في اليمن والعراق وسوريا، هناك حرب على الإرث الثقافي العربي التاريخي، حرب يقودها أطراف عدة، ما بين تنظيم ودولة وتحالف دولي، والنتيجة تدمير مدن يُسجل تاريخها في أعرق الكتب التاريخية.

حالُ كارثي تارة يسجل في فيديو، وتارة يتم بسرية فتلتقط الأقمار الاصطناعية صورًا لدماره، تقرير “ساسة بوست” يستعرض عشر مدن عربية أثرية دمر النزاع آثارها بشكل جزئي أو كامل.

مدينة تدمر

آثارها واحدة من ستة مواقع سورية مدرجة على لائحة التراث العالمي، إنها مدينة تدمر الغنية بالمواقع الأثرية، التي وصلت لقمة ازدهارها عندما كانت حليفًا رومانيًا ضد الفرس، خرجت تدمر من عباءة الإمبراطورية الرومانية، لفترة قصيرة تحت حكم ملكتها الشهيرة “زنوبيا” وبدأت في غزو الأراضي التي تمتد من تركيا الحديثة حتى مصر، إلا أن الإمبراطور “أورليان” سحق هذا التمرد الجريء على وجه السرعة.

دُمّر فيها وبكميات كبيرة من المتفجرات قوس النصر الذي شيد منذ ألفي عام، حسبما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد قامت عناصر “داعش” في شهر مايو الماضي بتفخيخ وتفجير عدة معالم أثرية في تدمر، أبرزها معبدا بل وبعلشمين الأثريان، كما قامت بسرقة كنوز أثرية كبيرة من المدينة الأثرية.

مدينة الحضر

122321601

إلى ألفي عام، يعود تاريخ مدينة الحضر العراقية، وتحديدا إلى الإمبراطورية السلوقية التي سيطرت على جزء كبير من العالم القديم الذي غزاه الإسكندر الأكبر، فهي واحدة من أربعة مواقع عراقية مدرجة على لائحة اليونيسكو للتراث العالمي. أدرج اسمها عام 1987.

ازدهرت المدينة بعد دخول الإسلام إليها وتحولت إلى موقع استراتيجي في الطريق التجاري التاريخي عبر آسيا الذي عرف باسم طريق الحرير، فهي تقع في صحراء محافظة نينوى، شمال العراق، تشتهر بمعبد الأعمدة وسط موقع أثري مترامي الأطراف.

مؤخرًا، أكدت مصادر عراقية أن المدينة دمرها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، دمروا بعض المناطق بالجرافات، ونسفوا أخرى آخري بالمتفجرات، حتى وزارة الآثار العراقية لم تقف على حجم الدمار الذي لحق بالمدينة حتى الآن.

مدينة خورسباد

خورسباد، هي عاصمة الدولة الآشورية في العراق، في زمن سرجون الثاني (تولى العرش عام 721 قبل الميلاد)، ومن أهم معالم المدينة التراثية، قصر سارجون، تبلغ مساحته 1668 مترًا مربعًا، ويحيط بهذه المدينة سور يبلغ علوه 12 مترًا ذو أبراج يزيد عددها على 150 برجًا، وفي السور 8 أبواب وكل باب سمي باسم إله آشوري، وتزين مداخل المدينة ثيران مجنحة برؤوس بشرية، تعتبر رمز الحضارة الآشورية.

تعرضت المدينة لقصف في الثامن من مارس الماضي، على يد عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، فقد فجر التنظيم وجرف مناطق أثرية في خورسباد، وقالت مصادر عراقية أنه قد نُهبت قطع أثرية نادرة كانت في قصر سارجون، وتم بيعها في السوق السوداء.

مدينة حلب

484079582

حضارات متراكمة، من الآشورية والحثية إلى الهيلينية والبيزنطية، ثم الإسلامية، جمعت في أقدم مدن العالم المأهولة، إنها “حلب”، تلك المدينة السورية التي تضمّ العديد من الأسواق القديمة والمساجد الأثرية، والمدارس الدينية، حتى كانت “عاصمة للثقافة الإسلامية” عام 2006.

الآن حلب الأكثر تضررًا في النزاع السوري الدولي، حيث تؤكد المصادر السورية: “إن 80 % من أسواق المدينة دُمرت، و40 % من البيوت القديمة انهارت، وأن كلفة إعادة ترميم ما تمّ تدميره قد تصل إلى 150 مليار دولار”.

لقد دمرت براميل النظام السوري الأسواق والبيوت القديمة ومسحت المناطق التاريخية بشكل كامل، هذا النظام الذي يسيطر على المباني المطلّة على حلب القديمة.

مدينة عدن

548148775

إضافة لكونها، العاصمة الاقتصادية والتجارية لليمن، فهي أيضا “عدن” التراثية التي تعود بعض مواقعها الأثرية إلى مئات السنين، والتي ظلت محافِظة على مكانتها التاريخية والروحانية إلى حين اندلعت الحرب في مارس الماضي.

فعقب سيطرة الحوثيين على صنعاء، تغير حال المدينة، دمر المتحف الحربي الذي يعود بناؤه إلى العام 1918م، وسُرقت معظم مقتنياته الثمينة من أسلحة قديمة، ومعروضات عن تاريخ اليمن العسكري، وصور وأعمال يدوية صنعها الإنسان من الحجارة قبل 6 آلاف عام قبل الميلاد.

كما دمر مسجد “العلوي” بشكل كامل، وهو مسجد شيده أحد أئمة الصوفية في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، ويُرجع بعض المؤرخين تاريخ بنائه إلى السيدة “بهجة” وهي أميرة من أميرات بني زريع (قبيلة حكمت اليمن في الفترة من 1138م – 1175م)، كما دمرت مكتبة عبدالله باذيب بقذائف الحوثيين، وهي مكتبة تقع بمحاذاة المتحف الحربي، وتُعد صرحا ثقافيًا تنويريًا رائدًا، كما تقول المصادر اليمنية، حيث يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 5 عقود.

مدينة الموصل

إسقاط تماثيل ومنحوتات من قواعدها الحجرية ثم تحطيمها بالمطارق، مشهد متكرر يقوم به عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أكثره خاص بمدينة الموصل العراقية.

لقد دمر التنظيم الكثير من الآثار بالموصل، ففي يوليو الماضي دمر مرقد النبي يونس وقاموا بتفجيره أمام الناس، ودمروا متحف الموصل، ثاني أهم المتاحف العراق بعد المتحف الوطني في بغداد، كما أحرق عناصر التنظيم الآلاف من الكتب والمخطوطات النادرة في مكتبة الموصل.

مدينة الصالحية

“الصالحية” كانت مدينة بابلية حتى عام 538 قبل الميلاد، وتحولت إلى فارسية عندما سقطت بيد الفرس وشكلوا الإمبراطورية الفارسية على أنقاضها، تقع مدينة الصالحية تلك، في بادية الشام، قرب دير الزور.

وأكد تقرير صادر عن الإندبندنت البريطانية: “إن المدينة الأثرية تعرضت لقصف مدفعي ثقيل في فبراير 2014 وتدمر أكثر من 80% من المدينة على إثره، كما عانت المدينة من عمليات الحفر والتنقيب العشوائي من قبل عصابات سرقت العديد من القطع الأثرية والعملات القديمة”.

مدينة صعدة

تعود بعض المواقع الأثرية في مدينة “صعدة” اليمنية إلى ما قبل الإسلام، كما تضم المدينة التاريخية عدة قلاع وحصون إسلامية، من أهمها جامع “الإمام الهادي إلى الحق”، أقدم ثالث مسجد بُني في اليمن، وتحديدًا قبل 1200 سنة، وجامع “البكيرية” الذي بُني أثناء ولاية الوالي العثماني حسن باشا، حيث تم الانتهاء من بنائه في عام 1005هـ الموافق 1597م.

وفي مايو الماضي، استهدفت طائرات سعودية مسجد الإمام الهادي في مدينة صعدة؛ كونه كان معقلًا للحوثيين.

مدينة صنعاء

154748485

طراز معماري فريد تراثي، تزينه زخارف غنية بالفنية العالية، ومبانٍ متعددة الطوابق مزينة بأشكال هندسية، هذا ما يميز كتل النوب والأسوار والمساجد والسماسر والأسواق في أقدم المدن المأهولة في العالم، وهي “صنعاء” اليمنية، تلك المدينة التي تعد من أهم مواقع التراث العالمي لليونسكو.

تشتهر صنعاء أيضا بمآذنها الشاهقة وقبابها البيضاء الناصعة، حيث يوجد فيها حوالي (50) مسجدًا، من أقدمها الجامع الكبير، أول مسجد بني في اليمن، فقد بني في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في الحادي عشر من مايو الماضي، تعرضت البلدة القديمة على وجه التحديد في صنعاء لغارات جوية من السعودية، تضررت المباني التاريخية بشكل كثير، ودُمِّر حي القاسمي المدرج ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، ويضم تسعة آلاف منزل من الطين، بني بعضها قبل القرن الحادي عشر.

وعقبت المديرة العامة لليونسكو «إيرينا بوكوفا» على هذه الكارثة بالقول: “هذه الهجمات تدمر التراث الثقافي الفريد في اليمن، والذي هو مستودع لهوية الشعب وتاريخه وذاكرته وشهادة استثنائية لمنجزات الحضارة الإسلامية .. أدعو جميع الأطراف إلى الامتناع عن استخدام أو استهداف مواقع التراث الثقافي والآثار، احترامًا للمعاهدات الدولية وتنفيذًا لها”.

مدينة النمرود

هي درة الحضارة الآشورية وموطن الكنز الذي عُد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، ومن أبرز المواقع الأثرية المرشحة للإدراج على لائحة اليونيسكو للتراث العالمي.

إنها مدينة “نمرود” العراقية التي يعود تاريخها الأثري إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث بدأ ذكر المدينة من قبل علماء الآثار في العام 1820، وكانت تعرف باسم “كلحو”.

وفي الآونة الأخيرة (مارس الماضي) دمر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مدينة نمرود بالجرافات، فاعتبرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ما حدث “تطهيرًا ثقافيًّا يصل إلى حد جرائم الحرب”، ولم يكن ما حدث هو أول الاعتداءات على المدينة الأثرية، فقد تعرضت نمرود للنهب أثناء الاجتياح الأمريكي للعراق في العام 2003.

عرض التعليقات
تحميل المزيد