غالبًا تعلم عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وعن ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، وعن ذوبان الجليد في الطقبين، وزيادة منسوب مياه البحار.

وربما تكون قد سمعت من قبل عن «مُؤتمر باريس المناخي»، وتعهداته بارتفاع درجة حرارة سطح الأرض، وزيادتها عن درجتين مئويتين، مُقارنةً بدرجة حرارتها خلال فترة ما قبل الثورة الصناعية.

لكن هل كُنت تعلم أن درجات الحرارة بالقرب من القطب الشمالي، باتت أعلى بمقدار 20 درجة مئوية مما كانت عليه؟ هذا ما كشفت عنه دراسة علمية، أشارت إلى أن القطب الشمالي الآن في خضم مرحلة تُسمى «الليل القطبي»، وفي هذه المرحلة تكون الشمس في مستوى الأفق، ولا ترتفع عن ذلك. وفي هذه المرحلة يكون القطب الشمالي شديد البرودة، وتتشكل صفائح جليدية سميكة خلال فصل الشتاء.

حرارة أكبر من المعتاد

لكن هذا العام، اختلفت الأمور، فدرجات الحرارة أكثر دفئًا، بالرغم من «الليل القطبي»؛ إذ سجلت محطات الأرصاد الجوية في جميع أنحاء المناطق المحيطة بالقطب الشمالي، أكبر فرق في درجات الحرارة، حتى إنه في أجزاء من المنطقة القطبية الشمالية في روسيا، وصلت درجات الحرارة إلى سبع درجات مئوية، أكثر من المعتاد.

وبالرغم من أن طبقة الجليد البحري تتشكل مرة أخرى، بعد أن تبلغ أدنى مستوى سنوي لها في شهر سبتمبر (أيلول)، إلا أن هذا الأمر يحدث هذا العام بصورة أبطأ كثيرًا من المعتاد. وحتى الآن فإن حجم التغطية الجليدية للبحر القطبي أقل حتى من أدنى مستوى قياسي جرى تسجيله عام 2012.

ولجأ العلماء إلى «تويتر»؛ للتعبير عن قلقهم إزاء زيادة سوء الأوضاع هذه. وكان من بين هؤلاء الباحث في جامعة كاليفورنيا، «زاك لابي»، الذي أوضح حدوث زيادة في درجات الحرارة بالفعل في منطقة سيبيريا بمقدار 20 درجة مئوية، مُوضحًا كيف أن هناك زيادة في متوسط درجات حرارة المنطقة القطبية بشكل تصاعدي واضح خلال عام 2016.

وحتى تكون الأمور أكثر وضوحًا، نشر «لابي» صورة متحركة تبين كيفية تقلص سمك الجليد في البحر القطبي الشمالي منذ عام 1979، وحتى عام 2016 الجاري، التغير كان مذهلًا ومخيفًا.

وقال «بيتري تالاس»، الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية: إنه في أجزاء من المنطقة القطبية الشمالية في روسيا، كانت درجات الحرارة أعلى من المتوسط بمقدار ما بين ستٍّ إلى سبع درجات مئوية.

وأضاف أن العديد من المناطق القطبية وشبه القطبية الأخرى في روسيا وألاسكا، وشمال غرب كندا كانت درجات الحرارة بها أعلى من المتوسط بمقدار ثلاث درجات مئوية، «نحن معتادون على اختلاف قياس سجلات درجات الحرارة بأجزاء من الدرجة المئوية، لكن هذا الأمر الذي نشهده مختلف»، كما قال.

العام الثاني على التوالي

يذكر أن هذه هي السنة الثانية على التوالي التي تكون فيها درجات الحرارة بالقرب من القطب الشمالي مرتفعة بشكل غير عادي. ففي نهاية عام 2015، ارتفعت درجة الحرارة في القطب الشمالي تقريبًا إلى نقطة انصهار الجليد (الصفر المئوي)؛ بسبب عاصفة ضخمة تسببت في ضخ الهواء الدافئ في المنطقة.

أما فيما يخص سبب هذا الاختلاف غير العادي، فيقول المتخصص في القطب الشمالي في جامعة روتجرز، «جنيفر فرانسيس»، لصحيفة واشنطن بوست، إن السبب متعلق بتغير المناخ في جميع أنحاء الكوكب، فقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الأسبوع الماضي، أن عام 2016 من المرجح أن يكون هو العام الكثر حرارة الذي جرى تسجيله منذ البدء بعملية تدوين درجات حرارة الكوكب.

وأضاف «الدفء الذي يشهده القطب الشمالي هو نتيجة لمزيج من القياسات المنخفضة لحجم الجليد البحري في مثل هذا الوقت من العام، وهو ما يعني وجود طبقة جليد ربما تكون رقيقة جدًا، والكثير من الهواء الدافيء والرطب الذي يهب من خطوط العرض الدنيا باتجاه الشمال من خلال تيار هوائي متموج».

اقرأ أيضًا: «نبوءة» علمية: الاحتباس الحراري قد يتسبب في غرق العالم خلال نصف قرن

نتائج كارثية

ويقول عالم الأرصاد الجوية، «ريتشارد جيمس»، الذي يكتب مدونات عن الطقس في ألاسكا، إنه تتبع تتبع 19 محطة من محطات الأرصاد الجوية في جميع أنحاء المحيط المتجمد الشمالي خلال الأشهر القليلة الماضية؛ وهو ما أظهر أن المنطقة قد غمرت بالهواء الدافئ منذ أكتوبر (تشرين الأول).

وقال «حتى الآن فإن أقل درجة حرارة عظمى جرى تسجيلها كانت 22 درجة فهرنهايت أو 5.6 درجة مئوية تحت الصفر؛ مما يدل على غياب ملحوظ للبرودة».

وأوضح أن العام الأكثر شبهًا بهذه الحالة كان عام 1998، عندما كان أبرد يوم في فترة منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بلغت به الحرار 15 درجة فهرنهايت أو 9.5 درجة مئوية تحت الصفر.

جدير بالذكر أنه ليس من الواضح بعد كيف يمكن لهذا النمط من الطقس غير المسبوق أن يؤثر على الحياة البرية المحلية، مثل الدببة القطبية، التي تنزل من المنطقة القطبية الشمالية باتجاه الأغلفة البحرية الجليدية من أجل الصيد، فإذا لم تكن طبقة الجليد المتكونة سميكة بما يكفي لتحمل أوزانها، فهو أمر يمكن أن يكون كارثيًا لمثل هذه الحيوانات، طبقًا لما أظهره تقرير لصحيفة الجارديان البريطانية.

ويبقى أيضًا أن نرى ما إذا كان أو لم يكن هذا الطقس الحار في القطب الشمالي سيؤثر على الدوامة القطبية التي تتكون عادة على المنطقة القطبية خلال فصل الشتاء. وسيستمر الباحثون في مراقبة الوضع عن كثب، حتى باستخدام الأقمار الصناعية والصور من الفضاء.

العام الأكثر حرارة

كان شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، الأكثر حرارة في العالم منذ بدء الاحتفاظ بسجلات حديثة لعملية تسجيل الحرارة، قبل 136 عامًا، وفقًا لأرقام جديدة أعلنت عنها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا).

ومع ذلك، أوضحت ناسا أن الفارق بين شهر سبتمبر (أيلول) 2016، وبين الرقم القياسي الذي حققه شهر سبتمبر (أيلول) عام 2014، كان 0.004 درجة مئوية فقط؛ ما يجعلنا أمام ما يطلق العلماء عليه اسم «نتيجة التعادل الإحصائي».

النتيجة التي سجلها شهر سبتمبر (أيلول) هذا العام، كانت أكثر حرارة من متوسط درجات الحرارة لنفس الشهر بين عامي 1951 و1980 بمقدار 0.91 درجة مئوية.

اقرأ أيضًا: الأرض على المسار الصحيح نحو أكثر الأعوام حرارة في تاريخها

هذه الأرقام تعني أن 11 شهر من الأشهر الـ12 الماضية، حققت بالفعل أرقامًا قياسية جديدة لأعلى متوسط درجة حرارة شهري. ومع ذلك، فقد قالت «ناسا» إنها تحققت الآن من أن شهر يونيو (حزيران) هذا العام، لم يحقق رقمًا قياسيًا، كما كانت قد ذكرت الوكالة في وقت سابق.

وأظهرت قراءات إضافية لدرجة الحرارة من القارة القطبية الجنوبية، أن شهر يونيو (حزيران) 2016، كان في الواقع ثالث أكثر أشهر يونيو (حزيران) حرارة بعد عام 2015، وعام 1998.

وقال «جافين شميت»، مدير معهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لناسا، «إن التصنيف العالمي الشهري هو حساس للتحديثات التي تجري في سجل درجات الحرارة، مضيفًا أن آخر تحديث لقراءات منتصف فصل الشتاء من القطب الجنوبي تسببت في تغير الترتيب الخاص بشهر يونيو (حزيران).

وأضاف «نحن نواصل التأكيد أنه في حين أن التصنيف الشهرية هو أمر ذو أهمية خبرية، فهو لا يكاد يقل أهمية عن الاتجاهات والتغيرات في درجات الحرارة التي تحدث على المدى الطويل». ويظهر من هذه الأرقام، أن هذا العام على الطريق الصحيح، ليكون الأدفأ على الإطلاق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد