قد تكون جالسًا ليلًا في أحد مقاهي إسطنبول العتيقة، المنتشرة في أزقتها التي لا تنتهي، وفجأة يأتي إلى مسمعك أنغام تألفها، تجعلك تظن لوهلة أنّ لسانك سيبدأ بالغناء وحده الآن، تذكرك بالأغاني العربية القديمة، أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش. تمعن قليلًا في الكلمات، تجد نفسك لم تفهم ما الذي يقوله المغني ولكنّك تشعر به، كلمات تركية بألحان عربية، تتابع الاستماع وتبدأ الكلمات العربية تتردد داخلك.

قد يبدو من الطبيعي اليوم اختيار صاحب المقهى هذا النوع من الموسيقى، لكنّ هذه السابقة لم تكن طبيعية في الماضي. إذ إنّك لم تكن تستمع لمثل هذا النوع من الموسيقى الذي يطلق عليها «الأرابيسك» قبل 90 عامًا.

يأخذنا هذا التقرير قليلًا إلى الوراء لفهم ظاهرة انتشار موسيقى الأرابيسك في المجتمع التركي، وما الأسباب السياسية، والاقتصادية، والثقافية التي أدت لنشأتها، وانتشرت بسببها، وكيف تجاوزت هذه الموسيقى الحواجز الطبقية والإثنية والدينية للمجتمع التركي وأصبحت اليوم على مسمع الجميع.

الموسيقى والهوية والذاكرة.. 3 دروس أتقنها أتاتورك

«بصراحة؛ إنني لست مغرمًا بموسيقى الأتوركا لأنّها تشعرني بالنعاس، ولكنني أفضل موسيقى الإفرنجة، بالأخص الأوبرا والأوبريت» *السلطان عبدالحميد الثاني

بدأ مؤسس الدولة التركية، مصطفى كمال أتاتورك، مسيرة التحديث الشاملة للدولة والمجتمع التركي، من خلال جوانب عدة، شملت الفن والموسيقى. فقد كانت هذه المسيرة إعادة تعريف للهوية التركية، وقطع جذورها المشرقية، التي كان لها بالضرورة امتدادات عربية وجنوب أناضولية؛ من تغيير الأحرف العربية إلى اللاتينية، وارتداء اللباس الغربي، إلى اعتماد «الفن الغربي» في النشيد الوطني والمحطات الإعلامية للدولة. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، أعيدت تسمية الأغاني «الأناضولية الشعبية» إلى الأغاني «الشعبية التركية». ومنعت جميع أغاني الطرق الصوفية، ما عدا موسيقى الطريقة «المولوية».

كان زيا جوكالب المنظر الأكبر للهوية التركية الحديثة، والمؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع التركي، الذي التقط أتاتورك أفكاره وبدأ بتطبيقها شيئًا فشيئًا. قسم جوكالب الأغاني إلى ثلاثة أقسام رئيسية: الموسيقى الشرقية التي لا تنتمي إلى الثقافة التركية، والأغاني الشعبية التي هي المصدر الأساسي للثقافة التركية، وأخيرًا الموسيقى الغربية، النموذج الحضاري الذي يجب الاحتذاء به.

كنتيجة طبيعية لأفكار جوكالب، والتي كان أحد منتجاتها تحويل الذوق الموسيقي للشعب التركي، إلى ذوقٍ يميل إلى الذوق الأوروبي. أرسل أتاتورك مجموعة من الملحنين والمؤلفين الشباب، للدراسة في الغرب، وذلك للعودة إلى تركيا وإعادة تلحين الأغاني الأناضولية الشعبية على الأسس الفنية الأوروبية. وفي عام 1923، أضاف معهد الموسيقى في إسطنبول قسمًا لتدريس الموسيقى الغربية، وأغلق قسم الموسيقى الشرقية. كلُّ ذلك ولَّد جيلًا جديدًا من الملحنين والموسيقيين، مثل جمال رشيد بيه، وعدنان سايجون.

من هنا نشأت موسيقى الأرابيسك في تركيا

كان المذياع الوسيلة الأساسية التي تستخدمها الدولة لدعم عملية التحديث، فمن خلاله تُقدم دروس تعليمية للغة التركية الجديدة، وتبث الأغاني الشعبية التي أعيد تلحينها، وقد منع بث الأغاني الشرقية من خلال مذياع الدولة عام 1934. لقد حصدت عملية التحديث ثمارها بشكل واسع في المدن الكبرى، كإسطنبول وأنقرة.

ولكن الذوق الريفي لم يرق له الألحان الأوروبية، ووجد نفسه وسط ألحان الإذاعة المصرية، التي كانت تبث الموسيقى والغناء العربي، كأغاني محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، والتي ترجمت للتركية فيما بعد. وأثناء عام 1936- 1948، كان للسينما المصرية حضورها الكبير في المجتمع الريفي التركي، إذ عُرض 130 فيلمًا مصريًا في تركيا، وكانت هذه الأفلام تعزز من ثقافة الموسيقى العربية، وبالتالي تعزز من الهوية الشرقية للشعوب التركية الريفية.

أحد أشهر الأفلام التي انتشرت في المجتمع التركي، فيلم «دموع الحب» لمحمد عبد الوهاب، الذي حقق رقمًا قياسيًّا في مبيعات عام 1930. ولكنّ هذا الانتشار لم يرق لبعض أجهزة الدولة، وبالتالي منعت جميع المنتجات المصرية الفنية، من استيراد الأفلام المصرية وترجمتها، إلى بث الموسيقى المصرية في المذياع.

وإلى أن استفاقت هذه الأجهزة إلى هذا الانتشار الواسع لموسيقى الأرابيسك، كانت عملية الترجمة من الكلمات العربية إلى التركية قائمة وبكثافة، وذلك لسبب بسيط؛ لم يكن الريفيون يفهمون الكلمات العربية المصرية، وبالتالي ترجموها ووضعوا بصماتهم التركية الخاصة عليها، فأصبحت منتجًا محليًّا، وكان ذلك أحد أهم الأسباب لزيادة شعبية موسيقى الأرابيسك.

كذلك أحد أهم الأسباب السياسية لانتشار الأرابيسك، كان نشوء الحزب الديمقراطي التركي، الذي كان عدنان مندريس أحد مؤسسيه، إذ وضع الحزب سياسات اقتصادية أكثر ليبرالية، ما بين 1950 و1960، وكانت إحدى هذه السياسات، إلغاء بعض الضرائب الجمركية، وتحفيز الصناعة والمشروعات التي تحتاج طبقة عمالية. وكنتيجة طبيعية، أحدثت السياسات هجرة داخلية كبيرة من الهوامش (القرى والأرياف) إلى المدن الكبيرة، والتي قدرت بهجرة قرية كاملة من 10 قرى، وانتشرت الموسيقى بهذه الهجرة.

موسيقى الأرابيسك تخفف وطأة الاغتراب على الريفيين

«إنّ أكثر ما يميز موسيقى الأرابيسك روحها المليئة بمشاعر الاغتراب وخيبة الأمل بالمجتمع» *الكاتب مارتن ستوكس

لانتشار موسيقى الأرابيسك أسبابٌ سُكانيّة أيضًا، فمنذ عام 1950 وحتى 1965، تضاعفت نسبة السكان من 21 مليون إلى 31 مليون، بنسبة 25% في المدن. كان ذلك في سنوات الهجرة الداخلية للفلاحين، والذين عاشوا اضطهادًا كبيرًا من الطبقة الغنية والمتوسطة، الذين أطلقوا على هذه الهجرة الداخلية «غزو الفلاحين».

نتيجة لهذا الاضطهاد، عاش هؤلاء المهاجرون في المناطق غير المعبدة وغير الآمنة في المدن الكبيرة، مما انتشرت ظاهرة الـ«Gecekonudu»، والتي هي تعني الإعمار ليلًا. إذ كان الكثير من هؤلاء المهاجرين يبنون بعض البيوت خلسة في منتصف الليل، ومن دون إذن الدولة، وتعد هذه الظاهرة منتشرة في القرى الصغيرة، والمدن الكبرى، كإسطنبول، وإزمير، وأنقرة.

وجدت هذه الطبقة ذاكرتها الريفية في موسيقى الأرابيسك، فأحد أشهر الأغاني التي تسمى «عرس فاديم»، للمغني فيردي تايفور، يعبر فيها عن أمله للعودة إلى قريته، وإطلاق النار في حفلة زفاف فاديم، ويقول وكله ألم: «جئنا إلى المدينة وكلنا أمل، ونسأل الله حسن الخاتمة».

رغم منع أغاني الأرابيسك في محطات الدولة الإعلامية، فإنّ سوق الغناء التركي استطاع توظيف الموهوبين من مغني الأرابيسك، والذين كان أشهرهم أورهان جيركباي، التي حظيت أغنيته «Bir Teselli Ver»، والتي تعني «قدملي العزاء»، شهرة واسعة، وبيع ما يقارب 600 ألف نسخة للأغنية. ومع بداية عام 1970، كان جيركباي بطل الأرابيسك، إذ كان يلقب بالـ«الأب أورهان».

كيف تُعزف موسيقى الأرابيسك ومن هم أشهر المغنيين؟

يذكر مارتن ستوكس الذي ألف أهم مرجع أجنبي لفهم ظاهرة موسيقى الأرابيسك والسياق التي خرجت منها «جدل الأرابيسك: الموسيقى والموسيقيين في تركيا الحديثة»، أنّ هنالك ارتباطًا كبيرًا ما بين موسيقى الأرابيسك وبين موسيقى الـ«سيما» التي خرجت من رحم الطرق الصوفية. إلا أنّ بعض الباحثين لهم وجهة نظر أخرى، منتقدين هذه الفكرة عند ستوكس، وقائلين بأنّ الأرابيسك أقرب إلى الموسيقى المصرية منها إلى الموسيقى الصوفية الطرقية.

ولكنّه لا يوجد شك بأنّ هنالك تقاربًا كبيرًا بين موسيقى الأرابيسك وموسيقى السيما الصوفية، فبالنسبة للآلات الموسيقية المستخدمة، ففي كلاهما تستخدم آلات مشتركة، كالقانون، والعود، والساز. ويوجد ما يميز أحدهما عن الآخر، فموسيقى السيما تتميز بآلة الناي، والأرابيسك تتميز بالطبلة والبوق. وتاريخيًّا فقد كان الغناء الصوفي منتشرًا انتشارًا كبيرًا في المدن الإسلامية الكبيرة، كدمشق والإسكندرية، فمن الصعب القول بأنّه لا يوجد تداخل بين الموسيقتين.

يوجد مغنيان هم الأشهر في عالم الأرابيسك التركي، وهما مسلم جورسيس، وأورهان جيركباي الذي ذكرناه سابقًا في هذا التقرير. بالنسبة لمسلم جورسيس، فقد أصدر فيلم عام 2018 عن حياته المليئة بالأحداث الدرامية والصعبة، فكان جورسيس قد انتقل إلى مدينة أضنة مع أهله في عمر الثالثة، وكان انتقال أهله بسبب الظروف المادية الصعبة.

مغني الأرابيسك مسلم جورسيس

بدأ جورسيس الغناء وهو في عمر 13 عامًا، في حقول القطن الذي كان يعمل بها، ومن ثم فاز في مسابقات محلية في أضنة، واستطاع أن يقدم عرضًا في إذاعة شوكوروفا، ومن هُنا اكتسب شهرة واسعة بسبب صوته الجهوري، فـ«جورسيس» بالتركية تعني الصوت الجهوري. تعرض جورسيس لأحداث صعبة في حياته، منها حادثة قتل أخيه، وحادثة قتل أمه من قبل والده. ولهذه الأحداث بصمتها الحزينة الخاصة في أغانيه الشهيرة.

وكانت إحدى بصمات جورسيس المؤثرة في عالم موسيقى الأرابيسك، هو دمجه للأرابيسك وأغاني البوب التركية، فقد عمل بشكل قريب من أشهر مغنيين البوب الأتراك، كماراثان مونجان. ولهذا السبب زادت شهرة جورسيس زيادة انتشار موسيقى الأرابيسك.

لم تعد موسيقى الأرابيسك اليوم تمثل طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو دينية، وإنما أصبحت في متناول ومسمع الجميع، الكبير والصغير، المتدين وغير المتدين، بل استطاعت الأرابيسك أن تكشف عن الجوانب التي طمست طوال العقود الماضية، موازنة بذلك الانتماء المشرقي والمغربي للهوية التركية. فهنالك ظواهر تنمو بشكل عضوي في المجتمعات الإنسانية، ولا يمكن للسياسة أن تحكم قبضتها عليها.

كتب

منذ 4 شهور
ما بين الماضي والحاضر.. 5 روايات تحكي لك الكثير عن تاريخ تركيا
644
أسماء رمضان

المصادر

تحميل المزيد