حول أنهار الوطن العربي نشأت أقدم وأعرق الحضارات في التاريخ، ويعود السبب الرئيسي لقيامها للشخص الذي استطاع إخراج الخيرات من التربة الطينية، وتمكن من إنبات الحياة وسط الأرض الصماء.

إنه الفلاح، الذي يعد بمثابة أهم شخص في المنظومة الاقتصادية.

لكن الفلاح في الوطن العربي هذه الأيام يعاني كثيرًا في وقت تردت فيه مهنة الزراعة بشكل ملحوظ في الوطن العربي.

العراق.. الحكومة السبب

تردت الزراعة في بلاد الرافدين كثيرًا في وقتنا الحالي، وأحد أهم الأسباب وراء ذلك يكمن في معاناة الفلاح العراقي الذي أُجبر على الهجرة من الريف للمدن بحثًا عن رزقه.

ويعاني الفلاح العراقي من غلاء أسعار الأسمدة والمشتقات البترولية بشكل واضح، ويقول أحد هؤلاء: “كان سعر الطن من السماد الكيماوي الأبيض ١٥ ألف دينار في ظل النظام السابق، لكنه وصل الآن إلى ٥٠ ألف دينار، كما كان سعر السماد الفوسفاتي ٢٠ ألف دينار ليصل الآن إلى ٦٠ ألف دينار، ووصل سعر برميل الكازويل التجاري المستخدم في تشغيل آلات الري إلى ١٦٠ ألف دينار، هذه أسعار لا نستطيع تحملها بسهولة”.

ويشتكي الفلاح العراقي من تخاذل دور الحكومة في توفير الخدمات التي تؤهل المحصول الزراعي وتزيد من قيمته الإنتاجية، وفي اتباعها السياسات المناسبة لحماية المنتجات الزراعية، كذلك فلا يوجد أثر فاعل للجمعيات الزراعية بالعراق، فمن أين يحصل الفلاح على الدعم اللازم له؟!

المنتجات الوطنية لا تجد سوقًاً لها بسبب الاستيراد



يقول أحد الفلاحين: “الأهم من ذلك هو هجوم المحاصيل المستوردة على منتجاتنا المحلية، وبالتالي توقف شراء المنتجات الوطنية، وكان يُفترض بالحكومة أن توقف استيراد بعض المحاصيل الزراعية من الخارج وتوجيه العملة الصعبة المستخدمة في عمليات الاستيراد في دعم الفلاح بالسماد والكازويل”.

مشكلة أخرى تواجه الفلاح العراقي تكمن في جفاف الأنهار، والتي تعتبر السبب الرئيسي وراء هجر الفلاحين لأراضيهم واتجاههم نحو المدن.

ويشتكي الفلاح العراقي من حكومته بشدة ويرى أنها انشغلت بالمناصب والصراعات السياسية على حساب الاهتمام بشئون الدولة الأساسية وفي مقدمتها الزراعة، مما أدى إلى انهيار واضح للاقتصاد العراقي وزيادة حجم البطالة.

يقول جاسم أبو فالح، أحد الفلاحين العراقيين: “من الصعب ترك المهنة التي تربينا عليها، ولكن صارت الزراعة في العراق لا تسد خسائرها، بعبارة أخرى صارت خسارة بلا ربح، وذلك كله لأسباب ترجع لسبب رئيسي هو عدم دعم الدولة لنا كشريحة فلاحين، وذلك لأن الزراعة تحتاج إلى البذور والأسمدة والماء، وكل ذلك لا يتوفر لنا إلا بأسعار خيالية”.

أصبحت الزراعة في العراق خسارة بلا ربح



مصر.. مشاكل لا حصر لها

عوّل الفلاح المصري كثيرًا على ثورة يناير حتى يستعيد مجده القديم، لكن معاناة الفلاح المصري زادت كثيرًا في أعقاب الثورة وصارت أشد قسوة.

وأحد المشاكل التي يعاني منها الفلاح هو ثبات – وإن لم يكن تآكل – الرقعة الزراعية المحدودة في الوادي والدلتا، مما جعل سعر فدان الأرض يرتفع ارتفاعًا جنونيًّا، فعام ٢٠٠٨م كان سعر الفدان بأحد مناطق الدلتا حوالي ٥٠ ألف جنيه، بينما وصل عام ٢٠١٢م إلى ٢٠٠ ألف جنيه، وبالتالي صَعُب حصول الفلاح على المساحة المناسبة للزراعة.

وإذا ما استطاع الفلاح الحصول على قطعة أرض زراعية ملائمة، فإنه يضطر للاستدانة من البنوك الزراعية التي تقدم قروضًا بفوائد تصل إلى ١٠-٣٠٪ وهو ما يرهق كاهل الفلاح.

الفلاح المصري يعاني بسبب مشاكل نقص المياه



ويقع الفلاح في مصر تحت رحمة الكيانات الرأسمالية الكبيرة التي تقوم بالتعاقد مع الفلاح بعقود تصب أغلب بنودها في مصلحة الكيان الرأسمالي، فمصنع بنجر السكر بكفر الشيخ لا يلتزم بنقل المحصول من الأرض إلى المصنع دون تحمله لأي ضرر ينشأ على المحصول.

ويعاني الفلاح من السياسات الحكومية المرتبكة في مجال الزراعة، فإذا ما زادت أسعار القمح عالميًّا، هرولت الحكومة للفلاح تشتري منه محصوله بسعر جيد يشجع الآخرين على زراعة القمح، وعندما تنخفض أسعار القمح تلجأ الحكومة للاستيراد مما يسبب خسائر للفلاح، هذا بالإضافة للمشاريع المتعلقة بالري التي يدفع الفلاح تكلفتها للحكومة لكنه يصفها بالفاشلة تمامًا.

كل هذا بالإضافة للمشاكل التقليدية المتعلقة بارتفاع أسعار البذور والمبيدات والأسمدة في مقابل انخفاض أسعار المحاصيل.

وعن ذلك يقول راضي رمضان، وهو مزارع مصري: “الفلاح مش عارف يلاقيها منين ولا منين، من ارتفاع سعر المبيدات ولا البذور ولا ارتفاع أسعار العمالة ولا نقص مياه الري”.

زراعة القمح أصبحت تخضع لهوى الحكومة المصرية



سوريا.. دمار واسع

في ظل الوضع السوري الملتهب والصراعات العرقية والطائفية هناك، تزداد أزمة الفلاح السوري في الكثير من المناطق السورية، وسط حالة من عدم الاهتمام بأحوال المزارعين أو حتى محاولة توفير احتياجات أراضيهم.

ففي ريف حماة، تبدو المعاناة كبيرة نتيجة توقف آبار الري عن العمل بسبب غلاء أسعار المازوت الذي يُستخدم لتشغيل آلات رفع الماء وزيادة أسعار المواد الأولية للزراعة من بذور وأسمدة بشكل كبير، ويزيد من هذه المعاناة القصف المتواصل لطائرات نظام بشار الأسد مما حوّل عددًا كبيرًا من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ محترقة سوداء أو بورٍ جرداء.

وفي منطقة جبل الأكراد التابع لمحافظة اللاذقية، تتضاعف معاناة المزارعين نتيجة للقصف المستمر على الأراضي مما تسبب في عدم قدرة المزارعين على حصد محاصيلها نتيجة لاحتراق الأشجار وتدمير الأراضي، وأضاع هذا على المزارعين القدرة على حصد ثمار تعب موسم كامل، منتظرين الموسم الزراعي القادم الذي قد يحمل لهم بعض الأمل.

جفت المزارع في سوريا



لبنان.. الجفاف

لا تقتصر معاناة المزارعين في لبنان على نتائج المشاكل الاقتصادية وعدم الاعتراف بالمنتج، بل أضيفت لها معاناة جديدة تتعلق بالتأثيرات السلبية لتبدل المناخ.

ففي منطقة البقاع تسببت العواصف الثلجية والتغيرات المناخية في إلحاق الضرر بمحاصيل الكثير من مزارعي القمح، وزادت هذه المعاناة مع بعضهم بسبب استثناء الحكومة لهم من صرف التعويضات.

ويقول رئيس تجمع مزارعي الجنوب، هاني صفي الدين: “إن الجفاف الذي تعانيه المواسم الزراعية لهذا العام لم يسبق أن شهدت له مثيلاً، إذ أن استمراره سيضرب المواسم ولا سيما محاصيل الحمضيات والموز”.

ويقول بعض المزارعين إن حل هذه المشكلة يكمن في زيادة كمية المياه للمزارعين من مشروعي الليطاني ورأس العين، لأن استمرار شح المياه قلص مساحة زراعة الحمضيات في جنوب لبنان بنسبة ٧٥٪ لمصلحة زراعة الموز والزراعات الاستوائية مثل الأفوكادو والمانجو.

ويأتي هذا في الوقت الذي صرح فيه رئيس مصلحة مياه مدينة طرابلس أن معدلات هطول الأمطار هذا العام لا تمثل أكثر من ١٥٪ من المعدل العام و٢٨٪ من معدل العام الماضي، وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار مياه الآبار وتكوّن مافيا لمياه الري مما يهدد الأراضي الزراعية بالتصحر.

زراعة الحمضيات تتعرض للخطر بسبب الجفاف




عرض التعليقات
تحميل المزيد