في ظل التقدم التكنولوجي غير المسبوق الذي يشهده العالم حاليًّا، وتلك الابتكارات والعلوم الجديدة، سيكون من السهل الافتراض أنه مع كل جيل جديد، يصبح البشر أكثر ذكاءً. فمن اللوغاريتمات اللامتناهية التي تتحكم في مواقع التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى تطبيقات تتبع النوم والحركة والنشاط البدني، مرورًا بأجهزة الذكاء الاصطناعي، يبدو أن العالم وصل بالفعل إلى معدلات ذكاء غير مسبوقة.

من هنا، وبشكل منطقي تلقائي، ظهرت تلك الفرضية التي تقول إن كل جيل من أجيال البشرية يكون أكثر ذكاءً من الجيل الذي يسبقه، لأن الجيل التالي يكتسب علومًا ومعارف أكثر، لكن، هل هذه الفرضية بالفعل صحيحة؟ وهل يزداد البشر ذكاءً بالفعل؟ وهل ازدياد أعداد العباقرة دليل زيادة معدل الذكاء بين كل البشر؟

زيادة الـ IQ.. والعباقرة

جدلية زيادة ذكاء البشر هذه كانت مثيرة لاهتمام العلماء، وزاد هذا الاهتمام عندما لاحظوا زيادة متوسط درجات اختبارات معدل الذكاء (IQ) في جميع أنحاء العالم بشكل كبير – خاصة في الغرب – على مدار القرن العشرين. وعندما تتبعوا هذه الزيادة، وجدوا أنها زيادة بمتوسط ثلاث نقاط حاصل ذكاء لكل عقد من الزمن. هذا الأمر يعني أننا نعيش مع مزيد من العباقرة على هذا الكوكب أكثر من أي وقت مضى.

تعرف هذه الزيادة في متوسط درجات معدل الذكاء والميل الواضح لزيادة مستويات الذكاء بمرور الوقت باسم «تأثير فلين»، وهي تسمية على اسم الأكاديمي الأمريكي المولد جيمس فلين. كان فلين أول من لاحظ هذه الزيادة في معدل اختبار الذكاء وذلك في دراسة أجراها عام 1984، كشفت وقوع زيادة مقدارها 13.8 درجة في متوسط معدلات اختبارات الذكاء بين عامي 1932 و1978، أي بمعدل 0.3 درجة كل عام تقريبًا.

قبل فلين، كانت تجري عملية إعادة تشكيل لاختبارات الذكاء من حين لآخر، لأنه يجب أن يكون متوسط ​​معدل الذكاء 100، ولكن كل بضع سنوات ترتفع الدرجات، فكان على صانعي الاختبارات إضافة أسئلة أكثر صرامة لخفض المتوسط ​​مرة أخرى. طعن فلين في الأرقام ووجد أن درجات معدل الذكاء زادت في المتوسط، وهو ما يعني زيادة معدل ذكاء البشر.

هذا يعني مثلًا أن المراهق العادي اليوم، إذا كان بإمكانه السفر عبر الزمن إلى عام 1950، لكان قد حصل على معدل ذكاء قدره 118، وإذا عاد إلى عام 1910، لكان معدل ذكائه هو 130، متجاوزًا 98% من سكان الأرض.

وحاصل الذكاء أو IQ هو مقياس لقدرة الشخص على التفكير، أي يفترض أن يقيس مدى جودة استخدام شخص ما للمعلومات والمنطق للإجابة على الأسئلة أو لعمل تنبؤات بسرعة. تبدأ اختبارات الذكاء في تقييم ذلك عن طريق قياس الذاكرة قصيرة وطويلة المدى. كما يقيس هذا الاختبار أيضًا مدى قدرة الأشخاص على حل الألغاز وتذكر المعلومات التي سمعوها ومدى سرعتهم في ذلك.

يساعد هذا الاختبار، على سبيل المثال، في معرفة المناطق التي يعاني منها الطلاب المرتبطة بالذكاء والاستيعاب مما يسمح لهم بالدخول في برامج تعليمية خاصة تركز على نطاق الضعف هذه. كذلك، يمكن أن يظهر هذا الاختبار أولئك الطلاب الذين يستحقون الدخول في برامج تعليمية متقدمة.

تحسين ظروف المعيشة.. وزيادة معدلات الذكاء

يرجح الباحثون أن زيادة معدلات الذكاء هذه ترتبط بحدوث تحسينات واضحة في مجالات الصحة والتغذية، وتحسين التعليم وظروف العمل، إلى جانب الوصول إلى التكنولوجيا المتطورة في الآونة الأخيرة. في القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، أدى نشأة التصنيع إلى خلق مدن كبيرة مكتظة بها صحة أسوأ وزاد فيها معدل الوفيات المبكرة، لكن تحسين ظروف الإسكان والصحة والأبوة والأمومة، إلى جانب زيادة فرص الحصول على التعليم المجاني والتقدم التدريجي من الوظائف اليدوية إلى الوظائف الأكثر تطلبًا من الناحية الفكرية، أدى إلى عيش الكثيرين حياة أطول وأكثر صحة.

تشير الأبحاث إلى أن مفهوم يطلق عليه اسم «تدرج معدل الذكاء والوفيات»، حيث يعيش الأشخاص الأكثر ذكاءً لفترة أطول، وتدعم الأبحاث في البلدان التي لم تشهد تنمية ما بعد الصناعة فكرة أن تحسين الوصول إلى التعليم والإسكان والتغذية هي العوامل الرئيسية التي أدت إلى زيادة معدل الذكاء.

على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2010، على بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، أن «تأثير فلين» لم يترسخ بعد هناك. بكلمات أبسط، لم يظهر تزايد في متوسط نتائج اختبار معدل الذكاء بشكل كبير في هذه المناطق، وذلك لأن ظروف الحياة لم تتحسن بشكل ملحوظ لعدد كبير من الناس.

لماذا إذًا ينخفض الذكاء في الغرب الآن؟

مما سبق، يفترض أن نقول إن البشر في الدول المرفهة الغربية تتراكم لديهم ظروف الرفاهية التي تعزز ازدياد معدلات الذكاء بين الأجيال بسرعة، بينما لا يحدث هذا في الدول الفقيرة والنامية، لكن، كانت هناك بعض التقارير عن انخفاض الأداء في اختبارات معدل الذكاء في بعض البلدان الغربية المتقدمة خلال الثلاثين عامًا الماضية. وبالتالي، هل من العدل أن نفترض أن البشر في الغرب وصلوا إلى ذروتهم في الذكاء مثلًا؟

من هنا، ظهر مفهوم «تأثير فلين العكسي»، والذي يشير إلى تباطؤ الاتجاه التصاعدي لزيادة متوسط درجات اختبار الذكاء في بعض المناطق ذات المستوى المعيشي المرتفع، فقد وجدت دراسة نرويجية عام 2018، أن الرجال الذين ولدوا قبل عام 1975، ظهر فيهم «تأثير فلين» المتوقع بمقدار ارتفاع في متوسط الدرجات بمعدل ثلاث نقاط لكل عقد من الزمن.

علوم

منذ 5 شهور
5 إخفاقات علمية تثبت لك أن الفشل لا علاقة له بمعدل الذكاء

لكن بالنسبة لأولئك الذين ولدوا بعد عام 1975، كان هناك انخفاض مطرد في معدل الذكاء، جعل هناك فجوة مقدارها سبع نقاط كاملة بين هذه الأجيال، إذ انخفض متوسط ​​معدل الذكاء بنحو 0.2 نقطة سنويًا منذ ذلك الوقت. لم تكن هذه الدراسة فريدة من نوعها، بل أظهرت دراسات أخرى أجريت بين عامي 2005 و2013 في المملكة المتحدة والسويد وفرنسا نتائج مماثلة.

السبب: تغير أسلوب التعليم

لم يتمكن العلماء من تفسير هذه النتائج بشكل قاطع لأن الأمر صعب ويدخل فيه عوامل متعددة. لكن البعض اقترح أن الأمر قد يرتبط بالتغييرات في طريقة تعليم الأطفال في المدارس. فخلال السنوات الماضية، شهدنا تحولًا كبيرًا في اتجاه بعيد عن قراءة الأدب والتعلم عبر أسلوب الحفظ القائم على التكرار، لنتجه إلى نهج حل المشكلات العلمي الجماعي، والذي يدرس الآن لمعظم الأطفال في الغرب.

في الغرب أيضًا، يدمج الآن أساليب التدريس المتمحورة حول الطالب مع المهارات الشخصية والعمل الجماعي جنبًا إلى جنب مع تشجيع الطلاب على فهم الرؤى العاطفية للآخرين. هذا النهج من التعليم يبرز وينمي طرق العمل بشكل أكثر ذكاءً وفعالية في المقابل، يمنح هذا النهج التعليمي تركيزًا بنسبة أقل على المهارات الفردية المطلوبة في اختبارات الذكاء. ربما يكون هذا هو السبب.

أحد الأسباب الأخرى المقترحة هو حدوث انخفاض في المعايير الغذائية. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، يعاني الكثير من الناس من أجل السير على الإرشادات الغذائية المناسبة، ونلاحظ أنه في كثير من الدول الغربية يرتفع نسب تناول الطعام غير الصحي.

كذلك، أشار البعض إلى فكرة ازدياد معدلات مجيء أشخاص نشأوا في ظروف شديدة الفقر وفي ظروف غير صحية ولم يتلقوا تعليمًا جيدًا، وهؤلاء يحتاجون وقتًا حتى يتأقلموا مع الظروف الجديدة. أضف إلى أنه لوحظ أن الأشخاص الأكثر ذكاءً يميلون لإنجاب عدد أقل من الأطفال.

هل الاختبار مناسب؟

هناك اعتبار آخر يحاول العلماء أخذه في الحسبان، لكنه لا يتعلق بالظروف المحيطة هذه المرة، بل يتعلق بالاختبار نفسه، فعلى مدار الخمسين عامًا الماضية، أثيرت أسئلة حول مدى ملاءمة اختبارات الذكاء، خصوصًا مع وصف البعض لها بأنها متحيزة وغير عادلة وغير مناسبة.

يأتي هذا في وقت نلاحظ فيه تضاؤل استخدام اختبارات الذكاء عند التقديم على الوظائف وفي المدارس، ومن المحتمل أن هذا الانخفاض في الاستخدام، جنبًا إلى جنب مع انخفاض عمليات التدريب على مثل هذه الاختبارات، قد أدى إلى ضعف الأداء عند استخدام اختبارات الذكاء.

هل البشر أكثر ذكاءً؟

نأتي هنا إلى السؤال الأساسي: هل يصبح البشر أكثر ذكاءً؟ الإجابة عن هذا السؤال يصعب تحديدها طبقًا لما ذكرناه. وكما أن ازدياد متوسط درجات اختبار الذكاء لا يؤكد أن كل البشر يزدادون ذكاءً، فإن متوسط درجات معدل الذكاء المنخفض ليست بالضرورة علامة على أن البشر أصبحوا الآن أقل ذكاءً، بل قد تكون إشارة إلى أن الدرجات المسجلة لمن يخوضون الاختبار أصبحت أقل فقط لا غير، في ظل حالة من البعد عن خوض الاختبار.

من المهم أيضًا التفكير في ما تقيسه اختبارات الذكاء فعليًا، وما لا تقيسه، بجانب تحديد معنى كلمة الذكاء نفسها وما نقصده منها. فاختبارات الذكاء ليست جيدة في قياس أشياء مثل قوة الشخصية وطبيعتها أو الإبداع أو الذكاء العاطفي والاجتماعي أو حتى الحكمة. هذه سمات قد يراها البعض أهم من اختبار الذكاء نفسه، ولا تعكسها درجات عالية يحصل عليها الشخص في اختبار الذكاء.

تشير هنا إحدى الدراسات التي أجريت عام 2012، إلى أنه بينما ترتفع درجات معدل الذكاء بمعدل ملحوظ، فإن الجينات المرتبطة بالذكاء لدى البشر قد تكون في تراجع، وتشير الدراسة أن ذكاء البشرية بلغ ذروته بين 2000 و6000 سنة مضت، وأنه يوجد ما بين 2000 إلى 5000 جين تتحكم في الذكاء البشري، وبالمعدل الذي تتراكم به الطفرات الجينية، فإنه خلال الثلاثة آلاف سنة الماضية، عانت البشرية جمعاء على الأقل من طفرتين ضارتين في هذه الجينات المحددة للذكاء، بحسب الدراسة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد