مقابر ملكيّة قديمة قدم التاريخ، كُتب على جدرانها  «إلى الأبد.. إلى الأبد» تُعيد إلى الذهن دون عناء فعل الصبي الصيني الذي كتب اسمه على لوحة أثرية للإسكندر الأكبر. كان الصبي يريد أن يقول أنه قد مرّ من هنا، ولأن التمثال الذي كتب عليه كان -لسوء حظه- مشهورًا وبمكان مميز، فقد  اكتُشف أمره، لكن هناك مناطق أثرية أخرى لا يعرف أحد عنها شيئًا، يكتب المارّون بها بكلّ إهمال ولا مبالاة بقيمتها التاريخية بعض الجمل على غرار الجملة الشهيرة «أحمد ومنى.. إلى الأبد» ولا يلتفت أحد للأمر.

هذا بخلاف مقابر رومانية أخرى تئن حوائطها بفعل المياة الجوفية التي تُغرق أرضية المقبرة، وتجعلها بالكاد تقف ثابتة، فقط لأنها فعلت ذلك، ووقفت ثابتة، مئات السنين، هذا هو حال عدد من المقابر الرومانية، والتي قامت «ساسة بوست» برصد اثنتين منهما، إحداهما مقبرة ملكيّة، والأخرى مقبرة تجسّد كافة أشكال الدفن لدى الرومان، والتي تختلف وفقًا لاختلاف الطبقات الاجتماعية.

ربما لم يخطر ببال من بنوا هذه المقابر لتكريم موتاهم، ومكان دفن الموتى لا بد أن يلقى أهمية وعناية، قد تضاهي تلك التي يولونها لأماكن معيشة الأحياء؛ أن حال جهدهم بعد مئات السنين سيصبح مهدورًا، وفي متناول الأيدي العابثة والمياه الجوفية.

أضف إلى ذلك الآثار التي لا تجد الدولة مكانًا لحفظها فتقوم بتشويهها في مخازن، وتقوم بالإغلاق عليها دون صيانة دورية، وبالطبع لا تتخذ هذا الإجراء إلا بعد أن يكون قد تم سرقة أجزاء من تلك الآثار المُهملة.

تل اليهودية.. مقابر صخرية مردومة

يقع تل اليهودية على بعد 30 كيلو مترًا شمال شرقي القاهرة، ويبعد التل عن شبين القناطر بنحو خمسة كيلومترات باتجاه الجنوب الشرقي، اختلف الأثريون حول ما إذا كانت مدينة تل اليهودية موجودة منذ قيام الأسرات الفرعونية أم لا، لكنهم اتفقوا على إنها كانت قائمة بالفعل خلال عصر الدولة الوسطى، وأن فراعنة هذه الدولة قد أضافوا الكثير إلى منشآتها الدينية.

مناطق أثرية

تل اليهودية

 

وتل اليهودية هو عبارة عن مجموعة من المقابر الصخرية، ولا يوجد مقابر مماثلة لها إلا مقابر كوم الشقافة في الإسكندرية، ويوجد بالتل المكان الذي كان يقع به معبد رمسيس الثالث ويتوافر به الحجارة التي بُني بها المعبد، وبه أيضًا حصن عسكري من عصر الهكسوس. وبسبب الإهمال الذي تعرض له المكان؛ تم سرقة قطعتين من حجارة معبد رمسيس الثالث وبقاياه، فتمّ تخزين البقية المتبقية في مخزن متواجد بالتل الذي تخزّن فيه الآثار المكتشفة في محافظة القليوبية. أما القطع الأكثر شهرة، فتم إرسالها للمتحف المصري.

عند معاينة الوضع الحالي لهذا الموقع الأثري بالغ الأهميّة، نجد أنّ المقابر مردومة بالرمال، ولا يعرف أحد سوى مفتشي الآثار بوجود مقابر صخرية هاهنا، والتل مهجور وما كان عليه من بقايا المعبد المسروق مُخزنة.

يقول رزق جورج، مفتش آثار بمحافظة القليوبية في حديثه لـ«ساسة بوست»: «كل ما يحتاج إليه المكان هو إزالة الرمال التي ردمت المقابر، وإعادة افتتاحها، وبناء متحف بقرب التل الذي كان يقبع عليه المعبد المسروق، ويوضع به بقايا المعبد، ويتم استغلاله في عرض القطع الأثرية المخزنة.»

ولم يستطع جورج تحديد العائد الاقتصادي الذي سيدّره هذا المشروع، لكنه أكد أنه على الأقل، وفي أسوأ تقديراته سيغطي نفقات مفتشي الآثار بمحافظة القليوبية.

«تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

مقبرة الورديان الرومانية تغرق في المياه الجوفية

مقبرة الورديان هي إحدى المقابر الرومانية الكبرى، ويُرجح أنها ترجع إلى عام 300 ق.م. وتعدّ جزءًا من مقابر جبانة الورديان. تقع المقبرة على امتداد شارع الماكس في منطقة العجمي، مع التقاء سور ميناء الإسكندرية في منطقة الورديان.

تستطيع أن تصل للمقبرة بعد أن تنزل نحو 10 درجات سلم متجهًا لباطن الأرض، تتميز المقبرة بأنها منحوتة في الصخر، ويتمثل بها كافة أشكال الدفن لدى الرومان، ففي المدخل بعد اجتياز صالة المقبرة تجد إحدى حجرات الدفن وبها مجموعة من التوابيت المُدرّجة في الصخر، ويليها تمثيل شكل آخر من أشكال الدفن، والذي يتمثل في حفر فتحات في الحائط الصخري، وتكون كل فتحة صخرية في حجم المتوفى تمامًا، ويتم وضع الجثمان بداخلها بالإضافة إلى وجود شاهد قبر يحمل بيانات المتوفى، كما تتميز المقبرة بوجود قبة صخرية تحيط بصالتها الأمامية.

مناطق أثرية

مقبرة الورديان- المصدر: اليوم السابع

 

تتعرّض المقبرة الآن لخطر كبير تسبّبه المياه الجوفية، التي أصبحت تُغرق أرضيتها بالكامل، وتعرض حوائطها لخطر داهم، تُغطي المياه الجوفية قدميك وتصل إلى ثلث ساقك وأنت تتجول في المقبرة المُهملة.

يقول محمد الدفراوي، مدير منطقة الورديان الأثرية في حديثه لـ«ساسة بوست»: «تقدّمنا بأكثر من مشروع يخص المقبرة، على مدار الأنظمة السياسية المختلفة، فنحن منذ عام 1992 نتقدم بمشروعات لإنقاذ المقبرة وإعادة افتتاحها، وجعلها مزارًا سياحيًّا بتذاكر تدرّ دخلًا للوزارة التي تشتكي دومًا من عدم انخفاض ميزانية الدولة، فتذكرة المتاحف تصل على الأقل للسائحين إلى 35 جنيهًا، لكن لا مجيب».

ويضيف: «الرد الجاهز دومًا على أي مشروع نتقدم به هو: لا يوجد ميزانية ولا يوجد دخول، فكل المشروعات متوقفة باستثناء المشروعات الخاصة بالإنقاذ، والآن نحن وصلنا للوضع الذي تحتاج فيه المقبرة للإنقاذ، ومع ذلك نجري وراءهم للتخلص من المياه الجوفية التي قد تتسبب في كارثة للمقبرة».

 

منطقة أثرية كاملة بالإسكندرية تتعرض للإهمال

في الإسكندريّة، وبحسب ما عاين «ساسة بوست»، تعاني منطقة بأكملها من الإهمال بسبب الظروف الطبيعيّة ومياه الصرف الصحي، والمياه الجوفيّة، وتتكون المنطقة من ثلاثة مواقع أثرية، هم:

1-معبد الرأس السوداء

وهو معبد روماني عُثر عليه في منطقة الرأس السوداء بسيدي بشر، وكان يواجه ظروفًا بيئية صعبة من المياه الجوفية والصرف الصحي. وإنقاذًا للمعبد؛ قرّر المجلس الأعلى للآثار نقله، واختير له موقع مرتفع ضمن منطقة جبانة اللاتين في وسط مدينة الإسكندرية أمام قسم شرطة حي باب شرق.

يتكون المعبد من طابقين، خصّص الأسفل منهما للعبادة، بينما العلوي لسكن كهنة المعبد، ولهذا يعتبر من المعابد الفريدة بين المعابد اليونانية والرومانية في مصر. بُني المعبد – كعادة المعابد الرومانية- على أرضية مرتفعة يمكن الوصول إليها عن طريق 10 درجات، تلك الدرجات مبنية بعرض واجهة المبنى بالكامل، وتؤدي إلى ردهة يتصدرها أربعة أعمدة من الرخام بتاج آيوني.

في وسط الأعمدة يقوم عمود صغير تعلوه قدم نذرية ترتبط بقصة بناء المعبد، إذ قام ببناء معبد الرأس السوداء أحد الفرسان يدعى إيزيدور أي «هبة إيزيس»، ويؤرخ للمعبد بمنتصف القرن الثاني الميلادي.

مناطق أثرية

المعبد مُجهز لافتتاحه منذ نحو أربع سنوات تقريبًا، وما ينقصه خلال السنوات الأربع السابقة هو إنهاء بعض الموافقات من وزارة الآثار والأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار. أما محتويات المعبد فهي عبارة عن أربعة تماثيل لإيزيس، وحربوقراط، وهيرمانوبيس، وتمثال لأوزوريس.

2-متحف الموزاييك أو الفسيفساء

يُعد المتحف الوحيد المتخصّص في مجال قطع الموزاييك على مستوى الجمهورية، وسوف يضمّ قطع الفسيفساء النادرة من متاحف إسكندرية والمتاحف الأخرى، والفسيفساء عبارة عن قطع تتكون من الحصى الملون الذي يكون أشكالًا منها أجزاء بيزنطية أو مسيحية أو تقص أساطير رومانية أو يونانية، ومن بين قطع الفسيفساء التي سيتم عرضها في المتحف، بعض القطع التي بلغت أبعادها ستة أمتار في أربعة أمتار، وتمثل مشهدًا أسطوريًا لببغاء وحيوانات خزفية نادرة.

مناطق أثرية

واجهة متحف الموزاييك – المصدر

لا يزال المبنى المقرّر إقامته للمتحف في طور رمي الأساسات، فهو في مرحلة البناء منذ سنوات، وقد توقّف العمل به تمامًا لأعوام، كما أن المحتويات التي كان من المقرر أن تكون موجودة في المتحف تتواجد حاليًا بالمتحف القومي بالإسكندرية، ومتحف مكتبة الإسكندرية والمخازن، وما قالته الوزارة عن توقف العمل بالموقع هو نقص الميزانية.

3-مقبرة اللاتين

وتُعرف باسم مقبرة الألباستر، وهي مادة خام تعد أثمن في قيمتها المادية من مادة الرخام، وهي مصمّمة على الطراز المقدوني، وتعد المقبرة الوحيدة الموجودة في الإسكندرية على هذا الطراز، ومن المرجح -وفقًا لمفتشي الآثار بالإسكندرية- أن تكون مقبرة ملكيّة مستندين على أن هذه المقابر لا تصمّم بهذا الشكل إلا للملوك، ولا يستطيعون معرفة من المدفون بها على وجه التحديد.

ويرجح أن تعود المقبرة إلى العصر البطلمي، وهى مقبرة مبنية وأغلب المقابر الأخرى محفورة، مما يجعلها متميزة عن المقابر حولها. المقبرة مُهملة تمامًا، وقام الطلبة الذين تقع كلياتهم بالقرب من مكان المقبرة بتشويه جدرانها بالكتابة بالأقلام الرصاص عليها.

وهنالك مشروع مقترح بأن يتم افتتاح الأماكن الثلاث، وجعلها مزارًا سياحيًّا واحدًا، بتذكرة موحدة للأماكن الثلاث تتراوح قيمتها ما بين 50 إلى 85 جنيهًا، تتحدّد وفقًا للخدمة التي يمكن تقديمها للسائحين، يقول دكتور محمد عبد الحميد، مدير آثار محافظة الإسكندرية: «كنّا نتمنى إقامة هذا المشروع، لكن بعد انتظار سنوات طويلة لم يحدث في بناء متحف الموزاييك سوى رمي الأساس، وهو ما يجعلنا نقول إن الأمر سيستغرق سنوات أخرى، لذلك فنحن ندفع الآن في اتجاه أن يتم افتتاح معبد الرأس السوداء، على اعتبار كونه هو المجهز الآن، فلا داعي لتعطيله في الانتظار الذي لا ينتهي».

حقيقة المقبرة الغامضة في الإسكندرية.. لعنة الفراعنة أم مجرّد مياه صرف صحيّ؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد