ما يقارب الأربعة أعوام ودول ما تسمى بـ “الربيع العربي” تعيش حالة لا متناهية من الفلتان الأمني والسياسي، والتي ازدادت بقوة بعد سقوط أنظمة مستبدة عاثت في شعوبها فسادًا وخرابًا، بيد أن” الثورات” التي تفجرت لأجل ذلك، سرعان ما قابلتها “ثورات مضادة”، مما جعل المعادلة تتغير شيئًا فشيئًا.

وإذ تتنوع ألوان المشهد العربي، وتتسارع أحداثه، وتتغير مجرياته، بالشكل الذي يفرض على المتابع أن يضع جملة من السيناريوهات لما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة، وسط حالة من اليأس والإحباط لما يجري في دول مصر وسوريا واليمن مؤخرًا، وغيرها من البلدان.

بدأ “الربيع العربي” في السادس عشر من ديسمبر عام 2010 حينما فجر المواطن محمد بوعزيزي الثورة في مدينة سيدي بوزيد التونسية، لتحذو حذوها مصر وسوريا وليبيا واليمن، في مشهد غير مسبوق تفاءل  فيه السياسي قبل المواطن العادي بطبيعة المرحلة المقبلة على تلك البلدان، وإعلان نهاية الاستبداد، إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن!

خلال هذه الفترة برزت العديد من الجماعات والتي سمت نفسها بـ “الإسلامية” في هذه الدول، لبدء حالة الاستقطاب السياسي، والنفور المذهبي بين شرائح المجتمع كافة، ليقف المشهد العربي حتى اللحظة أمام ضبابية في تحديد مسار الأمور إلى أين!

مخاوف كثيرة

المؤشر العربي الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر، وضع المواطن العربي أمام مجريات الأمور كافة، خاصة مع تخوفهم من زيادة نفوذ الحركات الإسلامية السياسية، ونفوذ غير الإسلامية العلمانية.

وأفاد المواطنون خلال نتائج هذا المؤشر أن 43% من المستجوَبين لديهم مخاوف من الحركات الإسلامية السياسية مقابل 40% قالوا إنه ليست لديهم مخاوف منها. وأفاد 37% من المستجوبين بأن لديهم مخاوف من الحركات العلمانية مقابل 41% أفادوا بأنه ليس لديهم مخاوف منها.

وكما كشف أن أكثر من 60% من الرأي العام العربي ترى أن الربيع العربي يمر بمرحلة تعثر وأنه سيحقق أهدافه في نهاية المطاف، حيث أظهرت النتائج والتي شملت نحو 27 ألف شخص في 14 بلد عربي وبين المهجرين واللاجئين السوريين في دول الجوار- انقسامًا في تقييم الثورات العربية.

وذكر 45% من الرأي العام بأن الثورات العربية والربيع العربي هي تطورات إيجابية، مقابل 42% عبروا عن تقييم سلبي لها، فيما علل الذين قيموا الثورات بأنها سلبية بالخسائر البشرية الكبيرة، وعدم تحقيق الثورات أهدافها، وحالة الاستقطاب السياسي الحاد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

 ولم تكن نسبة الذين قيموا الثورات بطريقة سلبية انطلاقًا من موقف معادٍ للثورات نفسها نسبة ذات بال، إذ إن 5% فقط ترى أن الربيع العربي هو مؤامرة خارجية، ولكن مع أن هناك انقسامًا في تقييم الثورات العربية، فإن الرأي العام العربي ما زال متفائلًا بالربيع العربي ولديه ثقة بمآلاته.

خارج الموجة

وليس غريبًا أن يحل غياب الأمن والأمان في المرتبة الأولى ضمن أولويات المواطنين وكأهم مشكلة تواجه الدول العربية قبل الوضع الاقتصادي، فقد أظهرت النتائج أن تغيرًا مهمًا قد طرأ على أولويات المواطنين في المنطقة العربية، إذ أورد المستجيبون غياب الأمن والأمان باعتباره أهم مشكلة تواجه بلدانهم وبنسبة 20%.

وهذه أول مرة يرى فيها المواطنون العرب أن المشكلة الأهم ليست اقتصادية، فقد جاءت مشكلة البطالة في المرتبة الأولى في استطلاعَي المؤشر للعام 2011 والعام 2012/2013.

وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر رأى أن الربيع العربي الذى بدأ في أواخر 2010 قد أثار الآمال بأن مراكز القوى في المنطقة، سواء المستبدون أو المتطرفون، قد باتوا خارج الموجة الجديدة من الإصلاح، واستقبل السياسيون الغربيون ووسائل الإعلام الغربية الثورات في تونس ومصر بفرح وسعادة باعتبارها ثورات إقليمية يقودها الشباب، رافعين المبادئ الديمقراطية والليبرالية.

لم يبد ” كيسنجر” تفائلًا مثل النتائج التي أظهرها المؤشر العربي، فقد لفت إلى أن ظهور الجماعات الإسلامية، وتحديداً “تنظيم الدولية الإسلامية” “داعش” يثير من الفوضى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على استقرار العالم وأمنه.

فرض الهيمنة

ويعتقد أن هذا الخطر ناشئ عن انهيار الدولة التي لم تعد قادرة على فرض هيبتها على أراضيها وظهور قُوى بخلاف الدول تقوم بفرض هيمنتها وسلطتها على مناطق معينة، مضيفًا: “أرى خريطة الجهاديين تمتد على مساحات كبيرة من العالم الإسلامي، من العراق وسوريا إلى أفغانستان واليمن والصومال ومالي”.

وامتداد الخريطة من وجهة نظره تتطلب وجود  نظام عالمي جديد يكون شراكة بين الولايات المتحدة والصين خاصة بعد سقوط حائط برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتي، ونهاية الحزب الشيوعي الروسي.

وتابع: “إن  تردد الولايات المتحدة في التدخل وحرف ميزان الحرب ربما تم تفسيره كمحاولة للتوصل لصفقة مع إيران بشأن ملفها النووي، أو أنها لم تعد تهتم بالشرق الأوسط، لكن جهودها لقيت عرقلة من الدول التي تملك حق الفيتو مثل الصين وروسيا اللتين تعاملتا مع الانتفاضات في تونس وليبيا ومصر والبحرين وسوريا من خلال منظور الاستقرار الإقليمي الخاص بهما”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد