«من المحتمل أنّ الاتحاد الأوروبي سيتفكك في العقود القادمة، ولدى بريطانيا مسؤولية البحث عن بديل» *دومينيك كامينجز

كان يومًا صعبًا على المملكة المتحدة. يوم الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي أو ما يسمى «بريكست». والذي حسم فيه الأمر الشعب البريطاني بنسبة 51.9% لصالح الخروج. عاشت بريطانيا منذ يوم الاستفتاء، 23 يونيو (حزيران) 2016، ثلاث سنوات من الارتباك، سجالات وجدالات بين العمال والمحافظين والمستقلين. واستقالة مباشرة بعد النتيجة لرئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون، وبعدها بعامين تنحي تيريزا ماي التي فشلت في حسم الأمر وتمرير صفقتها التي أحضرتها من بروكسل.

كامنجيز يصل إلى شارع «داوننج 10» لحضور أول اجتماع له بعد تعيينه من بوريس جونسون

لكنّ حدثًا مثل البريكست وتبعاته لم يأت بليلة واحدة، ولم يكن بلا فلسفة ناظمة وعقل يفكر ويخطط. فبريطانيا تعيش اليوم في «عالم دومينيك كامينجز»؛ رجل الظل الذي نظّر وخطط ونفذ، وجعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حقيقة سياسية.

يستعرض هذا التقرير شخصية دومينيك كامينجز غريب الأطوار، والذي صعد من هامش وستمنستر (العاصمة السياسية لبريطانيا) إلى قلبها، ليصبح كبير مستشاري رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

دومينيك كامينجز.. معارضٌ للاتحاد الأوروبي منذ يومه الأول

«كيف تغير مجرى التاريخ؟ اقضِ على الحكمة السائدة» *دومينيك كامينجز

كلُّ ما حدث ويحدث اليوم سببه غضب دومينيك كامينجز من شارع «داوننج 10»؛ هذا الشارع الكئيب بالنسبة لكامينجز الذي يعتقد أنّ النخب السياسية البريطانيا معظمها فاسدة، وكسولة، ولا تدرك ما الذي تقوله وتفعله، وعلى رأس هؤلاء كاميرون.

وبحسب دومينيك كامينجز، هنالك حدثان يهيمنان على تفكير الساسة في ويستمنستر؛ حفلات العشاء الذين يتخيلون فيها مستقبلًا بعيدًا مبهمًا، و«النميمة اليومية» التي عادة ما يكون مصدرها الإعلام. ولا يوجد من يطرح الأسئلة الصحيحة. إذًا السؤال الذي شغل كامينجز السنوات الماضية: كيف تبدأ بريطانيا إحياء ذاتها من جديد؟ بالتخلّص من بروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي).

ديفيد كاميرون وفريقه عام 2005

بدأ مشوار دومينيك كامينجز السياسي في الفترة من 1999 إلى 2002، بإدارته حملة مناهضة لاعتماد بريطانيا عملة اليورو تحت شعار «نعم لأوروبا. لا لليورو»، وقد ساعدت هذه الحملة في ردع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير من اعتماد اليورو. ويُصنّف دومينيك كامينجز على أنّه «Eurosceptic»، أي متشكك تجاه مشروع الاتحاد الأوروبي.

يؤمن كامينجز أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيختصر كثيرًا من النقاشات السياسية السامة، وينهي على حزب استقلال المملكة المتحدة، وشخصيات سياسية مثل نايجل فراج. وهذا ما حدث بالفعل في الانتخابات الماضية عندما حلَّ فراج حزب البريكست. ويعتقد أيضًا أنّ الاتحاد الأوروبي لا يمكنه الاستجابة وحل العديد من المشكلات العالمية؛ مثل التغير المناخي، والأتمتة. وأنه جسدٌ سياسي يسهل للشركات العملاقة النهب واحتكار مجال الابتكار والإبداع وريادة الأعمال.

تخرج دومينيك كامينجز في قسم التاريخ القديم والحديث بجامعة «أوكسفورد»، ونشأ في عائلة من الطبقة المتوسطة، فوالده كان يعمل في مشروع للإنشاءات والتنقيب النفطي، وأمه معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة. وبعد تخرجه انتقل إلى روسيا، حيث ساعد في تأسيس مشروع طيران جديد من مدينة سمارا الروسية إلى فيينا، ولكنّه لم ينجح.

قد ألهم كامينجز في مسيرته ثلاث شخصيات تاريخية؛ الأمير الألماني أوتو بسمارك، والفيزيائي الأمريكي ريتشارد فينمان، والاستراتيجي الصيني العسكري سون تزو صاحب كتاب «فن الحرب».

دولي

منذ سنة واحدة
الجيش البريطاني بعد «البريكست».. كيف ستغيب الشمس عن الإمبراطورية العظمى؟

دومينيك كامينجز يبدأ بتغيير مجرى التاريخ.. صوتوا للرحيل!

كان ماثيو إليوت، السياسي الإستراتيجي البريطاني، يبحث عن الشخص المناسب لقيادة حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي. هذه الحملة تتطلب شخصًا ذا طبع هجوميّ، وذا هدف محدد يمكنه إتمامه، ولديه خبرة، ونظرة نقدية إلى ما عليها البلاد، وصاحب رؤية سياسية.

لم يخطر لإليوت سوى كامينجز، الذي عمل في وزراة التعليم تحت إدارة مايكل جوف من 2007 إلى 2014، إذ عينّه مستشارًا تعليميًّا خاصًّا. وأثناء سنوات عمله في وزراة التعليم كتب مقالة يقدم فيها رؤية لتغيير النظام التعليمي في بريطانيا، والذي يشرح فيها أيضًا كيف أنّ الذين يدرسون العلوم الإنسانية يتخرجون من دون فهم لأساسيات الرياضيات والإحصاء والتي هي علومٌ مهمة لفهم وتوقع السياسة اليوم، خاصة في عالم متشابك ومعقد، ويحلم بنظام تعليمي تكامليّ يطلق عليه «التعليم الأوديسي». وأثناء عمله، انتقد كامينجز بشدة التحالف غير الرسمي بين موظفي الخدمة المدنية والمدرسين، ووصفهم بالرخويات الذين يسدون طريق الإصلاح المؤسساتي.

لم يكن إقناع كامينجز لإدارة الحملة مهمة سهلة، فقد كان معتزلًا في مزرعة والده، يقرأ ويكتب ويفكر، معتزلًا وبعيدًا عن المنطقة التي تشعره بالاشمئزاز، ويستمنتسر. ولكنّه وجدها فرصة لتطبيق فلسفته، والذي اشترط على أليوت حينها أنّه يحتاج إلى استقلالية كاملة من دون تدخل أعضاء البرلمان في قرارته وإدارته للحملة، وقد وفى أليوت بذلك.

كانت الحملة متجاوزة للأحزاب السياسية، وتلقت الدعم من عدة مجموعات حزبية وأفراد، مثل مجموعة في حزب العمال الداعمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «البريكست»، وحزب المحافظين، وعضو البرلمان دوجلاس كارسويل الذي شارك في تأسيس الحملة أيضًا، والأهم دعم عمدة لندن المحافظ السابق، بوريس جونسون، الذي أصبح الرمز الأهم لحملة الرحيل.

صاغ كامينجز الشعار الأبرز لحملة الخروج، وهو «استعِدِ السيطرة». وشكلَّ «فرقًا حمراء» لإدارة الحملة، والفريق الأحمر مصطلح يطلق على الفريق الذي يحمل وجهات نظر وتخصصات مختلفة لتحقيق هدفٍ محدد. فعيّن فيزيائيين، وعلماء بيانات وغيرهم لتحقيق هدف الحملة. وتعاون مع شركة كندية تسمى «أجريجيت آي كيو»، التي خصص لها ميزانية 3.5 مليون جنيه إسترليني مقابل خدماتهم. إذ صمم ما يقارب المليار دعاية للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي موجهة إلى ما يقارب 7 مليون ناخب بريطاني. وقد اعترف الملياردير البريطاني أرون بانكس فيما بعد بأنّ «أجريجيت آي كيو»  تعاونت مع «كامبريدج أنالاتيكا».

