بالتزامن مع الأحداث والتطورات الجارية في القدس والضفة المحتلتين، وما أطلق عليها “انتفاضة السكاكين”، “انتفاضة الأقصى الثالثة”، أو حتى “هبات جماهيرية” مطلع الشهر الجاري، تتخذ قوات الاحتلال الإسرائيلي جملة من الإجراءات التعسفية بحق الفلسطينيين.

أبرز هذه الإجراءات كانت بحق عمال أراضي الـ 48 العاملين داخل إسرائيل عبر منعهم العمل بالمدارس خشية تصاعد موجة عمليات جديدة ينفذها الفلسطينيون في بعض المدن المحتلة، والأكثر تركيزا وتواجدا للعمال والمستوطنين معا.

أعاد القرار السابق الأذهان إلى جذور نشأة العمالة داخل إسرائيل، وطبيعة تعامل الأخيرة معهم، والسياسة المتبعة بحقهم، وأعداد العمال الفلسطينيين المتواجدين، ورحلة تنقلهم في البلدات والمدن المحتلة.

أولا: تفاصيل قرار منع دخول «العمال العرب» إلى بعض “المدن الإسرائيلية”؟

قبل يومين منعت إسرائيل في عدة مدن -بينها “تل أبيب”- العمال العرب من دخول المدارس خلال دوام الطلاب، خوفا من حدوث هجمات، وعلميات طعن وإطلاق نار من قبل الفلسطينيين في شوارع هذه المدن.

وبالتالي، فإن المواطنين العرب سيحظر عليهم العمل في مدارسها، ودخول عمال الصيانة والنظافة أيضا تخوفا من حدوث هجمات ضد الطلاب، بيد أن حزب القائمة العربية المشتركة وهو “أكبر حزب عربي بالكنسيت”، رأى أن إجراءات الإقصاء العنصري الخطيرة تتخذ تحت ستار الخوف.

ويسري الإغلاق على مدن” تل أبيب ورحوفوت وهود هشارون، وموديعين مكابيم ريعوت والواقعة بين “تل أبيب”والقدس، حيث إن الخطر يتعلق بعرب 48 الذين يشكلون الأغلبية العظمى من الموظفين من غير المدرسين.

وبسبب المخاوف الأمنية تفادت “تل أبيب ومدينتا رحوفوت وهود هشارون” استخدام كلمة “عرب” في الإعلان على مواقعها وعبر رسائل إلكترونية أن عمال الصيانة والنظافة -ومعظمهم عرب- لن يسمح لهم بدخول المدارس.

ثانيا: ما هي بدايات نشأة الطبقة العمالية في إسرائيل؟

قبل الإعلان عن قيام إسرائيل على نحو 77.4 % من أرض فلسطين عام 1948 بواقع 20.770 كم2 ، من أصل 27 ألف كم2 ، كانت هناك نقابتان عماليتان تعملان على تنظيم العمال ” عرب أو يهود”.

المنظمة الأولى: هي نقابة عربية تدعى “جمعية العمال العرب الفلسطينية”، والتي أُنشِئَت رسميا في 8 آب عام 1925، وامتدت وكان لها عشرات الفروع في مختلف المدن الفلسطينية، وكان مقرها الرئيسي في مدينة حيفا على الساحل الفلسطيني.

المنظمة الثانية: هي نقابة العمال العبريين العامة “الهستدروت”، والتي أنشئت عام 1920 ، وتضم العمال اليهود فقط، لكن بعد تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين عام 1948جرى تحجيم كافة المؤسسات العربية العاملة في البلاد ومن ضمنها المنظمة الأولى.

وبالتالي تم حل الجمعية وحظر نشاطها، لإتاحة المجال أمام “الهستدروت” من السيطرة على التنظيم العمالي في البلاد بشكل أحادي الجانب، وحينها أصيب بالفعل العمل النقابي العربي الفلسطيني بالجمود والشلل التام وانتقل مقر الجمعية من حيفا على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بعد عام 1948 إلى مدينة نابلس في الوسط الشرقي من فلسطين.

بعد أن تغلغلت “الهستدروت” في معظم المؤسسات العمالية، سمح الحاكم العسكري الإسرائيلي عام 1967 بتشغيل عمال الأراضي المحتلة في إسرائيل, وكانت تلك بداية إحدى أكبر التبدلات الأساسية والخطيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المحتلة.

وبالتالي، شرعت سوق العمل الإسرائيلية أبوابها حسب احتياجات اقتصادها للعمال الفلسطينيين في ظل مجموعة من الإجراءات التي أعاقت نمو الاقتصاد الفلسطيني وأضعفت قدراته على استيعاب القوى العاملة الفلسطينية التي تعرضت لاضطهاد طبقي وقومي من خلال تشغيلها حسب استعداد السوق الإسرائيلية في البناء والزراعة على وجه الخصوص.

ثالثا: ما هي نسبة تواجد «العمال العرب» في إسرائيل؟

وينحدر عرب 48 -الذين يقدر عددهم اليوم بـ 1.4 مليون نسمة- من 160 ألف فلسطيني لم يغادروا أراضيهم بعد قيام إسرائيل عام 1948، في وقت يعانون فيه من التمييز، خاصة في مجالي الوظائف والإسكان.

ويُقدّر عدد السكان في إسرائيل بنحو 8,296,000 في نهاية عام 2014 بموجب المعطيات التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية ‏6,218,000‏ منهم (‏74.9%‏ من السكان) هم من اليهود، ‏1,719,000‏ من العرب (‏20.7%‏) و ‏359,000‏ مدرجون تحت تعريف آخر.

وخلال العام الماضي ووفقا لموقع “المصدر”، ازداد تعداد السكان في إسرائيل نحو ‏162,000‏ شخص، وهي زيادة بنسبة ‏2.0%‏، وتشبه الزيادة في العقد الأخير، في حين سيعادل عدد الفلسطينيين عدد اليهود في البلاد كلها “إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967” العام المقبل.

ووفقا لإحصائية عام 2013 والتي تشير إلى ارتفاع عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات إلى (103) ألف عامل وعدد العاملين من الضفة الغربية في إسرائيل والمستوطنات إلى (96) ألف عامل.

رابعا: كيف تتعامل إسرائيل مع العمال الفلسطينيين؟

حتى يتمكن العمال من الوصول إلى أماكن عملهم عند السابعة صباحا، يخرجون من بيوتهم عند الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، حيث يواجهون معاناة كبيرة في الوصول إلى داخل سوق العمل الإسرائيلية لأنهم يضطرون إلى العبور من خلال الحواجز العسكرية لجيش الاحتلال.

وفيما يتعلق بجلب العمال الفلسطينيين من مدن الضفة المحتلة إلى العمل داخل أراضي الـ48 يتم من خلال شركات توريد قوية عاملة في الضفة، بينما قسائم الراتب فإنّ بعض العمال الفلسطينيين لا يعرفون شيئا عن هذه القسائم، إنما يعرفون المبلغ الذي يتقاضونه في كل شهر أو في كل أسبوع.

ويرجع عدم معرفتهم إلى أن المحاسبة تتم في كثير من الأحيان بين المقاول الإسرائيلي والمقاول الفلسطيني من الضفة، حيث يزوِّر المقاولين معطيات أجرة العمال على الرغم من أن العامل الفلسطيني من الضفة يدخل إلى أراضي الـ48 للعمل بموجب تصريح من مكتب التشغيل الإسرائيلي ويدفع المقاولون أجرًا زهيدًا للعمال الفلسطينيين وهو يقل عن الحد الأدنى للأجور، إذ تسجل التقارير إلى مكتب التشغـــــيل بأن العامل عمل “13 أو14” يومًا، بدلا من “23 أو 24”

وهذا التزوير ينطبق على الحقوق الاجتماعية أيضًا إلا أن إسرائيل نفسها لا تطبق القانون في هذه الناحية بالرغم من وجود أمر بتوقيع وزير العمل الإسرائيلي يسري على جميع العاملين في إسرائيل، على اعتبار أن القانون يسري على العمال الفلسطينيين الذين يدخلون إلى إسرائيل بتصريح عمل، وعلى جميع العاملين في إسرائيل.

ومن أبرز صنوف المعاملة الإسرائيلية للعمال الفلسطينيين هي الاستغلال، والمعاملة الفظة والتنكيل، فعشرات آلاف الفلسطينيين الذين لا يجدون وسيلة لإعالة أنفسهم وإعالة عائلاتهم يخاطرون بالدخول إلى إسرائيل دون تصريح من أجل الحصول على عمل.

لكن سرعان ما يتم القبض عليهم من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، إضافة إلى جانب التعامل الرسمي، الذي يتم من خلاله إعادة معظم العمال الذين قبض عليهم إلى مناطق السلطة الوطنية مرة أخرى ومنهم من تتم محاكمته وإنزال عقوبة السجن به إلى جانب التغريم.

خامسا: ما هي طبيعة المضايقات التي تنجم عن العمل داخل إسرائيل؟

أهم المضايقات هي عدم دفع مستحقات العمال والمماطلة في ذلك، وفي عديد من الحالات تضيع حقوقهم، والتنسيق ما بين ضريبة الدخل الإسرائيلية والعديد من السماسرة والمحامين بسرقة مستحقات العمال التي تم اقتطاعها من أجورهم لضريبة الدخل.

إلى جانب وضع شرط عمر العامل (30) سنة من قبل السلطات الإسرائيلية للمرشح للحصول على تصريح عمل وأن يكون متزوجا ولديه أولاد، مما يحرم الكثيرين من الحصول على فرصة للعمل في اسرائيل، وتهرّب كثير من المشغلين الإسرائيليين من تسجيل عدد أيام العمل الحقيقية للعمال في قسيمة الراتب الشهرية مما يؤثر على حقوقهم الاجتماعية في المستقبل.

ومن بينها أيضا العمل لساعات طويلة دون احتساب ساعات العمل الإضافي، ومنع دخول مركبات نقل فلسطينية داخل الخط الأخضر يكلف العمال الفلسطينيين أجورا باهظة للوصول إلى أماكن عملهم وعودتهم إلى مكان سكنهم.


المصادر

تحميل المزيد