ هذه الأسئلة التي يُمكن أن تثيرها ثورة أو انتفاضة شعبيّة. والأهم من بينها: سؤال العنف، الذي كان الأكثر ذكرًا ورواجًا في نقاش هذه الحِراكات.

 

مشاهد من اعتداء الشرطة الإسبانية على المتظاهرين في برشلونة، 27 مايو 2011.

 

في فجر 27 مايو 2011، هجمت الشرطة الكاتالونية على مخيم ساحة كاتالونيا بقصد حلّ الاعتصام وإخلاء الساحة، مُنزلينَ الهروات على المُعتصمين الذين صمدوا لستّ ساعات دون إبداء مقاومة أو عنف. أُصيب 147 ونزفَ الكثيرون، وانتشرت مشاهد الاعتداءات كالنار في الهشيم، وفي ظهر اليوم اتسع الميدان: 20 ألفًا من الغاضبين جاؤوا للمساعدة، وانسحبت الشرطة.

هل نردُّ على العنف بالعنف؟ كيف ندافع عن أنفسنا أمام اعتداءات الشرطة والأجهزة الأمنية؟ إذا مارسنا العنف سنفقدُ تضامن الناس معنا، وسنفقدُ جوهر حراكنا، فنحنُ هنا ضد عنف الدولة وتوسّعها علينا، ما الحل إذًا؟

انتهى النقاش في معظم الأحوال إلى رفض استخدام العنف إذ لا ضمانة له، ولأنه مُنافٍ لجوهَر الحراك، واتُخذت استراتيجية دفاعية بفضح العنف ونشره في وسائل التواصل الاجتماعي أداةً لإغضاب المشاهدين المحايدين، الذين جاؤوا لاحقًا لتغذية الميادين وضَخ الدم فيها من جديد. يبدو مأزق العنف الإسباني أخفَّ وطأة من مأزق العنف في السياق العربي، الذي واجهت فيه السلميةُ الرصاصَ والقتل والدم، من تونس إلى مصر، ومن مصر إلى ليبيا وسوريا اللتين غرقتا في حربٍ أهلية دامية لم ترتدع فيها الأنظمة عن العنف ولو وُثِّق وصوّر، ومن هنا حملت كلمة «سلميتنا أقوى من الرصاص» إيحاءً ساخرًا في مخيال الشباب العربي، إذ صارت «سلميتنا» مساويةً لـ«الموت»، ولا شيء آخر.

 

حصاد الغضب.. حزب جديد يولد من رحم «الميدان»

في بداية الاحتجاجات شارك 60 ألف محتجٍ فيها، وفي مدريد اجتمع 10 آلاف وأحيانًا 25 ألفًا، وفي برشلونة في اعتصام حاشد اجتمع 200 ألف، وهكذا، تعلو وتهبط أرقام المحتجين مع اختلاف الظروف السياسية. لكن ما حصاد هذه الموجة من الغضب؟

يُجادل «مانويل كاستلز»، عالم الاتصال والاجتماع الإسباني، بأن الحصاد الأساسي والأهم لهذا الحراك -وأشباهه حول العالم- حصادٌ بسيط وواضح: رفعُ الوعي.

ارتفعت نسب المُنخرطين في العملية السياسية بشكل مباشر من خلال الاحتجاج والتظاهر والرفض، من خلال «المقاومة» بوصفها فعلًا يوميًّا ومستمرًا، لبناء ثقافة الاحتجاج على ما يراه الناس خطأ وظلمًا. وتأتي هذه الانتفاضات قفزات في وعي الناس والمجتمع تجاه حقوقهم وحقيقة أنظمتهم السياسية، ولكن الجانب المميز فيها أن وعيها طبيعي وعضويّ. ما معنى ذلك؟ طبيعيّ صدرَ من الناس للناس؛ غضبوا وخرجوا للشوارع وأعلنوا العصيان، معًا، أخبروا أُسرهم وأصدقاءهم بما حصل وأخذوهم معهم إلى الشارع. عملية وعي ذاتية، منكَ وإليك بصفتك مواطنًا عاديًّا، ترى انعكاس مشاعرك ومعاناتك في آخرين يشبهونك.

أظهرت استطلاعات الرأي ارتفاعًا في موافقة الشعب الإسباني على مطالب الحراك، وتعاطفًا معه ومع شبابه. نتيجةٌ منطقية ما دامَ الحراك شعبيًّا. لكن الحصاد لا يتوقف هنا؛ تراجعَ الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الخلف وتصدَّر المُحافظون. لا يعني هذا أن الأوضاع صارت تحت السيطرة، إذ إن الانتقال الكبير من الشارع فحسب إلى البرلمان بدأ.

ظهرَ في الأفق شبح حزبٍ سياسي كاسر، يسنده عشرات الآلاف من الشباب والإسبان الغاضبين، استطاعَ بسياسة الجذور أن يخترق نظام الحزبين، ومنعَ كليهما من الحصول على الأغلبية في انتخابات 2015 البرلمانية لأول مرة منذ سنوات طويلة. كُسرت الحلقة! واستطاع الحزب الوليد بعمر عامين «نستطيع»، أن ينالَ 20% من الأصوات، وبدأت مفاوضات قاسية بين المحافظين 28%، وبقيّة الأحزاب، بما فيها الاشتراكي الديمقراطي 22%، لتشكيل الحكومة. كانَ هذا النصر السياسي أولى الثمار الملموسة للحراك، وإن لم يُحقق الحزب، وهو تجربة أولى، ما أراده «غاضبات»، وهو اسمٌ آخر من أسماء الحراك.

Embed from Getty Images

«بابلو أغليسياس» رئيس حزب «نستطيع» المُنبثق عن الحراك، في اجتماع لمؤيدي الحزب، 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2014.

 

«كيف نبدأ ثورة؟»

قبل سنواتٍ من الآن، سُئل نعوم تشومسكي: «كيف نبدأ ثورة؟»، وسط ضحك الجمهور أجابَ سريعًا: «فلنخرج ونُنادي: السُلطَة للناس!». بقدر ما يبدو هذا الكلام بسيطًا، إلّا أنه يحملُ معنى مهمًا: تأتي الثورات لتعيد الأمور إلى نصابها؛ أن تصبَّ السياسة في منفعة الناس.

كاستلز، عالم الاجتماع الإسباني، في كتابه «شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت»، يعرض عددًا من الحركات الاجتماعية التي انطلقت منذ 2009، وتجدّدت في 2011 إثرَ الربيع العربي، ويتحدث عن سلوكها النفسي والاجتماعي الذي دفعها نحو الشوارع ثم ثبَّتها في الميادين.

بعدَ أن يبدأ الشباب –بشكل أساسي- النقاش في أرضية افتراضية كمجموعة فيسبوك، تتضح الأمور أكثر فأكثر. ومع النقاش تتراكم مشاعر «سلبية» مختلفة من الغضب والاستياء والانزعاج مما يحصل، من الفقر والبطالة، من حركة المواصلات العامة البطيئة، ومن تأخّر دور والدك في العلاج بالمستشفى، ومن تعب والدتك المستمر واليومي بسبب عملها الطويل والمُزعج الذي لا تحبه. تفاصيل يوميّة وملموسة يُزعجك النظام فيها وتتحوّل إلى إنهاكٍ مستمر وتدريجي. لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي خالقة هذه الثورات والانتفاضات، وإنما أداة الناس للتواصل. بعدَ التواصل تتأكد من أن أفكارك ورؤيتك للأشياء مُتشابهة مع رؤية وأفكار آخرين، أنت وآخرون كُثُر ترون أن ما يقع الآن ظلم، وكلّ ظلم بطبيعة الحال يُشكك الناس بشرعية النظام الذي أنتجَ هذا الواقع السيئ.

عملية تراكم مستمرة لكلّ هذه المشاعر تصلُ بالناس إلى لحظة ذروة، أو ما يُسمى بـ«اللحظة الحرجة»، وما إن يقع مشهدٌ مأساوي أو درامي حتى تنفجر كل المشاعر مرة واحدة. سنوات من القبضة الأمنية المُنهكة في تونس، انتهت بصفعة من يد شرطيّة جعلت شهيد الربيع العربي، محمد البوعزيزي، يُضرم في نفسه النار التي امتدت من جسده إلى كلّ جسد في تونس ومصر والعالم العربي. إنه حدثٌ مأساوي، ومُستفز، ومثيرٌ للحنق، أجّج في الناس غضبهم القديم المتراكم ودفعهم ليتكلموا.

العاطفة هنا تتحوّل إلى فعل، الغضب يدفعك إلى التعبير والاحتجاج. ولكن عاطفتك لا تتحوّل إلى حراك اجتماعيّ إذا لم تكن مع آخرين غاضبين مثلك، ولمَ من المهم أن تكون معهم؟ لأن الإنسان في هذه اللحظة ينتابه شعورٌ سلبيّ هو الخوف، والخوف يدفعُ الإنسان إلى القلق من تهديدٍ خارجي لا يستطيع السيطرة عليه، كبطش الأجهزة الأمنية مثلًا. لكن، وهنا الحل: الغضب يكسرُ الخوف، وعندما تجدُ نفسك في قلب تيّار ضخم من الغاضبين، تنسى كلّ شعور آخر. البحوث العصبية تُظهر أن الغضب يرافقه سلوك «تقبّل المخاطرة»، أي تجاهل الخوف وتجاوزه. ومع الغضب تأتي الحماسة والأمل، وتتخيل عقولنا أن ما نُطالب به معقولٌ وممكن جدًا.

الحماسة تدفع عقولنا إلى تخيّل المستقبل الأفضل الذي ننشده، ونبدأ برؤيته تعويضًا وعائدًا مُقابل المخاطر التي سنُجازف بتحمّلها. هكذا تعملُ القصّة كلها كما يعرضها كاستلز في كتابه. لا شيء مما ذكرناه يحصلُ دونَ تواصل الناس مع بعضهم البعض، وكلّما كانت أداة التواصل أسرع وأسهل؛ كان التحرّك أكثر فاعلية ومواكبةً للحدث.

ما أشكال تنظيم الاحتجاج التي ستحكم المشهد في موجات الانتفاض القادمة؟ يقول كاستلز: الناس يُحددونها وفق ما يُناسبهم ويُسهل عليهم عملهم. ولكنها تبدو مائلةً باتجاه الاتصال الشبكي وغير المركزي، على الأقل في مراحل الانتفاض الأولى.

فهل يمتدُّ اتصال الربيع العربي بربيع إسبانيا أبعدَ من الفكرة والإلهام؟ وكيف يُمكن لتجربة إسبانيا (أو نيويورك في «احتلوا وول ستريت») أن تبني جديدًا في الوعي الاحتجاجي لدى الشباب العربيّ، تنظيمًا وفكرًا؟

 

المصادر

s