كانت لغة الحملة بسيطة وفعالة، وركز فيها كامينجز على عواطف البريطانيين، وأحلامهم، وآمالهم ومخاوفهم. وركز فيها على الحديث عن الهجرة، والتجارة، وحقائق حول ضرر بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد كتب مقولة على الحافلة الانتخابية «بريطانيا ترسل 350 مليون جنيه أسبوعيًّا إلى الاتحاد الأوروبي، لنستثمرها في الخدمة الصحية الوطنية».

 

مستقبل دومينيك كامينجز المجهول يبدأ

بعد نجاح حملة الرحيل، التي تبعها ثلاث سنوات من الإرهاق السياسي. حصل انقلاب ناعم داخل حزب المحافظين مما أدى إلى تنحي تيريزا ماي يوليو (تموز) الماضي، وصعد بدلًا منها نجم بوريس جونسون رئيسًا للوزراء، وجاء بصفقة من بروكسيل ورفضت أيضًا من مجلس العموم.

دعا جونسون لانتخابات مبكرة، وانتهت يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، بنتيجة صادمة واكتساح لحزب المحافظين بأغلبية، حيث حصل الحزب على 365 مقعدًا، في مقابل خسارة حزب العمال 60 مقعدًا، كأكبر هزيمة لحزب العمال منذ عام 1935، والغالبية الأكبر للمحافظين منذ فوز بطلتهم مارجريت تاتشر عام 1987.

عُيّن كامينجز كبيرًا لمستشاري رئيس الوزراء بوريس جونسون، وسلّم المهام التنفيذية للحملة الانتخابية الأخيرة لزميله الأسترالي إسحاق لفيدو، والذي كان يجتمع معه كل فترة للمتابعة. يعتقد دومينيك كامينجز أنّه إذا أرادت بريطانيا أنّ تحدث تغييرات كبيرة، فعلى الحكومة إحداث ثورة في أساليب الحكم، وإدخال علماء الفيزياء، وعلماء البيانات، وابتكار أساليب جديدة لاتخاذ القرار. لذا فالمهمة التي يعمل عليّها الآن دومينيك كامينجز هي إعادة تنظيم الحكومة، بحيث تصبح فعّالة، وتأخذ قرارات بشكل سريع وعلمي ومبني على البيانات.

مظاهرة يوم 19 أكتوبر (تشرين الأول) لأشخاص معارضين للبريكست وساخرين من بوريس جونسون ودومينيك كامينجز

اجتمع دومينيك كامينجز الشهر الماضي مع 10 أكاديميين في شارع داوننج لنقاش حلمه القديم، وهو تأسيس النسخة البريطانية للـ«داربا»؛ وهي مؤسسة بحثية أمريكية تعمل وتبحث عن أحدث التقنيات وكيفية إدخالها في النظام الدفاعي والعسكري الأمريكي.

دومينيك كامينجز لا يؤمن بالحزبية، فهو لا يصنف نفسه محافظًا، أو يساريًّا، أو شعبويًّا؛ وإنّما يؤمن بالمشروعات التي تستحق العناء والعمل. العقود القادمة لبريطانيا ليست عقود بوريس جونسون الذي يمثل واجهة لبريطانيا الجديدة، وإنما لكبير مستشاريه، الثوري الغاضب من المؤسسات السياسية البريطانية وشبكات مصالحها التي ترسخت، والآن تتفكك على يديه.

دولي

منذ سنة واحدة
جونسون ليس «النسخة البريطانية» من ترامب.. إليك أبرز الاختلافات بين الرجلين

المصادر

تحميل المزيد