ترك أجداد العرب لهم كنوزًا منها ما تغمره الأرض بطبقاتها ومنها ما استقر على أرفف المتاحف علامة على حضارات سابقة, وتعرضت دول تحمل بين حدودها أكثر آثار العالم قيمة وأقدمها لثورات وخلافات سياسية حادة منذ عام 2011 وحتى اليوم، لترافقها الفوضى والخلل الأمني الذي فتح مجال للتخريب والتنقيب والسرقة دون حساب للعواقب.

داعش تهدم الآثار العراقية

“متحف مهد الحضارة ببغداد”

ما إن ظهرت داعش إلا وبدا عداؤهم لمعالم الحضارة العراقية واعتبروها أصنامًا كاذبة, فبدأوا بهدم تمثالي الشاعر العباسي أبي تمام والموسيقار عثمان الموصلي بالجرافات بعد سيطرتهم على مدينة الموصل، ثم سقط المعبد القديم في أيديهم بعد سقوط حضر لتنضم للأراضي التي سيطروا عليها, ووجهت لهم وزارة الداخلية العراقية تهمة الاستيلاء على أكثر من 100 قطعة أثرية من تماثيل ووثائق قديمة تعود للحقبة البابلية والسومرية والعباسية بعد اقتحامهم عدة متاحف أهمهم متحف الموصل وقصر أحد ملوك آشور بمدينة كالح وتهريب محتوياتها عبر سوريا, لتجني داعش من خلف بيعها 36 مليون دولار.

وبعد تشريعهم بإثم كل من يبني أو يزور كنيسة أو مسجد سني كان أو شيعي، وهو الحكم الذي طبقوه بهدمهم لكنائس وأديرة بأيقونات وكتب ومخطوطات عمرها مئات السنين، ثم تفجير مرقد عمر بن الخطاب بالموصل والشيخ صالح جنوبي كركوك ومقام علي الأصغر بن الحسن وآخر لأخيه الإمام عون الدين ومرقد الإمام أبو العلي والنبي دانيال ونبش قبر النبي يونس, وقد صرحت وزارة السياحة والآثار العراقية بتعرض 4370 موقعًا للسرقة والتخريب وأعلنت داعش عن نيتها تدمير 18 كنزًا ثقافيًّا آخر.

الجيش النظامي يقصف أماكن أثرية بسوريا

أثار سورية

“أنقاض مدينة قديمة بتدمر, سوريا”

تمركز جيش بشار الأسد بالمناطق الأثرية ألحق أضرارًا بالغة بوسط مدينة معرة النعمان بريف أدلب، فتم هدم تمثال أبي العلاء المعري ثم حرق السوق الأثري بمدينة حلب بدكاكينه الأثرية التي تجاوز عمرها القرن، وقصف الجامع الأموي ذي الألف عام بدمشق والمدرج على قائمة اليونسكو, مع سرقات وعمليات تنقيب منظمة نالت من متحف “تدمر” و”حماه” و”أفاميا” مع تدمير أجزاء من قلاع نتجة القصف المتبادل، مثل ما حدث بقلعة شيزر على نهر العاصي وقلعتي المضيق وإيبلا في أدلب وقلعة الحصن وهي أهم قلاع العصور الوسطى في العالم.

وجاء هذا بعد معارك ساخنة بين جيش النظام والجيش الحر، ليقوم نشطاء تابعين للجيش الحر بإغلاق المتاحف والمزارات الأثرية وحراستها، والباقي منها سكنه المهجرون والأغنام حتى معرفة ما ستؤول له الأمور, وتبعًا لتقارير دولية فإن الآثار السورية المباعة عالميًّا بلغت قيمتها ملياري دولار وأكثر من عشرة آلاف موقع سوري أثرى آخر مهدد بالنهب, تبادلت حولها الأطراف الاتهامات بين النظام وما قيل عن حفر التلال الأثرية لبناء مخابئ للدبابات واستخدام القلاع كمتاريس، واتهام النظام للمعارضة بتهريب الآثار وجني أموال لشراء الأسلحة.

انتعاش سرقة الآثار بعد الثورة المصرية

“معبد الأقصر بصعيد مصر”

فقدت مصر 30% من آثارها بعد ثورة 25 يناير, فمنذ جمعة الغضب تعرض ليلتها المتحف المصري للسرقة وفقد 85 قطعة أثرية منها التمثال الجيري للملكة نفرتيتي وتمثال لتوت عنخ آمون من الخشب المذهب والبرونز فضلاً عن قطع ذهبية وحلى من الأحجار الكريمة, ثم تعرض متحف ملوي للنهب عام 2013، وفقد نحو ألف قطعة أثرية, وسرقت مخازن الآثار مثل مخزن القنطرة شرق سيناء ومخازن مقابر سقارة وسليم حسن بالجيزة و تل الفراعين بكفر الشيخ مع نهب موقع اللاهون بالفيوم والذي يحوي مقابر أثرية, وتعرض المجمع العلمي للحرق وسرقة آلاف الكتب واحتراق آلاف أخرى, وتعرض المتحف الإسلامي المصري للتهشم مع انفجار مديرية الأمن لتتحطم مقتنياته، ومنها المحراب الخشبي النادر للسيدة رقية.

ووصل حجم المسروقات من المخازن والمواقع الأثرية نحو 1228 قطعة أثرية, وما أخمدت الثورة حتى زادت عمليات التنقيب حيث كشفت وزارة الداخلية المصرية عن 5697 عملية حفر غير مشروعة و1467 حالة إتجار غير مشروع و130 عملية تهريب، وهي 100 ضعف ما كانت عليه قبل 2011, وما عاد المهربون يخشون البحث في الأماكن الأثرية البارزة كالأهرامات ومعابد الأقصر؛ حيث ظهرت عدة حفر عميقة على بعد أمتار من الأهرامات بالجيزة ودهشور ووادى الملوك.

ما فقدته ليبيا بعد ثورتها

“أحد المواقع الرومانية بليبيا”

لم تكن الآثار الليبية محمية ومؤمنة قبل ثورة 17 فبراير, مما ساهم في زيادة أثر ما تعرضت له, ففقدت ليبيا “كنز بنغازي” بعد تعرضه للسرقة وقد كان الكنز مودع بخزانة المصرف التجاري الذي تمت سرقته أثناء الثورة، ويعتبر أهم ما ملكت ليبيا, حيث حوى ستة آلاف قطعة من رؤوس تماثيل وقطع نقدية وحلى, ولأسباب عدة تم تدمير مقابر زويلة السبع وجرف مدن رومانية قديمة مثل يوسبريدس وبرنيكي واللتين انشئتا في الربع الثاني من القرن السادس قبل الميلاد، والقصيبة وبودريسة وأم المبروكة والنجيب وغيرها من مواقع تعود لأواخر القرن الأول قبل الميلاد, مع جرف كنيسة بيزنطية بوادي عين الخرقاء للاستيلاء على الأرض المقامة عليها, لتمر أيام بعد الفوضى التي عمت ليبيا لتجد قطعها الأثرية المسروقة تعرض بمزادات عالمية بآسيا وأوروبا تلك التي اختفت من مواقعها الأصلية بمصراتة وشحات.

المصادر

تحميل المزيد