في عام 1907، كتب الأديب المصري عباس محمود العقاد مقاله الشهير بعنوان «الاستخدام رق القرن العشرين»، وذلك عقب استقالته من وظيفته الحكومية، قائلًا: «ومن السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين».

وصف العقاد الوظيفة الحكومية قائلًا: «لا أنسى حتى اليوم أنني تلقيت خبر قبولي في الوظيفة الأولى التي أكرهتني الظروف على طلبها كأنني أتلقى خبر الحكم بالسجن أو الأسر والعبودية، إذ كنت أؤمن كل الإيمان بأن الموظف رقيق القرن العشرين»، اعتقاد العقاد هذا كان بعيدًا تمامًا عما يعتقده كثير من الناس بالمنطقة العربية في القرن الـ21، الذين يسعون بكل الطرق للالتحاق بالوظائف الحكومية.

بحسب «استطلاع أصداء بيرسون مارستيلر السنوي الثامن لرأي الشباب العربي» فإن %50 من الشباب في أنحاء الوطن العربي، يفضلون الالتحاق بوظيفة حكومية على العمل بالقطاع الخاص أو إقامة مشروع صغير، فيما يفضل %70 من الشباب بأنحاء دول مجلس التعاون الخليجي الوظائف الحكومية.

رأى المشاركون في الاستطلاع أن ارتفاع الأجور، والرعاية الصحية، وزيادة العطلات مدفوعة الأجر، وتقليل ساعات العمل، أبرز الأسباب التي تدفعهم لتفضيل الوظائف الحكومية، وفي الواقع ربما تكون هذه الأسباب لا قيمة لها مقارنة بالعوائد التي يمكن أن تنتج عن مشروع الاستثمار الصغير أو العمل الخاص، كونه يدر أرباحًا أعلى كثيرًا، ولكن دائمًا التجربة تكون هي العائق.

وفي محاولة كان هدفها كسر حاجز الخوف من فقدان الوظيفة الحكومية، اقترحت الحكومة التونسية إصدار قانون جديد، لتشجيع المبادرة الاقتصادية من جانب موظفي الحكومة، ليتيح القانون للموظفين الراغبين في تأسيس مشاريع خاصة، الحصول على إجازات خالصة الأجر لمدة لا تتجاوز عامين، وذلك لتخفيف الضغط على التوظيف الحكومي وتقليص عدد العاملين في مؤسسات الدولة.

تقوم المبادرة التونسية على أساس أن يُقدم الموظف الحكومي بعد تأسيس مشروعه الخاص والتأكد من نجاحه استقالته النهائية، أما في حال الفشل فيمكنه العودة إلى وظيفته مرة أخرى، ويعد مشروع المبادرة ليس الأول من نوعه في تونس، وإنما سبق أن أصدرت الدولة في 2007 مشروع قانون مماثل، غير أنه لا يسمح للموظف الحاصل على إجازة بالتمتع براتبه طوال مدة الإجازة، وهو ما جعل التونسيين ممن لديهم أفكار مشاريع خاصة لا يتشجعون للتقدم في هذا الاتجاه خوفًا من المجازاة.

وبعيدًا عن تونس، فقد تكون هذه الفكرة مناسبة كثيرًا لدول عربية في حاجة لمثل هذه المبادرة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المنطقة، جعلت الموازنات تعاني نسبًا كبيرة من العجز، وعلى رأس هذه الدول مصر أكثر الدول العربية سكانًا، ثم السعودية التي تعاني أزمة في التوظيف كذلك، خاصة بعد هبوط أسعار النفط.


هل تدعم المبادرة اقتصاد تونس؟

رغم أن إجمالي من يعملون في الوظائف الحكومية بتونس لا يتجاوز 800 ألف موظف، إلا أن الأجور في البلاد تعادل حوالي 13.5% من ميزانية الدولة، وهي من أعلى النسب في العالم بحسب النقد الدولي، فيما زاد عدد موظفي القطاع العام بين عامي 2010 و2016، بنسبة 50% وتضاعفت كتلة الأجور بنسبة 100%، وفق بيانات رسمية.

ولحل هذه الأزمة حاولت الحكومة التونسية التوصل لاتفاق لتجميد زيادات رواتب القطاع العام المقرر العام المقبل، لخفض العجز في الميزانية، لكن اتحاد الشغل رفض بشدة مقترح الحكومة.

ويرى لطفي الخالدي، مدير عام الوظيفة الحكومية بالبلاد، أن «المبادرة ستدفع بكفاءات كثيرة إلى البحث عن آفاق اقتصادية تدعم اتجاه الدولة لخلق فرص عمل جديدة»، مشيرًا إلى أن العديد من الدول الأجنبية اعتمدت هذه التجربة ونجحت.

ما هي الأهداف التي تسعى المبادرة لتحقيقها؟

قال الصحافي والخبير الاقتصادي، مصطفى عبد السلام، إن تونس تعاني من قلة من تضخم في عدد الموظفين بالجهاز الإداري، إذ يبلغ نحو %8 من عدد سكانها البالغ نحو 11 مليون نسمة، ويمثل هذا العدد أزمة لصانع القرار مع تراجع إيرادات البلاد منذ ثورة 2011، خاصة من قطاع السياحة الذي تردى بسبب الضربات «الإرهابية» المتلاحقة، ولجوء الحكومة للاقتراض الخارجي لتغطية العجز في الموازنة العامة.

وأشار عبد السلام خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن «بند الأجور في تونس يعد أحد أبرز أسباب عجز الموازنة»، موضحًا أن الأزمة تفاقمت مع تراجع إيرادات الدولة، في ظل تراجع معدل النمو إلى واحد ونصف في المائة وهو معدل مُتدنٍّ لا يوفر فرص عمل جديدة.

وتابع الخبير الاقتصادي أنه مع فشل حكومة يوسف الشاهد في تمرير زيادات الضرائب في موازنة العام الجديد 2017 ورفض البرلمان لها كانت الحكومة مجبرة على تطبيق إجراءات غير تقليدية ومنها السماح لموظفي الحكومة بتأسيس مشروعات خاصة، دون شرط الاستقالة من الوظيفة.

ويرى عبد السلام أنه يمكن لتونس أن تحقق من خلال هذه المبادرة عدة أهداف أبرزها: خلق فرص عمل جديدة، وبالتالي خفض نسبة البطالة، وتخفيف العاملين بالجهاز الحكومي، لكن بشكل ذكي وليس عن طريق قوانين كما حدث في بعض الدول، كما تقلل من حدة الاقتراض الخارجي وهو الرهان الذي تسعى الحكومة لتحقيقه.

هل يمكن تطبيق المبادرة في مصر؟

منذ خروج قانون «الخدمة المدنية» للنور في مصر، تتزايد مخاوف الموظفين بالجهاز الإداري من إعادة هيكلة عدد الموظفين في 34 وزارة، إذ تسعى الحكومة من خلال القانون إلى تشغيل موظف لكل 50 مواطنًا بدلًا من 13 مواطنًا في الوقت الحالي، وهو ما يعني أن أكثر من أربعة ملايين موظف في الجهاز الإداري للدولة مهددون بسبب هذا القانون.

ولعل المبادرة التونسية تكون حلًّا قابلًا للتطبيق في مصر ويحل هذه الأزمة، إذ أكد مدحت نافع، أستاذ التمويل المصري، نائب رئيس لجنة الاستدامة بالاتحاد العالمي للبورصات، أن هذا اتجاه تنادي به مصر منذ زمن طويل لكن دون تحرّك جاد من الدولة ممثلة في الحكومة والقطاع المصرفي من أجل توفير الحوافز وبدائل التمويل المناسبة لإقامة هذا النوع من المشروعات.

وقال نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن «الدولة يمكنها أيضًا توفير حاضنات تدريب وتسويق كبرى تخدم عددًا كبيرًا من المشروعات كل حسب موقعه الجغرافي وطبيعة نشاطه، ولكن هناك عوائق تعرقل هذا الاتجاه، أبرزها: التمويل والتدريب والتسويق فضلًا عن البيروقراطية والفساد وهما مما تُرزأ به دول العالم الثالث».

لماذا لا تلجأ مصر إلى هذا النوع من الحلول؟

أكد نافع أنه لا يوجد في مصر توجه جديد أو مميز، فالدول تتراجع عن التدخل في النشاط الاقتصادي في مختلف بلدان العالم منذ سيادة الفكر الكلاسيكي وانتهاءً بالليبراليين الجدد مرورًا بالليبرالية الحديثة، وعلى مصر أن تقصر تدخلها على الأمور التنظيمية والرقابية مع ضمان حماية المنافسة وحماية المستهلك.

وأشار أستاذ التمويل إلى أن «ما ينقصنا في بلادنا هي تلك الضوابط التي تراعي تحقيق عدالة الحصول على الفرص وعدالة التوزيع كما ينقصنا وضع الضوابط التي تحول دون تسرّب ثروات البلاد عبر قنوات الهدر والفاقد والفساد بعيدًا عن المنظومة المنضبطة للاقتصاد».

وأوضح «إذا تم ذلك بشكل صحيح فمن المتوقع تحقيق وضع أفضل يقترب بنا من درجة التشغيل الكامل مع تحقيق معدلات نمو كبيرة وتوزيع أفضل لعوائد هذا النمو، نظرًا لأن النسبة الغالبة من العمالة في الدول النامية بصفة عامة تقع في القطاع غير الرسمي والذي تنتشر فيه مشروعات متناهية الصغر لكنها تفتقر إلى التنظيم والتدريب والتسويق».

على الجانب الآخر، يرى مصطفى عبد السلام أن مبادرة تونس يصعب تطبيقها في العديد من الدول العربية لعدة أسباب، أبرزها أن الموظف لا يزال يعتبر أن الالتحاق بالعمل الحكومي قمة الأمان الوظيفي، بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجه تأسيس المشروعات الخاصة من فساد وبيروقراطية وطول إجراءات، وعدم توافر السيولة والقدرة المالية لملايين الموظفين على تأسيس مشروعات في ظل تدني الرواتب وزيادة التضخم والأسعار.

هل المبادرة حل مناسب للسعودية؟

وفق تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، في يونيو (حزيران) 2016، تحاول السعودية تشجيع مواطنيها على العمل بالقطاع الخاص، وذلك ضمن خططها لإعادة هيكلة اقتصادها، إذ يعمل حوالي %70 من السعوديين في وظائف حكومية، وهو رقم يصعب استيعابه الآن بسبب هبوط أسعار النفط.

أشار التقرير إلى أن المملكة عازمة على تقليص عدد موظفيها في القطاع الحكومي وخفض الإنفاق على الرواتب، ضمن مساعٍ أوسع لخفض تكاليف الإنفاق وتنويع الاقتصاد وتقليل دور الحكومة فيه، كما إن أحد أهداف خطة التحول السعودية هو خفض الإنفاق الحكومي على الرواتب من %45 إلى %40 بحلول عام 2020، فيما خفض عدد الموظفين الحكوميين بمقدار %20 هو هدف آخر، قد تكون المبادرة التونسية مناسبة لتحقيقه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد