دفعت الظروف السياسية والاقتصادية المملكة العربية السعودية، ثالث أكبر منتج للنفط في العالم، لمرحلة جديدة من السياسات الاقتصادية ببرنامج خصخصة لبعض القطاعات الحكومية، وتنظيم عدد من الإجراءات غير الاعتيادية على المدى البعيد .

كان أبرز ما صدر بشأن برنامج الخصخصة للقطاعات الحكومية لشركة أرامكو الحكومية السعودية، بعد حديث ولي ولي العهد محمد بن سلمان عن الاتجاه لطرح حصة صغيرة من شركة أرامكو للاكتتاب العام في خطوة لها الكثير من الدلالات الاقتصادية والسياسية، وستلقي بظلالها على السعودية، لا سيما في هذا التوقيت الحرج من أسعار النفط المتدنية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على القيمة المالية للشركة، وتاريخها المالي وأهميتها للحكومة السعودية، والظرف السياسي والاقتصادي الذي دفع المملكة لهذه الخطوة ومآلاتها كذلك على مستقبل المملكة .

ما هي شركة أرامكو الحكومية السعودية؟

 

 

أرامكو السعودية هي شركة سعودية حكومية تأممت عام 1988، وتتخصص بكل الأعمال المتعلقة بالنفط والغاز والبتروكيماويات، وذلك بدءًا من التنقيب والبحث عن الحقول، والإنتاج المجدي، وتكرير النفط، والحصول على منتجاته، والنقل، والتسويق، وغيرها.

تعد شركة أرامكو، والتي تجمّع في الأصل أكبر أربع شركات نفط أمريكية، الأساس الذي تقوم عليه الدولة السعودية الحديثة، والتي تمّ تأميمها بالكامل بحلول عام 1980.

يعود تأسيس أرامكو إلى ثلاثينيات القرن الماضي عندما بدأت شركة سوكال Standard Oil of California – الآن أصبحت شيفرون- المفاوضات مع الجانب السعودي للفوز بامتياز التنقيب عن النفط، وبعدها تأسست شركة كاسكو California Arabian Standard Oil التي فشلت في العثور على حقول نفطية، ما دفع شركة تكساس إلى شراء نصف الامتياز.

استمرت هذه التعاقدات سارية على مدار أربع سنوات، لحين تم اكتشاف أول بئر نفط في مدينة الدمام، ليتوالى تعاظم أسهم المملكة اقتصاديًّا، ويتغير مع ذلك اسم الشركة إلى أرامكو Arabian American Oil.

حسب التقديرات الحديثة للقيمة المالية للشركة، فإنها تصل إلى 10 تريليونات دولار وهو يساوي 35 مرة قيمة شركة إكسون موبيل أكبر شركة نفطية مطروحة للاكتتاب، و17 مرة قيمة شركة آبل التي تعتبر أكبر شركة يتم تداول أسهمها في البورصة.

ويقع المقر الرئيس لأرامكو السعودية في الظهران بالمملكة العربية السعودية، فيما تنتشر مكاتبها وأعمالها في أنحاء المملكة، ويعمل بها أكثر من 61 ألف موظف ينتمون إلى 77 دولة.

كما توجد شركات تابعة ومنتسبة لأرامكو السعودية داخل المملكة، وفي الصين ومصر واليابان والهند وهولندا وكوريا وسنغافورة والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

المالكة لأكبر احتياطيات نفط في العالم

 

 

يبلغ إنتاج الشركة أكثر بقليل من 10 ملايين برميل من النفط يوميًّا، أي أكثر من عُشر الناتج العالمي وضعف ما تنتجه ثاني أكبر شركة نفط في العالم، شركة روسنفت الروسية، أي أن الشركة وحدها مسؤولة عن أكثر من 10% من العرض العالمي من النفط، ولديها قدرة على رفع إنتاجها حتى 12 مليون برميل يوميًّا. وتصل احتياطيات السعودية المؤكدة إلى 261 مليار برميل، كذلك تملك أرامكو أكبر احتياطيات النفط التقليدية في العالم، رسميًّا 265 مليار برميل، وإنتاجها أيضًا من بين الأرخص، بمعدّل أقل من 10 دولارات للبرميل، وذلك لكونها رابع أكبر شركة تكرير في العالم، والتي تدعم مشاريعها المشتركة في الولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية وتقوّيها.

منذ تاريخ تأميم الشركة، ظلت محتفظة بأكبر احتياطيات النفط التقليدي في العالم، وجعلت السوق يتأرجح بقراراتها الإنتاجية، إذ تنتج أرامكو 13.3 مليون برميل من النفط المكافئ يوميًّا، بما في ذلك الغاز.

الشركة هي أكبر شركة سعودية من حيث عدد العمال. ومع هبوط أسعار النفط إلى ما دون 30 دولارًا، وهو أدنى مستوى له منذ 12 سنة مقارنة بمستويات فوق 100 دولار، نعرف أن عائدات الشركة تراجعت 80% كونها لم تخفض من إنتاجها اليومي.

للشركة مجلس اقتصادي أعلى للإدارة برئاسة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يتألف من 10 أعضاء، من بينهم خمسة من أعضاء مجلس الإدارة للشركة، التي يترأس مجلس إدارتها خالد الفالح الذي تم تعيينه رئيسًا لمجلس إدارة الشركة في نهاية 2015، إضافةً إلى توليه حقيبة وزارة الصحة.

 

طرح أرامكو للاكتتاب العام.. خصخصة جزئية وسيطرة لحصة المملكة

 

 

شركة أرامكو هي شركة حكومية بالكامل بعد تأميمها، وهذا يعني أن ملكيتها وعائداتها تستفيد منها الحكومة السعودية فقط، لكن كانت تصريحات الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد عن طرح فكرة عرض حصة صغيرة من الشركة للاكتتاب العام للمرة الأولى في خلال مقابلة مع مجلة ذي إيكونومست، فتحت جدلًا واسعًا عن مآلات هذه الخطوة على مستقبل الشركة واقتصاد المملكة.

 

هذه المسألة التي تجعل للمملكة ميزة استثنائية كونها تتميز عن الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا بأن قطاعها النفطي وحقولها تعمل فيها الشركة الحكومية وتملكها، تتبدل بعد الاتجاه الحكومي لطرح حصة صغيرة منها للبيع للقطاع الخاص، وتقدر هذه الحصة بنحو 5 – 10 % حاليًا حسب الأخبار المتداولة، وهذا يعني خصخصة جزئية للشركة، وستبقى الحكومة تملك حصة مسيطرة.

كيف ستتم عملية الاكتتاب العام لأكبر شركة نفطية حكومية سعودية؟

 

 

طرح الشركة للاكتتاب العام يعني عملية إتاحة شراء أسهم في الشركة عبر الأسواق المالية، بحيث يمكن لأي فرد أو شركة أن يشتري أسهمًا وفق سعر معين يتم تحديده لاحقًا بناءً على دراسة مستفيضة من قبل بنوك الاستثمار قبل عملية الطرح.

ستكون عملية الاكتتاب من خلال طرح جزء من إحدى تلك الشركات التي تتبع أرامكو، والتي تغطي نشاطًا واحدًا من أنشطتها، وغالبًا لن تكون في أنشطة سيادية في قطاع النفط، لكي تتفادى المملكة أسرارها المتعلقة باحتياطاتها من النفط والغاز، وقاعدة تكاليفها، وبياناتها المالية والتي تخضع لحماية مشددة، بجانب كونها أمورًا تُعتبرها المملكة ملفات حكومية سرية، وكشفها أمام دعاوى المساهمين وقوانين مكافحة الفساد وغير ذلك من الأعين غير المرحب بها.

يحقق بيع 5 بالمئة من الشركة للمملكة مبلغًا ماليًّا قدره 50 مليار دولار أو أكثر، وذلك سيكون بإدراجها في السوق المالية للندن أو نيويورك، وذلك لصعوبة إدراجها في السوق المالي السعودي.

لماذا تفكر السعودية في طرح أرامكو للاكتتاب العام؟

 

 

أمور عديدة جعلت المملكة تُقدم على هذه الخطوة، حيث عجز ميزانية الدولة بعد سنوات من الفوائض، والتي اضطرت الحكومة على أثرها لزيادة الضرائب للتخفيف من آثار الضغوط، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق العسكري بعد قرار المملكة بالحرب مفتوحة في أكثر من جبهة، والتي شكلت بدورها ضغطًا على الميزانية؛ ما جعل السعودية راغبة في تقييم أحد أكبر أصولها، والاستفادة من تدفقات النقد السائل.

كذلك فالمسألة لها بعد سياسي بالتوازي مع البعد الاقتصادي السابق ذكره، وهو المرتبط برغبة السعودية في فتح المجال للمستثمرين الأجانب في الدخول إلى أرامكو عبر إحدى شركاتها أو مشاريعها، بعد التقارب الأمريكي– الإيراني، وتخوف المملكة من تخلي أمريكا عنها بعد تكثيف إنتاجها من النفط الصخري.

المستشار السابق للمملكة العربية السعودية، ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية والقانونية بمدينة جدة، أنور عشقي، يقول في تصريحات لـ”ساسة بوست”: “إن المملكة لديها إستراتيجية شاملة للتحول للقطاع غير النفطي، والذي يأتي ضمن هذه الإستراتيجية استغلال قطاعات يمكن أن تدر على خزينة الدولة ملايين الدولارات في السنوات المقبلة، وعمليات خصخصة في القطاع الصحي والتعليمي وبعض المجالات في التصنيع العسكري والشركات التي تملكها الدولة وطرح حصة صغيرة من شركة أرامكو للاكتتاب العام في محاولة لتأسيس نموذج جديد للتنمية من أجل تفادي المشاكل التي تحيط بالمملكة”.

المصادر

تحميل المزيد