في سنة 2004 نشرت مجلة “العربي” (العدد 546 – 2004/5) تقريرًا مهمًا بعنوان “آفاق العلاقات العربية- الصينية في القرن الحادي والعشرين”، رصد فيه عدد من الدبلوماسيين والباحثين والمسئولين الإمكانيات الهائلة التي تتوافر لدى كل من العالم العربي وجمهورية الصين الشعبية، مستشرفين آمالاً عريضة للتعاون بين الجانبين خلال القرن الحالي.

واحتل المحور الاقتصادي أهمية خاصة في هذا الكتاب (التقرير) وضم تصورات عن توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري العربي – الصيني في القرن الجديد والتي الذي قدمها السفير زهانج سانج، وهو سفير صيني سابق في دولة الكويت، ركز فيها على محاور عدة، أولها اتخاذ التعاون في مجال الطاقة كمحور لدفع التطور الشامل لعلاقات التعاون الاقتصادي والتجاري، وذلك باكتشاف حقول جديدة للنفط والمساعدة في إدارة الحقول القديمة وتطويرها، والتعاون في فتح أسواق جديدة؛ فالجانب العربي يتمتع بموارد وافرة ورؤوس أموال هائلة إضافة إلى شبكات وقنوات تسويقية دولية ناضجة وفعّالة.

أما الصين فلديها ميزات في حجم السوق والتكنولوجيا والمعدات والإدارة والأيدي العاملة، فالتعاون القائم على أساس الجمع بين الميزات النسبية والمنفعة المتبادلة ستمكّن الجانبين من تحويل الميزات النسبية إلى قدرة تنافسية متكاملة بما يزيد بصورة كبيرة من فرص النجاح في تنفيذ المشاريع في السوق الدولية.

منتدى لإحياء التعاون!

في سنة 2004 تم تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي من أجل إعطاء ديناميكية جديدة للتعاون بين الصين والدول العربية

بعد عشر سنوات من تأسيس “منتدى التعاون الصيني العربي”، وخلال اجتماع أعضائه في الأسبوع الماضي ببكين، تجد نفس اللغة ما تزال تُردد من قِبل الساسة في بكين وفي العواصم العربية، حول ضرورة “تعميق” التبادل “الاستراتيجي” بين العالمين العربي و”الصيني”، إضافة إلى أنهم ضمنوا بياناتهم جردًا للأحداث التي طبعت المجالين الإقليمي والدولي خلال سنة انعقاد المنتدى؛ بحيث أصدر “المنتدى” ما سماه “بيان بكين” أكد فيه المشاركون “عدم شرعية” الإجراءات التي اتخذتها وتتخذها إسرائيل والتي من شأنها تغيير الوضع القائم في القدس الشرقية المحتلة، و”عدم المساس” بالأماكن المقدسة والهوية الدينية للمدينة.

كما دعا هذا الإعلان المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقـًا لقرارات الشرعية الدولية، بما يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة، على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وعلى صعيد آخر شددوا على ضرورة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا واستقرارها وسلامة أراضيها، وتحقيق مطالب الشعب السوري المشروعة من أجل الحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي، وأكدوا على ضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة السورية.

ورحب الإعلان بالتطورات الإيجابية التي شهدتها العديد من البلدان العربية التي شهدت أحداثـًا في ما يعرف بالربيع العربي.

قبل سنين اعتُبر طريقُ الحرير أحد تجليات التعاون بين الحضارات لصالح خير الإنسانية

كما قرر الجانبان العربي والصيني مواصلة تعميق علاقات التعاون الاستراتيجي القائمة على “التعاون الشامل والتنمية المشتركة”، مؤكدين على تكثيف المشاورات السياسية رفيعة المستوى وتعزيز الدعم المتبادل للقضايا المتعلقة بالمصالح الحيوية التي تهم الجانبين، وتبادل الخبرات في مجال الحكم الرشيد والإدارة والتنمية.

كما أكدا على تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والاستفادة من المزايا الاقتصادية لدى كل جانب، بما يحقق المنفعة المتبادلة. وفي هذا الإطار رحب الجانب العربي بمبادرة الجانب الصيني بشأن بناء “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري في القرن الـ21″.

وبحسب المشاركين في دورة هذه السنة للمنتدى العربي الصيني، الذين ضربوا موعدًا للاجتماع من جديد في سنة 2016 بقطر على مستوى الوزراء، فإن إعلان بكين، الذي أقره الاجتماع، يُعد خطة عمل للفترة من 2014 إلى 2016، وفي ذات السياق أقر خطة تنمية من عام 2014 إلى 2024.

الفرص المهدرة

 

على الرغم من أنه في السنوات العشر الماضية، حقق التعاون الصيني- العربي “طفرة كبيرة”، بحسب بعض المتتبعين، مما أرسى أسسًا متينة للتعاون في بناء “الحزام الاقتصادي” و”طريق الحرير البحري”، وأصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية وأكبر شريك تجاري لتسع دول عربية، بينما أصبحت الدول العربية أكبر مزود للنفط وسابع أكبر شريك تجاري للصين، وسوقـًا مهمة للمقاولات الهندسية والاستثمارات الصينية، وعلى الرغم من أنه خلال هذه السنوات، ازداد عدد الطلاب العرب الوافدين على الصين بنسبة 30.5% سنويًا، وازداد عدد الأفراد المتنقلين بين الجانبين من 130 ألف شخص إلى 830 ألف شخص، وتمت إقامة فعاليات متنوعة مثل مهرجانات الفنون وأعوام الثقافة، إلا أنه ومع كل ذلك يرى البعض أن هناك إمكانيات ضخمة للتعاون بين الجانبين لم يتم بعد استثمارها لمزيد من تطوير التعاون بينهما.

في الاجتماع الأخير الذي احتضنته بكين دعا الجانبان الصيني والعربي إلى ضرورة ضخ دماء جديدة في التعاون بينهما لفائدة شعوبهما

في هذا الإطار أشار تقرير نشره موقع “شبكة الصين” العربي، إلى أنه على صعيد التعاون في مجال الطاقة، سيبلغ الطلب الصيني على النفط الخام 740 مليون طن في عام 2020، و540 مليون طن منها من الواردات. وسيساهم استمرار تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة بين الصين والدول العربية، باعتبارهما أكبر مصدر وأكبر سوق لاستهلاك النفط الخام لبعضهما البعض، كما يساهم في ضمان أمن إنتاج الطاقة واستهلاكها، والحفاظ على استقرار سوق الطاقة الدولية.

وعلى صعيد التعاون في مجال البنية التحتية، يورد التقرير، أن قيمة مشاريع البنية التحتية في الدول العربية تشكل ما يقارب خمس القيمة للعالم. ولدى الصين القدرة التنافسية القوية على الساحة الدولية من حيث التقنيات وقدرة البناء والتشغيل في مجالات عديدة مثل النقل عبر سكك الحديد والكهرباء والاتصالات والموانئ والمعلومات الإلكترونية والطاقة النووية للاستخدام المدني.

وهذا ما أكده نائب وزير الخارجية تشانغ، في كلمة له أمام الدورة الأخيرة، حين قال إن التعاون بين الجانبين سيساعد الجانب العربي على إنجاز مشاريع البنية التحتية العالية الجودة ورفع مستواها التقني، وسيساعد الجانب الصيني على الاستعداد للعمل مع الدول العربية على تحويل هذه المزايا الكامنة إلى قوة دافعة للنمو الاقتصادي في الصين والدول العربية.

ويبدو أن هناك رغبة لدى الجانبين الصيني والعربي لإحياء ما كان يربطهما من طريقي الحرير البري والبحري عبر التاريخ، حيث كمل بعضهما البعض في الاحتياجات من خلال التجارة والاستفادة من بعضهما البعض من خلال نشر الثقافة والفنون، وهو ما عزز الحضارة الإنسانية بإسهام الجانبين. ولعل التعاون الصيني العربي اليوم فيما يتعلق بالموارد والمزايا المالية وإمكانيات السوق، وكذا تعزيز التدفق الحر والمنتظم والتوزيع الأمثل لعناصر الموارد بين الصين والدول العربية، سيمكن الجانبين من إعادة الروح إلى طريق الحرير ذاك الذي أصبح مرجعًا تاريخيًا ونموذجًا اقتصاديًا واجتماعيًا للدراسة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد