يسود انطباع تنميطي من الأفلام العربية عن العرب قبل الإسلام أنهم فقط مجموعة من عابدي الأوثان يأكلونها بعد أن يعبدونها، لكن الصورة الحقيقية للعرب قبل الإسلام وأديانهم مختلفة تمامًا، ولا يمكن أن يُفهم ثقل المهمة والدور الذي لعبه الإسلام دون فهم ثقل الطبيعة الحقيقية للدين قبل الإسلام عند العرب، وأنه ليس كما يظهر في الأفلام السينمائية مطبوعًا بالسخرية.

ما الرقعة الجغرافية المعروفة لجزيرة العرب آنذاك؟

جغرافية البلاد القديمة تتغير بمرور الزمن نظرًا إلى اعتبارات مختلفة، منها السعي وراء الكلأ والماء، والحروب والغارات.. إلخ، وتعد دراستها فرعًا من فروع علم الجغرافيا يسمى الجغرافيا التاريخية، وهو العلم الذي يمدنا بمعرفة الأبعاد الجغرافية والحدود للمواقع والبلاد التي اندثرت قديمًا – لسبب أو لآخر – إما من خلال كتابات المؤرخين الثقات وشهود العيان، وإما النصوص الأدبية أو حتى الآثار. وفي حالتنا هنا فإن الرقعة الجغرافية لجزيرة العرب في أقدم المصادر التاريخية المعروفة هي البادية والقفار الصحراوية التي تتاخم مصر ومنطقة الهلال الخصيب.

خريطة توضح أجزاء الهلال الخصيب مصدر الصورة «موقع المرسال»

الهلال الخصيب؛ هو مصطلح أطلقه عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستيد، ويمثل حوض نهرى دجلة والفرات والجزء الساحلي من بلاد الشام، وقد كتب المؤرخ اليوناني القديم، هيرودوت، حوالي 484 – 425 ق.م عن جنوب الجزيرة العربية قائلًا: «جزيرة العرب هي الأبعد إلى جنوب كل البلدان المأهولة، وهذه هي البلاد الوحيدة التي تنتج البخور والمر»، ومع معرفته بهذه البلاد فقد ظلت بالنسبة له أرض الأساطير والعجائب؛ حيث تزخر بـ«الأفاعي السامة والثعابين المجنحة» والنباتات العطرية. إذًا فالأحداث التي علينا تخيلها ومعايشتها بعقولنا خلال رحلتنا تقع في المنطقة التي نعرفها اليوم بشبه الجزيرة العربية ممثلة في السعودية، واليمن، وعمان، ودول الخليج العربي، وجزء من الصحراء السورية.

وهي منطقة شاسعة تبلغ مساحتها حوالي مليون ونصف ميل مربع، أى أكبر قليلًا من الهند. يمكن تقسيمها إلى أربع مناطق جغرافية بالأساس، المنطقة الأولى هي المرتفعات الغربية التي تمتد على طول البحر الأحمر ويصل ارتفاعها إلى 3600 متر في الجنوب، ثم هناك الداخل الشاسع الذي يضم القفار الرملية والحجرية للربع الخالي في الجنوب أيضًا، وقفار صحراء النفوذ والدهناء في الوسط، وقفار صحراء حِسمي وحماد والصحراء السورية في الشمال.

أما عن المنطقة الثالثة والأكثر شهرة في العصور القديمة هي الجنوب الغربي، وهي أرض الجبال الشاهقة، والسهول الساحلية الجميلة والوديان السحيقة، التي حباها الله بنعمتي الأمطار الموسمية والنباتات العطرية. وأخيرًا هناك السواحل الشرقية الحارة والرطبة للخليج العربي، حيث يلطف المناخ القاسي وفرة المياه الجوفية.

متى ورد ذكر العرب في التاريخ المعروف؟

إن جزيرة العرب كمنطقة كانت ذات شعوب وتراثات متنوعة ومختلفة، إنما أكثر هذه الشعوب شهرة كانوا العرب، وقد ورد ذكرهم لأول مرة في النصوص التوراتية والسجلات الآشورية في الفترة الممتدة من القرن التاسع إلى القرن الخامس قبل الميلاد. إن حقيقة أن هناك ثلاث ثقافات قديمة، وهي الإغريقية والرومانية والفارسية، قد بدأت تستعمل الاسم نفسه لوصف هؤلاء القوم سكان الصحراء في الفترة ذاتها، إنما توحي بأن كلمة «عرب» كانت التسمية التي أطلقها هؤلاء الرعاة على أنفسهم.

كيف كانت الحياة الاجتماعية في جزيرة العرب آنذاك؟

الإنسان ابن بيئته التي يعيش فيها ويؤثر فيها ويتأثر بها إما سلبًا أو إيجابًا، والعيش في مناطق صحراوية قاحلة نادرة الماء والعشب، حتم عليهم حياة الرعي بحثًا عن العشب والماء، وفي أطوار لاحقة من حياتهم استقر بعضهم في مناطق مأهولة واتخذوا منها مدنًا وقرى – مع الأخذ في الاعتبار نسبية مفهوم المدينة هنا – ليستقروا فيها ويعيشوا بجوار مراعيهم وحيواناتهم، ورويدًا رويدًا استبدلوا بحياة الرعي حياة أخرى من الترحال إنما لهدف مختلف هذه المرة؛ إذ لم يكن الهدف من التجارة هو مجرد الكلأ والماء، وإنما جمع المال وتوطيد العلاقات مع الجوار، والمتاجرة بيعًا وشراءً، حتى عرف عن العرب أنهم أمهر التجار بعد الفينيقيين القدماء. وبطبيعة الأمور فتطور الحياة يعني تطور المفاهيم، وبعد أن يقوم الإنسان بتأمين احتياجاته الأساسية من القوت والماء ويجد مسكنًا آمنًا ينام فيه، يبدأ عقله في السؤال عن الأفكار الأكثر تجريدًا، فقد انتهى دور المعدة وحان وقت العقل في العمل.

كيف كانت الحياة الدينية في جزيرة العرب ما قبل الإسلام؟

رأى عالم الاجتماع الشهير، إميل دور كايم، في رؤيته المادية أن المعتقدات الروحية تعكس بنية المجتمعات البشرية. والبنية الروحية التي يعكسها مجمع الآلهة المتعددة التي أنتجتها حضارة جنوبي جزيرة العرب قبل الإسلام إنما يدل على شعوب قد اختبرت المفاهيم الروحية المختلفة واحتاجت للحماية والتبرك ومعرفة المستقبل؛ حتى تأمن على نفسها وعلى مصالحها وسط طبيعة قاسية وجافة. لن يكون حديثنا عن عبادات جنوبي الجزيرة العربية فقط، إنما ذكر المثال للتدليل.

شأنهم شأن كل الشعوب القديمة، كان للعرب أرباب حامية للدولة/القبيلة – مع الأخذ في الحسبان نسبية مفهوم الدولة – ككل.  توضح النقوش الباقية أسماء أكثر من مائة إله، مع الأخذ في الاعتبار أن كثيرًا منها قد يكون تمظهرات أو جوانب للإله نفسه، ولكن بصورة مختلفة واسم مغاير.

كان أحد أكثر هؤلاء الأرباب شهرة هو الإله عثتر، ومثلوه في شكل ظبي، وقد كانت عبادته منتشرة في جميع أرجاء المنطقة، ومع أن هذا المعبود كان دائمًا يحمل الاسم نفسه فإنه دومًا ما كان ذا تمظهرات مختلفة؛ إذ كانوا يضعون نعتًا مختلفًا بعد اسمه، ربما يشير إلى أحد مراكز عبادته، كأن نقول آمون الأقصر.. إلخ.  كان الرب الحامي للشعب/ القبيلة ذا أهمية كبيرة في جنوبي جزيرة العرب وقد سمي الرب الحامى على إطلاقه باسم شيم، أما الشعوب التي سكنت تلك المنطقة فقد كان لهم أربعة أرباب حامية، وهم:

ألمقة الرب الحامي للسبئيين، وود الرب الحامي للمعينيين، وعم الرب الحامي للقتبانيين، وأخيرًا سايين الرب الحامي للحضرموتيين، ومن الجدير بالذكر أن كل قبيلة كانت تطلق على نفسها اسم أولاد كذا ثم تلحق به اسم الرب الحامي لها، كما كان يطلق اسم الرب الحامي على المنطقة نفسها بوصفها مركز عبادته، كأن يقولوا ألمقة سيد عوام، أي الإله ألمقة سيد منطقة عوام حيث كانوا يعدونه رب المقام وسيد البيت.

كان العرب يدفعون ضرائب العشر على الأرض ومنتجاتها والتجارة إلى كهنة هؤلاء الأرباب، وكانت من ضمن أوجه صرف هذه الضرائب الأشغال العامة وإعمار المنطقة وإصلاحها، فقد كان لديهم نظام دقيق في هذا الشأن، وتجلى نجاح هذا النظام الديني في خدمة خطط التطوير بالبلاد حينما جُمعت الضرائب من ملاك الأراضي والفلاحين للإله عم بغرض تمويل مشروع إمدادات المياه بسبأ القديمة.

مكة.. حيث تسيطر الأنثى

آلهة العرب كانوا قسمين، واحدًا يضم آلهة مقامها أعلى من الآلهة التي تضمها القسم الثاني، المقام الأعلى كان للآلهة التي تنتشر عبادتها انتشارًا كبيرًا، ويكن لها العرب في ذاك الوقت توقيرًا كبيرًا ومنها اللات والعزى ومناة وهبل، أما القسم الثاني فيضم آلهة مثل سواع ويعوق، القسم الأول من الآلهة يعتقدون أن له القدرة على تنفيذ الطلبات مباشرة، بينما القسم الثاني يعد كل إله فيه وسيطًا بين البشر والآلهة المندرجين تحت بند المقام الأعلى.

تلك الآلهة يعود أصل عبادتها في جزيرة العرب لرجل اسمه عمرو بن لحي، وهو رجل كانت له مكانة في الوقت ذاته بمكة، وأثناء أسفاره في بلاد الشام للتجارة، شهد الناس يعبدون آلهة صغيرة على شكل تماثيل، وعندما سألهم عنها أخبروه بأنهم يصلون لها بغرض التقرب لله وطلب الحماية منه، فأسرته الفكرة وعاد بها إلى مكة.

واللات هي إلهة أنثى ومقرها الرئيسي كان في  مدينة الطائف، وكانت قبيلة ثقيف هي من تعمل على خدمتها وكسوة تمثالها، وحُرم الصيد أو القتل بجوار هذا التمثال، الذي يوجد أسفله حفرة توضع بها القرابين، كما كان لها مجسمات صغيرة تحملها القبائل أثناء خروجهم للقتال، ولاسم اللات تفسيرات عدة. أحدها يقول إنها مؤنث لـ«إيل»، أي الله، فكانت إيلات ثم خُفِفَت إلى اللات. وغيره يقول إن أصل الاسم يرجع إلى «اللَت»، أي عجن السويق والتمر، وإن رجلًا كان يمزج التمر والدقيق و«يلتُّه» فأخذ هذا الاسم.

وكانت العزى هي الإلهة الأقرب لقلب قبيلة قريش، وكان مكان تمثالها موضعًا في شرق مدينة مكة، ويقال إن بجوار هذا التمثال شجرة كانت تعد مقدسة لدى العرب في ذاك الوقت، وهذه الإلهة مشهورة بأن خالد بن الوليد هو الذي حطم تمثالها.

استطاعت عبادة العزى أن تخرج خارج حدود مكة ووصلت إلى أهل مملكة الحيرة في العراق، ويحكى عن أحد ملوكها أنه قتل ابن عدوه ذبحًا من أجلها وقدمه قربانًا، ويرى المؤرخون أن العزى هي المعادل العربي للآلهة الإناث القديمات، مثل عشتار، وعناة، وإيزيس، وفينوس.

أما هبل فكان كبير آلهة قريش، ويرجح أن تمثاله كان بداخل الكعبة، ويذكر أيضًا أنه أول تمثال وضعه عمرو لحي في مكة، وكان تمثاله مصنوعًا من العقيق، وعندما كسرت يده صنع أهل قريش ذراعًا جديدة له من الذهب، ولجأ إليه العرب من أجل حاجاتهم التي تخص السفر والحرب والزواج والنسب.

القمر.. أسير الآلهة الشريرة «سبيتو»

كان للعرب باع في استكشاف علم الفلك ودراسته، وحققوا إنجازات كبيرة في هذا التخصص، ولذلك كان للأجرام السماوبة دور مهم فيما يخص العبادات التي مارسها العرب قبل الإسلام، ويعد من أهمها عبادة القمر.

كان هناك ما يسمى بالثالوث الكوكبي المقدس عند العرب، وهو يتكون من الشمس والزهرة والقمر، ويعد الأخير في ذهن القدماء من العرب هو رئيس أو والد هذا الثالوث، أو في مثابة كبير الآلهة في ديانة عرب العاربة، وهو الاسم الذي يطلق على السبئيين والعرب الجنوبيين، بمعنى الراسخين في العروبة، وهذا لأن القمر كان يعد هاديًا للناس ومهدِّئًا للأعصاب، وسميرًا لرجال القوافل من التجار.

كان للقمر بوصفه معبودًا عند هؤلاء العرب قبل الإسلام، أسماء متعددة، مثل ورخ، وسن أو سين، وشهر، والأخير كان من أكثر الأسماء المستخدمة في كتابات العرب قبل الإسلام، والتي عثر عليها في العربية الجنوبية، وفي النصوص التي وجدت في الحبشة، وفي الأقسام الشمالية من جزيرة العرب.

جاءت عبادة القمر لدى العرب قديمًا وقبل الإسلام؛ بسبب الأساطير التي كانت تحوم حوله، لما يجسده من مكانة في السماء هو والشمس، وتبادل الأدوار بينهما ولكونهما الكيانين اللذين يظهران في السماء وكأنهما يتحكمان في الحياة على الأرض، ولكن القمر كان أكثر غموضًا للتغيرات الشكلية التي تحدث له خلال الشهر؛ ما رسخ مشاعر من التفاؤل والتشاؤم والتقديس داخل نفوس العرب في ذاك الوقت تجاهه، خاصة مع ظاهرة خسوف القمر والتي كانوا يتشاءمون منها كثيرًا.

وذكر في أكثر من مصدر من مصادر الأدب العربي قبل الإسلام، أسطورة مفادها أن الخسوف يحدث بسبب هجوم الآلهة الشريرة «سبيتو» على القمر وأسره، ولذلك يختفي فيغيب فترة من الزمن، ووقت الاختفاء كان العرب يقيمون طقوسًا غرضها فك هذا الأسر حتى يظهر القمر مرة ثانية.

الممارسات السحرية لعرب ما قبل الإسلام

ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد كان للعرب الجنوبيين أرباب حامية عديدة تؤمن الحماية للقرى والمضارب القبلية والعائلات والأفراد، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الأرواح الحارسة مجهولة الاسم، أو بمعنى أدق مجهلة الاسم؛ لإيمانهم بأن معرفة الاسم تعني امتلاك قوة ما أو سطوة على الروح الحارسة ذاتها، ما يعني أنه إذا عرفه غيرك فقد يسيطر هو عليها، وتفقد بالتالي روحًا حارسة تحميك، وعليه فقد أبقوا أسماءها مجهلة عن عمد ولم يدونوها.

وقد انتشرت بينهم عبادة الأسلاف شأنهم شأن كثير من الشعوب السامية، حيث قدسوا أجدادهم الموغلين في القدم، أما في شمال الجزيرة العربية فقد عرفت كائنات تسمى جني، وقد ورد ذكرهم في نقش من ضواحي تدمر بوسط سوريا، ويرجح علماء الآثار واللغات القديمة أن هذا الاسم ربما يكون تصحيفه كلمة جن التي ظهرت بعد ذلك في أوصاف غرب ووسط الجزيرة العربية ولاحقًا في القرآن، وقد كان هناك نوع خاص من الجن أطلقوا عليه الجن الرفيق، وهو ما نعرفه اليوم باسم القرين، وقد آمنوا بأنه يولد عندما يولد شركاؤه البشريون ويموت بموتهم، ويبقى معهم في كل الأوقات ويمارس تأثيرًا كبيرًا فيهم إما بالسلب وإما الإيجاب. كما آمنوا بأن الشخص الذي يظهر قدرات مبدعة أو تمكن من تحقيق نجاح ما، يتلقى الدعم والمؤازرة من قرينه.

وبالتوازي مع هذه الأرواح الحامية والآلهة الحارسة والجن كانت لديهم فئة من الكائنات الحقودة لكنها ليست قوية كفاية لتكون الأكثر إيذاءً، ولا هي ضعيفة بالدرجة التي تسمح لهم بالقضاء عليها كلية، سُموها «الغيلان» وهي أشبه بما نعرفه في ثقافتنا المعاصرة بـ«النداهة» أو «الجنية» التي تغري الإنسان وتخيفه ثم تلهيه عن طريقه لتفتك به بعد ذلك، وقد وصفوها بأبشع النعوت والصفات حسبما سجل الأصفهاني في كتابه الأغاني ما يلي في وصفها:

«عينان في رأس بشع مثل رأس القط بلسان مشطور، ساقان بحوافر مشقوقة وفروة كلب».

أما في المجتمعات الأقل تعقيدًا من مجتمع جنوبى الجزيرة العربية من حيث عدد السكان وتعدد الثقافات قبل الإسلام، فقد طغت أهمية الرب الحامي على باقي الأرباب فيها، حيث كان مجمع الآلهة ذاته أصغر بكثير من مثيله في باقي الجزيرة؛ مما أبرز مكانة الرب الحامي الخاص بالقبيلة، كالرب ذو غبا الذي كان يلجأ إليه سكان واحة ديدان الخصبة – في الشمال الغربي لشبه الجزيرة العربية – وهو ما نعرفه اليوم باسم ذو الأيكة، وقد ورد ذكر عبادته في القرآن الكريم تحت عنوان أصحاب الأيكة، أو ما يعرف بقوم مدين بالقرب من منطقة تبوك الحالية.

إن هذه الممارسات والمعتقدات الدينية قبل الإسلام التي نشير إليها الآن بوصفها تحتوي على اعتقادات سحرية أو حتى خرافات في نظر البعض، كانت هي الوسيلة الوحيدة التي امتلكها هؤلاء القوم في استخدام الرقى والتعاويذ والجرعات لحمايتهم وضمان مستقبلهم المجهول تحت وطأة طبيعة قاسية وجافة كما أسلفنا.

الاستعانة بالكهان والعرافات قبل الإسلام كانت وسيلتهم الخاصة في حالة فشل خططهم البشرية؛ فقد كانوا يختارون الساحرات الراقيات لرقي منطقة بأكملها تعاني من الجفاف الشديد حتى يهطل المطر، كما فعلت قبائل «مأرب» بعد انهيار السد والجفاف الشديد الذي حل بهم يتبعه الجوع والموت.

ذكر الأصفهاني أن بعضهم كان ينقع تراب قبور المتوفين من الأحباب فى محلول ملحي ليشربه، تلك كانت وسيلتهم في علاج شقائهم النفسى إثر فقدان الحبيب، وربما هي من مخلفات العصور السحيقة التي ظن فيها الإنسان أنه بأكل حيوان ما، الأسد على سبيل المثال، إنما يتمثل قوته وبأسه، وعليه فهذه الممارسة تنطوي على جذر بشري موغل في القدم، لكن هذه المرة لتمثل الأحباب الراحلين لا قوة وبأس الأسد المقتول.

وفي جنوب الجزيرة العربية كانت هناك مناطق بعينها يعتقدون أنها مخصصة للوحي الإلهى، كهضاب أو مرتفعات وأشجار ذات قدسية، ومفهوم الوحي في هذه الديانات هو أن يتحدث الشخص للإله أو يسأله سؤالًا، على أن يأتي الرد في حلم الشخص السائل، أو عبر وسيط روحي مثل كاهن الإله.

الحظ والصدفة وأشياء أخرى

ومما هو معروف لدينا أكثر عن العرب القدامى هو «الفألات» أي التفاؤل والتشاؤم بكائن أو شيء ما كالقطط السوداء، والسماوات حمراء اللون، وطيور العقعق، والمرايا المكسورة، فقد كانت مثل هذه الأشياء تحدد لهم مسار يومهم كله قبل أن يبدأ حتى، كما كانوا مراقبين جيدين للطيور، حسبما سجل المؤرخ القديم يوسيفوس فلافيوس أو يوسيفوس الكبير، حين روى أن ملك الأنباط، حارثة الرابع، قد استشار الطيور حين علم أن الإمبراطور الروماني، تيبيريوس، قد أرسل جيشًا لمحاربته، وقد أخبره طيران الطيور – أو ما نعرفه اليوم بالتطير – أن هذه الحرب لن تقوم، وسوف يموت أحد القادة، إما قائد الجيش القادم لمهاجمته وإما القائد الذي أصدر الأمر بشن الحملة العسكرية. لا أحد يعلم على وجه الدقة كيف عرف الملك حارثة الرابع بهذا الأمر إذا صدقت رواية المؤرخ، لكن المحصلة النهائية أن الإمبراطور الرومانى تيبيريوس قد توفي بالفعل بعدئذ بوقت قصير؛ ما أجبر قائد القوات الرومانية المهاجمة للبتراء على الانسحاب والعودة من حيث أتوا، أما ثالث هذه الممارسات شيوعًا، فقد كان قدح السهام، أى اختيار سهم على نحو عشوائي من بين مجموعة من السهام معلمة بإرشادات لما يجب فعله.

وأكثر الشروح وضوحًا لهذه الممارسة ما فعله الشاعر المشهور امرؤ القيس حين قدح السهام لأحد أشهر أرباب العرب واسمه ذو الخلصة، من أجل أن يعرف ما إذا كان يثأر لمقتل أبيه من بني أسد أم لا، وقد كانت سهام هذا الرب ثلاثة سهام مدونًا عليها: الآمر أي أن تفعل ما انتويت فعله، وآخر هو الناهي أي أن تنتهي عن فعل ما انتويت، أما الثالث فكان اسمه المتربص وهو أن تنتظر. وبعد أن قدح شاعرنا الضليل السهام ثلاث مرات كان يخرج له فى كل مرة سهم الناهي، فغضب الشاعر وسب وشتم السهم والرب كذلك، وغزا بني أسد وظفر بهم، حسبما روى ابن الكلبي والأصفهاني.

كما كان هناك قدح مماثل للسهام يوجد في مكة قبل الإسلام حول مقر عبادة الإله هبل، كانوا يستقسمونه أي يستشيرونه في أمور التجارة والحرب وشق آبار المياة، حسب أقدم المصادر لدينا وهو سيرة ابن هشام. كانت طائفة العرافين هذه في أغلبها من النساء كما تضمنت الرجال أيضًا، وهي طائفة جوالة، تجوب المنطقة في الأعياد ومواسم التجارة والحج.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
تاريخ الجنس في الهند من الكاماسوترا وحتى دخول الإسلام

عرف العرب القدامى التقدمات الإلهية عن طريق تقديمهم القرابين والذبائح للآلهة المرجو نيل مساعدتها وحمايتها، فقدموا الحيوانات والمحاصيل والطعام والسوائل والبخور الذي كان يحرق تحت أقدام هذه الأرباب لكسبها في صفوفهم. بكل تأكيد لم تغط هذه الإطلالة السريعة والمكثفة على الممارسات الدينية لعرب ما قبل الإسلام كل الجوانب، لكنها تجعلنا ندرك أن هؤلاء القوم كانت تؤرقهم مشكلات الإنسان المعاصر ذاتها، وهو المستقبل، والجنس البشري كله في معركة مع الزمن منذ قديم الأزل، ولذا فقد شيد أسلافنا القدماء المعابد العملاقة وتركوا الآثار المختلفة في كل مكان، حتى يقولوا للأجيال القادمة التي هي نحن، إنهم كانوا هنا وعاشوا وماتوا هنا كذلك. ربما يكونون هم قد فنوا إلى غير رجعة، لكن آثارهم تدل عليهم، وإننا إذ ندرس الممارسات الدينية لعرب ما قبل الإسلام دراسة صحيحة إنما نعزز فهمنا للتغير الكبير الذي حصل لهم بعد فترة قصيرة حين ساد الإسلام، وأخذوا دورهم في التصدر والسيادة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد