3,725

في عام 2003، تنازل عبدالله غُل الرئيس التركي السابق، عن منصبه في رئاسة مجلس الوزراء آنذاك طواعية لصديقه التاريخي رجب طيب أردوغان دون احتجاج، بعدما ارتضى غُل أن يشغل المنصب بشكل مؤقت، لحين خروج أردوغان من السجن على إثر إلقائه إحدى القصائد الإسلامية. لم يكن هذا التنازل الطوعيّ على أعلى منصب في تركيا ليتّم إلاّ بين شخصين امتدت علاقتهما لعشرات السنوات، وتنقلا سويًا في محطات حزبية مختلفة، أدت هذه التجارب المشتركة لتوثيق صداقتهما.

لقد تجاوزت تلك العلاقة العديد من العقبات التي سعت لتفرقة الصديقين، وصمدت أمام كافة المحاولات الرامية للتأثير عليها، قبل أن تفرقهما السلطة وألاعيبها والاختيارات السياسية والتزاماتها، ليبتعد الصديقان عن بعضهما إلى مسارات متباينة.

يرسم التقرير التالي صورة كاملة عن مراحل الخلاف بين الرئيس التركي السابق عبدالله غُل والرئيس الحالي رجب طيّب أردوغان، وأبرز محطات هذا النزاع السياسي الذي تجلّى في العديد من التصريحات بينهما، فضلًا عن احتمالات ترشح الرئيس التركي السابق أمام أردوغان في الانتخابات الرئاسية في عام 2019.

أردوغان ينقلب على غُل.. متى بدأ الخلاف بين الصديقين؟

في أغسطس ( آب) عام 2014، ترك عبدالله غُل منصب الرئاسة بعد انتهاء ولايته، وغادر «القصر الأبيض» أو مقرّ الحكم الذي يقع أعلى ربوة في ضواحي أنقرة، ليسلّمه إلى الرئيس الجديد: رجب طيب أردوغان، حليفه التاريخي في السلطة خلال ولايته، وشريكه في تأسيس حزب العدالة والتنمية.

لم تكن خلافة أردوغان لمقعد صديقه تندرج ضمن سياسة «الإحلال والتجديد» التي دأبت عليها قيادات الحزب الحاكم، بل كانت مرتبطة بالخلافات الهامسة التي بدأت تدب بينهما في أواخر شهور غُل وهو على كرسي الرئاسة، وشروع أردوغان في هندسة وضع سياسي جديد داخل السلطة والحزب، يكون فيهما غُل خارج الحسابات.

Embed from Getty Images

عبدالله غُل وأردوغان خلال افتتاح متحف يحمل اسم غُل

في أوائل عام 2013، ظهرت هذه الخلافات بشكل مكتوم؛ عندما انتقد غُل سياسات الحكومة، في إشارة غير مباشرة لأردوغان، بسبب قمع احتجاجات ضد الحكومة التي كان يترأسها، كما امتدت هذه الانتقادات لدعوة غُل إلى تحسين العلاقات مع الغرب، وانزعاجه من انتقادات أردوغان لخلع جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في مصر.

كانت أحد هذه التباينات بين مواقف غُل وأردوغان في عدم قبول الرئيس التركي لرواية رئيس الوزراء آنذاك بوجود مؤامرات خارجية أدت لانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، وهو التفسير الذي لم يقنع الرئيس غُل آنذاك، ووصف هذه التبريرات بأنها محض «أوهام».

وفى ترجمة علنية لهذه الخلافات في الرؤى؛ تضمنت كلمة غُل الوداعية من منصبه الرئاسي – المنصب الذي كان بروتوكوليًا بشكل كبير حسب الدستور التركي السابق – انتقادًا مُبطنًا لسياسات خليفته، قائلًا: إنه حافظ دائمًا على «حياديته بوصفه رئيسًا».

وأضاف: «لقد ركزت (خلال رئاستي) على أهمية فصل السلطات، وعلى وضع نظام لمراقبة ديمقراطيتنا»، مؤكدًا أن على رئيس الدولة «أن يحرص بشدة على الحفاظ على المتطلبات التي تجعل الدولة ديمقراطيةً وعلمانيةً واجتماعيةً».

وكان الاستفتاء الذي جرى في أبريل (نيسان) الماضي على التعديلات الدستورية التي تشمل تحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي، المقترح والمدعوم بشدّة من جانب أردوغان، إحدى محطات هذه الخلافات المكتومة، إذ لم يشارك غُل في أي فعاليات مؤيدة للتعديل الدستوري، وقد رجّحت أقلام صحافيّة أن يكون رافضًا لهذه التعديلات بالأساس، خلافًا لتوجه الحزب وزعيمه أردوغان.

وحسب مقالة للكاتب التركي بصحيفة «حرييت» عبد القادر سيلفي، المقرب من دوائر صنع القرار في البلاد، فإن أردوغان «غاضب جدًا» من عبد الله غُل منذ الاستفتاء، وأنه يؤمن بأن الأخير لم يصوت لصالح النظام الرئاسي، إذ كان أردوغان يتوقع دعمًا أكبر من غُل الذي ظل يصفه بـ«أخي ورفيقي عبد الله» لفترة قريبة، رغم الاختلاف الدائم في وجهات النظر بينهم.

ظلت هذه الخلافات مكتومة دون أن تخرج للإعلام، ودون أن يبرز اسم غُل في خُطب أردوغان، حتى تلاشت تلك الموانع منذ أيامٍ بانتقاد علني من غُل تجاه واحد من المراسيم الحكومية التي أصدرتها حكومة أردوغان في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2017 استنادًا إلى قانون الطوارئ الذي لا يزال ساريًا في البلاد منذ المحاولة الانقلابية في 15 يوليو(تموز) 2016، وتنص المراسيم على إعفاء المدنيين من المحاسبة القانونية على أي عمل أسهم في إحباط محاولة الانقلاب على الحكومة الشرعية آنذاك.

«التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

وكسر غُل صمته خلال الشهور الماضية بانتقادات مُباشرة للقانون، إذ برر هذه الانتقادات بقوله إن: «من واجبه التعليق على الأمور المهمة في البلاد»، قائلًا: «أنا رئيس قضى حياته كلها في خدمة الحكومة والمجتمع، من واجبي تبادل الرؤى والأفكار حول القضايا المهمة، وأعتقد أنه من غير المعقول البحث عن دوافع خفية في هذا الأمر».

يعتقد غُل أن تنفيذ هذا القانون سيكون له تبعات على المستقبل، من كون صيغته العمومية، ولا تُحدد الفئات المستثناة من العقاب بشكل قانوني.

لم تمض ساعات قليلة على تصريحات غُل حتى خرجت الصحف الموالية لحزب العدالة والتنمية تهاجمه، وتعتبره خروجًا عن التقاليد الحزبية، إلى أن طاله الانتقاد المباشر من جانب أردوغان نفسه، بقوله :«من المؤسف أن يقول الرئيس السابق إن المرسوم يلفه الغموض.. على أي أساس تتحدث عن الغموض؟ هذا أمر محزن».

بعد هذا التصريحات الناريّة بأيام قليلة، عاد أردوغان ليعمّق الخلاف مع حليفه التاريخي بشكل أكثر وضوحًا، قائلًا: «بينما كانت تركيا تحترق وكان العالم يشتعل بالتقلبات، لم نسمع لهم أي صوت (فى إشارة وفق العديد من المتابعين لعبد الله غل) والآن باتوا ينتقدون كل كبيرة وصغيرة، خيرًا؟ من أين أتت كل هذه التخوفات فجأة وبهذه السرعة؟»، مضيفًا: «نحن نخوض حرب استقلال جديدة وما يليق بنا أن نكون سويًا ونعمل في شراكة وطريق واحد».

على الرغم من ترجيحات المُحللين لإسقاط هذه التصريحات على غُل، لتزامنها مع انتقادات الرئيس التركي السابق لبعض المراسيم الدستورية التي أصدرها أردوغان عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، إلاّ أن غل في الحقيقة كان أحد داعمي أردوغان في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة، بالإضافة لخروجه في أكثر من مقابلة تلفزيونية تدعو جموع الشعب التركي لمواجهتها.

هذا الفيديو لاتصال لعبدالله غل يدين فيه في وسائل الإعلام مباشرة المحاولة الانقلابية.

«السلطان أردوغان» يعزل صديق الماضي بنعومة

ذهبت أغلب ترجيحات المراقبين في نهاية 2013 إلى خلافة غُل لأردوغان في رئاسة الحكومة بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وعزم أردوغان الترشح لانتخابات الرئاسة، قبل أن تذهب هذه التكهنات مهب الريح وتصير في حُكم المستحيل. لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن ينتهي الحال بِغُل خارج دوائر السلطة، مُهمشًا داخل الحزب الذي أسسه مع أردوغان وبقية الأصدقاء الذين انقلبوا عليه، وجردوه من كافة سلطاته داخل وخارج دوائر الحزب.

Embed from Getty Images

أردوغان يلقي كلمة في حفل افتتاح متحف عبدالله غل

هندس أردوغان عزلًا ناعمًا من السياسة لصديقه السابق، باختيار موعد عقد مؤتمر الحزب قبل يوم من انقضاء ولاية غُل الرئاسية حتى يعجز عن المُشاركة، وينتهي المؤتمر بتعيين بن علي يلدريم رئيسًا للحزب. كما خرج آخرون ليؤكدوا أن رئيس الحزب ورئيس الحكومة المقبلة سيكونان شخصا واحدًا لا شخصين، ويؤكدوا أنّه ليس هناك فضل من أحد على حزب العدالة والتنمية، فجميع المنجزات هي منجزات أردوغان فقط.

ولم يمُر أكثر من عام، حتى تحقق للرئيس أردوغان مسعاه بالسيطرة على الحزب، بجانب سلطاته التنفيذية، وذلك بعدما اُنتخب رئيسًا لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بموجب الإصلاح الدستوري، الذي منحه صلاحيات الجمع بين منصبي رئاسة الحزب ورئاسة الجمهورية.

تحقق لأردوغان بهذه التعديلات ما أراد من قطع الطريق أمام عودة غُل بشكل شبه نهائي إلى السلطة أو السياسة عمومًا؛ عبر السيطرة على الحزب السياسي الذي خرج منه غُل وكافة قراراته، بعد انتخابه رئيسًا له.

يتطابق هذا الطرح مع تفسير سولي أوزيل، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قادر هاس في إسطنبول، بقوله: «لا شك في أن قرار عقد مؤتمر الحزب في 27 أغسطس اتخذ بهدف إبعاد غُل عن شغل أي منصب له نفوذ في الحزب».

لم يكن خروج المتحدث باسم حزب العدالة آنذاك صدفة على الأرجح، حين أعلن أنّ الحزب سيعقد مؤتمرًا استثنائيًا في 27 أغسطس، قبل يوم واحد فقط من نهاية ولاية غُل، ليتم فيه تعيين رئيس الحزب رسميًا؛ بل كان أمرًا مُخططًا بدقّة في نظر الكثير من المحللين، كون انعقاد المؤتمر في ذلك التاريخ يمنع غُل من الترشح لرئاسة الحزب، خصوصًا بعد إعلانه عدم إعادة الترشح في منصب الرئاسة، أو تبادل المواقع مع أردوغان في رئاسة الوزراء، وعدم إغلاق الباب أمام ترشحه لرئاسة الحزب.

غُل فضّل عدم التعليق على هذه السياسات التي وصفها بعض المحللين بالإقصائية له من السلطة والسياسة من طرف أردوغان؛ بل آثر الصمت، والانتقال إلى إسطنبول والعمل في الشأن العام.

خيار الصمت من جانب الرئيس التركي السابق أمام محاولات صديقه التاريخي وأعوانه في الحزب الذي أسسه لم يكن أمرًا مفضلًا لزوجته التي كسرت هذا الصمت، إذ قالت: «هل يعتقدون بأننا لا نعلم شيئًا؟ لا نرى شيئًا؟ نحن على علم بكل شيء، لقد تعرّض غُل للكثير من قلّة الاحترام، ولكنه لا يقول شيئًا لأنه إنسان مهذب»، مضيفة أن ما تعرّضت له هي وزوجها لم تشهد مثله حتى في حقبة عام 1997 حين كان الحجاب مشكلة تعرض أصحابها للأذى.

كما تحدثت بالنيابة عنه: «عبد الله بك لا يمكن أن يقول ذلك للباقته. إلا أنه تعرض للكثير من الاتهامات الباطلة وعدم الاحترام».

لاحقًا، دأب غُل – في فترات متباعدة – على إطلاق تصريحات ناقدة لسياسات حليفه التاريخي، ويطرح في الوقت نفسه، بدائل على مستوى السياسات والحُكم.

أخرج عبدالله غُل من دوائر السلطة، وهُمش سياسيًا داخل الحزب الذي كان أحد مؤسسيه بترتيب من حليفه التاريخي في نظر الكثيرين، وظل طيلة العامين الماضيين حاضرًا في المشهد السياسي بتصريحات حول نظام الحُكم، أو تعليق حول واقعة ما، في مسعى لخلق مساحة جديدة من الحضور والتأثير الذي خفت بريقه على غير العادة، ذلك الحضور والتأثير الذي كان يلاحقه دومًا في كل مراحله السياسية.

هل تكون رئاسيات 2019 حلبة صراع بين صديقيْ الماضي؟

على مدار الأشهر القليلة الماضية، بدأت التحضيرات السياسية للانتخابات الرئاسية التركية لسنة 2019، وارتسمت دوائر التكهنات بأبرز المنافسين المحتملين لأردوغان في ظل إعلان أردوغان الانتخابات على منصب الرئيس للمرة الثانية. غُل كان الوحيد من بين الأسماء المطروحة الذي بدا منافسًا حقيقيًا يملك شعبية كبيرة، وتأثيرًا في قطاعات حزبية وشعبية واسعة.

Embed from Getty Images

قيادات حزب العدالة والتنمية في حفل افتتاح متحف يحمل اسم عبدالله غل

زادت هذه التكهنات بشأن احتمال ترشحه في ظل صمت غُل، وعدم التعليق على التقارير الإعلامية التي تتحدث عن احتمالات الترشح أمام حليفه التاريخي أردوغان، على خلفية الخلافات الكبيرة بينهما في السنوات الأخيرة.

من وجهة نظر الكاتب التركي عبد القادر سيلفي المقرب من دوائر صنع القرار في البلاد، فهناك مخاوف كبيرة في حزب العدالة والتنمية الحاكم ومن أردوغان بشكل خاص من احتمال أن يكون غُل يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2019 ضد أردوغان، مع احتمال أن يكون ذلك من خلال بناء تحالف مع المعارضة التركية، لافتًا إلى أن غُل اتخذ قراره عقب الاستفتاء الأخير بالعودة تدريجيًا إلى الحياة السياسية وتوجيه انتقادات أكبر للحكومة وأردوغان.

يذهب البعض نحو تأكيد ترشحه، كحال الكاتب التركي أحمد حاقان، الذي توقع في مقال منشور له بإحدى الصحف التركية أنه سيوسع من نشاطه الشعبي في محافظات مهمة خلال الفترة المقبلة، وفي ذلك إشارة مهمة على نيته مواجهة أردوغان في الانتخابات المقبلة، بينما يستبعد كثيرون أمر ترشُحه، لأسباب شخصية في المقام الأول.

ويعزي الفريق الثاني أسبابه نحو عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية لأسباب لها علاقة بتركيبته الشخصية التي لا تميل إلى روح الصدام والتحدي، وهي سمات لا تجعله قادرًا على الدخول في صراعات السياسية، أو المنافسة على أي منصب سلطوي.

مُحدد ثان يرتبط باستبعاد ترشح غُل في الانتخابات الرئاسية، يُشير إليه الباحث التركي علي حسين باكير، في مقال منشور بجريدة «القبس الكويتية » قائلًا: «الظروف الحالية غير مواتية لترشّحه، وسيكون ذلك بمنزلة إحراق لفرصته الوحيدة، وهو ما يفترض أنّه سينتظر الفرصة المناسبة التي ستأتي عند اهتزاز الرئيس أردوغان أو عند تعرّض الاقتصاد لأزمة حقيقية أو عند انشطار حزب العدالة والتنمية، ولا مؤشرات حاليًا على أنّ مثل هذه الأمور ستحصل قبل عام 2019».

وتنطلق قوة غُل من حضوره القوي داخل الشارع التركي وحزب العدالة والتنمية والأوساط المعارضة لأردوغان، فضلًا عن كونه مرشحًا وسطيًا، يقدم نفسه دومًا باعتباره توافقيًا، لا يميل للصدام على خلاف حليفه التاريخي أردوغان، فضلًا عن ضمانه حصول عدد كبير من أصوات كُل من المحافظين اليمينيين المتدينين والأكراد.