حين بدأ فيروس كورونا في الانتشار بالعالم كله عام 2020، انتشرت معه الوسائل التي تحاول تجنيب الناس ذلك الفيروس القاتل، فظهرت في بداية الأمر الكمامة – التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية – والتي كان لها دور كبير في عدم انتشار العدوى بين الأشخاص، كما سادت سلوكيات اجتماعية كان من المهم تطبيقها لتقليل معدل انتشار الفيروس، وأهمها كان التباعد الاجتماعي. 

وبينما كان العالم منشغلًا في الوصول إلى مصل كورونا، اجتهد البعض في خلق اختراعات تساهم في الحد من انتشاره. في هذا الإطار؛ اخترع  الطفل الهندي، روهان بارنوال، مستخدمًا «الأردوينو» جهازًا يحدد المسافة بين الفرد «حامل الجهاز» والأشخاص الذين يوجدون في محيطه، ويعطي إنذارًا إن تخطى أي شخص مساحة التباعد الاجتماعي.

يمتلك روهان قناة على «يوتيوب» يعرض عليها اختراعاته، يستخدم فيها الأردوينو، وهو ما ستفهمه عزيزي القارئ بعد قليل، كما يطلق روهان على قناته «فتى الأردوينو»، وبجانب ذلك يمتلك روهان مجموعة على «فيسبوك» وحسابات متعددة على عدة منصات مهتمة بالإلكترونيات والبرمجة، ويسعى روهان لنشر تعلم الأردوينو وتعليم الأطفال والكبار كيفية صنع أجهزة بسيطة ولكن تعمل على تسهيل حياتنا. 

ما الأردوينو وما أهميته؟ 

ابتُكر الأردوينو في «معهد إفريا للتصميم التفاعلي» في إيطاليا، أداةً تسهل على الأطفال والطلاب تعلم الإلكترونيات والبرمجة بطريقة مشوقة، ويتكون الأردوينو من لوحة إلكترونية تحتوي على مجموعة من المعالجات وأجهزة التحكم، القادرة على استقبال مدخلات تتمثل في الإلكترونيات المدمجة باللوحة الإلكترونية والأكواد البرمجية التي يضيفها المستخدم – من خلال لغة «أردوينو» وهي اللغة التي عن طريقها تُكتب الأوامر التي سينفذها الأردوينو، وكذلك لغة «السي» وهي لغة برمجة حاسوب متعددة الأغراض – وتحويلها إلى مخرجات تتمثل في الجهاز الذي يطبق الأوامر البرمجية.

وبجانب سهولة استخدامه، يمتاز الأردوينو بمجتمع متفاعل وغني بالخبرات، يضم المبتكرين والمخترعين محبي الإلكترونيات، بداية من الأطفال والطلاب والهواة، ووصولًا إلى المبرمجين والمهنيين، والذين أصبحوا يشكلون مجتمعًا عالميًّا يتبادل فيه الأفراد الأفكار والاختراعات. 


ولأن الأردوينو مُستخدم من قبل الأطفال والطلاب، أصبح الأردوينو مستخدمًا بكثرة في صناعة الألعاب، وكذلك بات يدخل في العديد من الصناعات ومنها «إنترنت الأشياء» – وهو الجيل الجديد من الإنترنت الذي يسمح بربط الأجهزة بالإنترنت لتنفيذ الأوامر المعطاة لها عن بعد – الذي تحتل الأجهزة المنزلية الذكية الصدارة فيه، كما يُستخدم الأردوينو في صناعة الروبوتات والمسيرات الطائرة، ولا شك أن تطبيقات الأردوينو لا تنتهي، ففي كل يوم يشارك مجتمع الأردوينو الكثير من الاختراعات.   

توجد العديد من إصدارات الأردوينو، ويُعد أشهرها وأكثرها استخدامًا هو «الأردوينو أونو» والذي يأتي على متجر موقع أردوينو بسعر 23 دولارًا فقط، ولأن الأردوينو مفتوح المصدر، يستطيع الأشخاص تطوير الأردوينو بنسخ أخرى ذات مهام مختلفة ومتعددة، كما يشارك مجتمع الأردوينو اختراعاتهم على منصة مشروعات الأردوينو ومشروعاتهم والتي يذكرون فيها المحتويات والمكونات المستخدمة في تنفيذ المشروع، كما يوفر مخترعو الأجهزة «الأكواد البرمجية» المستخدمة في المشروع. 

يسمح كل هذا، بجانب سعر الأردوينو المنخفض، بانتشار المعرفة وتجربة صناعة الكثير من المشروعات ومشاركة الخبرات على الوجه الأمثل بين محبي الأردوينو، كما يعمل ذلك على انتشار استخدام الأردوينو أداةً سهلة ومنخفضة التكلفة يمكن من خلالها صناعة الاختراعات البسيطة والمعقدة على حدٍّ سواء.

Embed from Getty Images

وطبقًا لموقع «أردوينو»؛ فإن «برنامج الأردوينو» – الذي عن طريقه يُبرمج الجهاز – يعمل على كل من نظام «ويندوز» و«ماك» و«لينكس»، ويستخدمه المعلمون والطلاب لبناء أدوات علمية منخفضة التكلفة، لإثبات مبادئ الكيمياء والفيزياء، أو لبدء برمجة الروبوتات، وذلك باتباع التعليمات الموضحة على مجتمع الأردوينو خطوة بخطوة. 

تطبيقات واختراعات لا حصر لها

بالعودة إلى مخترعات الأردوينو، خاصة في أزمة كورونا الحالية، عمل «مانيفانان أس» على جهاز يسمح بقياس حالة مريض كورونا، والذي يقيس معدل ضربات القلب، والتنفس، ودرجة الحرارة، ومعدل تشبع الجسم بالأكسجين، ومن خلال هذه القياسات طور منيفانان خوارزمية بسيطة لمعرفة درجة «مؤشر الصحة»، وذلك عن طريق الأردوينو، والذي يُعد مهمًّا في حالة الإصابة بكورونا للاطمئنان على حالة المصاب، ومعرفة ما إن تدهورت صحته، وهو الأمر الذي يجب أن يكون بالغ السرعة لتفادي المضاعفات. 

ولأن الأردوينو يُستخدم بكثرة في تطوير الألعاب كما ذكرنا، ونموذجًا على ذلك، أنشأ كارلوس بنداس رقعة شطرنج آلية يمكنها تحريك القطع آليًّا، وهو ما يسمح بلعب الشطرنج مع أشخاص يبعدون عنا آلاف الأميال، ليس على أحد تطبيقات الهاتف، وإنما على رقعة الشطرنج المعتادة! 

وفي هذه اللعبة، استُخدم «أردوينو نانو» لقراءة نقلات اللاعب البعيد، والتي ترسل بدورها أوامر للقطعة بالتحرك إلى المربع المحدد الذي حرك اللاعب القطعة إليه، وذلك عن طريق مستشعرات لتحديد القطعة وأين تحركت بالضبط، والتي تتحرك عن طريق مغناطيس مثبت أسفل كل قطعة، ما يمنحها القدرة على الحركة آليًّا. 

وبمجرد أن ينقل اللاعب البعيد القطعة، يُرسل أمر إلى ذراع آلية  تحرِّك القطعة عن طريق المغناطيس الكهربائي، وفي النهاية يشهد اللاعبان مناورة على رقعة الشطرنج، والتي تتحرك فيه القطع وحدها بدقة لتجنب الاصطدامات والحفاظ على مظهر اللوحة المرتبة.

أما فيما يخص إنترنت الأشياء، والأجهزة المنزلية الذكية، يوفر موقع أردوينو هذا المشروع، والذي يمثل برنامجًا مفصلًا لمجموعة واسعة من التطبيقات لأتمتة الكثير من الأشياء في المنزل، وهي الآلات التي تعمل بشكل آلي تلقائي، بدءًا من عمل جهاز يسقي النباتات تلقائيًّا، إلى إنشاء نظام إنذار، إلى فتح الباب تلقائيًّا عن بعد عندما ترصد الكاميرا شخصًا ما محددًا قادمًا إلى المنزل، وغيرها العديد من التطبيقات، والتي يمكن البدء في تنفيذها فورًا بالحصول مجانًا على الأكواد المطلوبة من على منصة «مجتمع الأردوينو» وشراء المكونات اللازمة لاختراع الجهاز المطلوب والشروع في استخدامه.   

من أين نبدأ تعلم الأردوينو؟

للإجابة عن هذا السؤال، يتعين علينا تحديد الشخص الذي سيبدأ في التعلم إن كان فتىً ملمًّا بأساسيات الإلكترونيات أم لا، أو مهنيًّا متخصصًا. وعامةً، من الجيد أن يكون الشخص الراغب في بدء تعلم الأردوينو ملمًّا بأساسيات الإلكترونيات، كما سيكون من الجيد إن كان يمتلك خلفية – ولو بسيطة – عن البرمجة. وفي هذا الجزء من التقرير سنوضح بعض الملامح المهمة للبدء.

أولًا، وبفضل التطور التقني، أصبحت «الدوائر المدمجة – IC» – وهي دائرة إلكترونية صغيرة تحتوي على المقاومات والمكثفات والترانزستورات – مستخدمة في أغلب الأجهزة الإلكترونية، وساعدت على ظهور المتحكمات الدقيقة بالغة الصغر (Micro Controllers)، وهو أشبه بكمبيوتر مصغر قابل للبرمجة للقيام بوظائف محددة، والتي يُعد الأردوينو إحداها. 

ويعده الكثير أسهل المتحكمات التي يمكن برمجتها بسهولة، والبعض يستخدمه أيضًا في تصنيع أفكار معقدة تُستخدم فيها مجموعة من لغات البرمجة الكبيرة مثل «ماتلاب» و«جافا»، والتي توفر مكتبات برمجية خاصة بالأردوينو، والمكتبات هي أكواد جاهزة للاستخدام دون الحاجة لإعادة كتابتها لتطوير البرمجية، وهو ما يقلل الوقت كثيرًا في تنفيذ المشروع، كما أنها تراكم الخبرات لتصبح جاهزة للاستخدام حتى دون معرفة كيفية أدائها بالوظيفة التي تقوم بها.

لا شك أن الإلكترونيات، وفي القلب منها الأردوينو، عالم لا تنتهي المعارف فيه ولا يمكن حصرها والإلمام بها جميعًا، إلا أن الشروع في التعلم أمرًا يسيرًا وسهلًا، وذلك لوجود مصادر كثيرة ومجانية توفر إمكانية تعلم الأردوينو من البداية، حتى وإن لم تكن لديك خبرة بالإلكترونيات، ومن أهم تلك المصادر العربية كتاب «أردوينو ببساطة» الذي يوفر دليلًا عمليًّا من أجل تعلم القيام بتطبيقات بسيطة بواسطة الأردوينو.

علوم

منذ 3 سنوات
كيف تشجع طفلك على دراسة العلوم في 6 خطوات؟
  

لقد مثَّل الأردوينو طفرة في تعلم برمجة الروبوتات والأجهزة، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وما يمثل مستقبل عالمنا الذي سيقوم بشكل أكبر على مثل هذه التقنيات. إن تعلم الأطفال والشباب لمثل هذه التقنيات أصبح أمرًا ضروريًّا إذا أردنا بناء واقعنا ومستقبلنا دون البقاء مستهلكين لمثل هذه الاختراعات دون القدرة على تطبيقها عمليًّا، وهذا ما يعمل عليه الأردوينو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد