لم يعد الحديث عن كوكب المريخ أمرًا خاصًا بين علماء ورواد الفضاء فقط، بل أصبح محط اهتمام الصحافة العالمية والمهتمين بالفضاء بشكل عام، وكوكب المريخ أو الكوكب الأحمر هو الكوكب الرابع من حيث البعد عن الشمس في النظام الشمسي، وهو الجار الخارجي للأرض ويصنف بأنه كوكب صخري، وعلى سطح هذا الكوكب هناك مساحة شاسعة يطلق عليها علماء الفضاء في العالم اسم «شبه الجزيرة العربية» أو «أرض العرب» على المريخ.

وقد اشتق اسم المريخ بالعربية من كلمة «أمرخ» أي صاحب البقع الحمراء، وأما لقب الكوكب الأحمر الذي يطلقه العلماء عليه، فهذا لأن لون الكوكب مائل للاحمرار بسبب زيادة نسبة غبار أكسيد الحديد الثلاثي العالية على سطحه وفي جوفه، و«أرض العرب» هي موضوع حديثنا في هذا التقرير، كي نتعرف عليها ونعرف الأسباب وراء تسميتها بذلك، والاكتشافات العلمية المهمة التي تخصها، خاصة التي حيرت العلماء لسنوات وأطلقت عليها ناسا «مشاهد غامضة» من «أرض العرب» على المريخ.

«أرض العرب» على المريخ.. ما هي؟

«أرض العرب» هي منطقة على سطح الكوكب الأحمر، أطلق عليها علماء الفضاء والجيولوجيا اسم (Arabia Terra) أو «أرض العرب» وتلك المنطقة تقع شمال الكوكب الأحمر، وتحتوي «أرض العرب» على حفر وفوهات بركانية وأودية وشرائط صخرية جميلة تذكرنا بطبقات الصخور الرسوبية في «الصحراء الملونة» أو الأراضي الوعرة.

وتعد «أرض العرب» على سطح المريخ من أقدم تضاريس الكوكب، ومساحتها حوالي 4500 كيلو متر، وأطلق عليها «أرض العرب» من طرف عالم الفلك الإيطالي جيوفاني شياباريلي عام 1879، وهذا بسبب وجود بقع بيضاء فيها تتغاير بين الفاتح والداكن، وهذه البقع من ميزات الطبيعة في شبه الجزيرة العربية.

مجموعة من الصور التي التقطتها ناسا لمنطقة أرض العرب على المريخ

فطبيعة تضاريس الأرض في شبة الجزيرة العربية على كوكب الأرض تعتبر فريدة من نوعها، وبها الكثير من الفوهات المرتفعة والتي يطلق عليها في علم الجيولوجيا «فوهات القواعد» أو (pedestal crater) وتتشكل تلك التضاريس على سطح التلال من تراكم طبقات متعددة على مر السنين، وتعود الأسباب الرئيسية لتكوين تلك الطبقات إلى الفورات البركانية أو الرياح أو ترسبات المياه الجوفية، ولذلك ظهور منطقة تتماثل جغرافيًا وجيولوجيًا مع شبه الجزيرة العربية فوق سطح المريخ؛ كان بمثابة لغز يحتاج إلى سنوات من الدراسة ومحاولة اكتشاف السبب وراء وجود تلك المنطقة فوق كوكب المريخ.

مصاطب زراعية.. من حرث أرض المريخ؟

أكثر منطقة أثارت دهشة العلماء وفضولهم هي المنطقة التي بها أشكال أطلقوا عليها «مدرجات» أو «مصاطب زراعية» والتي تشبه إلى حد كبير المصاطب الزراعية الموجودة على سطح كوكب الارض، أو الـ (agricultural terrace) وهي طريقة مبتكرة وفريدة استخدمها المزارعون على كوكب الأرض منذ آلاف السنين للحفاظ على التربة الزراعية من الانجراف، وهو أمر معتاد يمكن أن تراه حتى الآن في أغلب الأراضي الزراعية في أنحاء العالم خاصة الموجودة في التلال والجبال.

مصطبة زراعية بجبال الفلبين. مصدر الصورة موقع «هوم ستيدنج»

وجود هذا الشكل الجغرافي على كوكب الأرض ليس من شأنه أن يثير حيرة أو دهشة أي عالم جيولوجيا، ولكن وجود بقايا جيولوجية تشبه تلك الأشكال على سطح كوكب المريخ وبنفس الشكل والتدريجات أثارت الكثير من التساؤلات لدى علماء الفضاء والجيولوجيا، والذي وجدوا أنه من الضروري الإجابة عنها، وطرحت سؤالًا مهمًا: هل حُرثت أرض كوكب المريخ من قبل؟

البقايا الجيولوجية على سطح المريخ، والتي صرح العلماء أنها تشبه بقايا المصاطب الزراعية . مصدر الصورة موقع «ناسا»

ولكن بعد بحث العلماء سنوات طويلة، وعودة البعثات الاستكشافية بعينات يمكن دراستها، ظهرت تفسيرات أكثر منطقية وأقرب إلى الواقع، ففي منتصف شهر سبتمبر (أيلول) 2021 أصدرت «ناسا» بيانًا توضح فيه النتائج التي توصل لها علماء الفضاء والجيولوجيا فيما يخص طبيعة جغرافيا وتربة أرض العرب على المريخ.

براكين من أزمان سحيقة.. هكذا تشكلت أرض العرب

وجد العلماء دليلًا على أن أرض العرب في المريخ قد شهدت ما يعرف بالـ«الانفجارات الهائلة» أو الـ«super eruptions» وهي أقوى أنواع البراكين التي عرفها البشر على كوكب الأرض، وقد تعرضت «أرض العرب» لهذه البراكين منذ ما يقرب من 4 مليارات سنة، واستمرت لمدة تصل إلى 500 مليون عام.

تلك الانفجارات التي لم يكن لها دور في التشكيل الجغرافي لـ«أرض العرب» على المريخ فقط، بل كان لها القدرة على إنتاج ثورات بركانية قوية للدرجة التي تطلق محيطات من الغبار والغازات السامة في الهواء، مما يحجب أشعة الشمس ويغير مناخ الكوكب لعقود.

على مدار 500 عام تسببت تلك البراكين في تغذية هواء كوكب المريخ بالأبخرة السامة وثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وهذا وفقًا للمعلومات التي نشرها علماء الفضاء والجيولوجيا في ورقة بحثية في مجلة «Geophysical Research Letters».

هذا الكشف كان بمثابة حل للغز طبيعة التربة ولونها، ولكنه في المقابل لم يفسر الأشكال -التي نراها في الصورة السابقة- والتي هي عبارة عن عدة حفر مليئة بالصخور ذات الطبقات التي لها نفس السماكة مما يعطي مظهرًا متدرجًا، ولذلك كان أمام العلماء المزيد من البحث حتى يجاب عن كل أسئلتهم.

الماء.. عابر سبيل على «أرض العرب» بالمريخ

في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 نُشرت ورقة بحثية بعنوان «Brief presence of water in Arabia Terra on Mars» أو «الوجود القصير للمياه في أرض العرب على كوكب المريخ»؛ تلك الدراسة التي قدمت التفسير النهائي والحاسم للأشكال التي تبدو مثل المصاطب الزراعية في منطقة أرض العرب على كوكب المريخ.

جزء من تضاريس ارض العرب على سطح المريخ مصنوع بشكل تخيلي ثلاثي الأبعاد

بهدف الوصول لفهم أفضل لما حدث أثناء تكوين تلك الطبقات من الصخور، ركز العلماء القائمون على الدراسة على ظاهرة يطلق عليها «القصور الذاتي الحراري»، وهو التأثير الذي يحدد قدرة الماء على تغيير درجة الحرارة، وعلى أن الرمال – ذات الجزيئات الصغيرة- تكتسب الحرارة وتفقدها سريعًا، وفي المقابل تظل الصخرة الصلبة دافئة لفترة طويلة بعد حلول الظلام بسبب تأثير الماء فيها، ومن خلال ذلك نظر العلماء درجات حرارة السطح في منطقة «أرض العرب»، وتحديد الخصائص الفيزيائية للصخور فيها، وهو أمر لم يتعمق أحد في دراسته من قبل.

وباتباع هذا النهج في دراسة المنطقة، تأكد العلماء أن «أرض العرب» قد كان بها مياه لفترة وجيزة من الزمن، وقال المؤلف الرئيسي للدراسة الفيزيائي والجيولوجي آري كوبيل إن «هذا الكشف «مثير حقًا» لأنه يطرح مجموعة كاملة من الاسئلة الجديدة عن المريخ، مثل: ما الظروف التي سمحت بوجود مياه لفترة وجيدة من الوقت في «أرض العرب»؟ وهل يمكن أن تكون هناك أنهار جليدية ذابت بسرعة بسبب حدوث فيضانات ضخمة؟ وهل هناك مياه جوفية في منطقة «أرض العرب»؟

«هذا الوقت يعتبر وقتًا مثيرًا لدراسة المريخ»؛ هكذا يوضح كوبيل، ويبدو أن الأمر لا يعد مثيرًا فقط للعلماء، فالأخبار التي تروج عن غزو الفضاء سياحيًا تستهدف زيارة المريخ للمدنيين، ولذلك عادة ما يتابع المهتمون بالفضاء اخر ما توصل له العلم في فهم الكوكب الأحمر، مثله مثل أي منطقة سياحية يفكر البشر في زيارتها، وربما يكون هذا مكلفًا ومقصورًا على أغنياء العالم في البداية، ولكن ما التطور التكنولوجي الذي نعيشه، لن يكون من الصعب أن نتخيل أن تكون تلك الرحلات للمريخ متاحة لمعظم البشر على كوكب الأرض.

علوم

منذ 6 شهور
هل بدأ الإنسان الحياة على المريخ ثم انتقل إلى الأرض؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد