عقب احتجاجات شعبية انطلقت منذ يونيو (حزيران) مطالبة برحيل الرئيس المالي أبو بكر كيتا؛ نفّذت مجموعة عسكرية عملية انقلابية في 18 من أغسطس (آب) الماضي للإطاحة بالرئيس، وقد كثرت التكهّنات في الصحافة العالمية حول نوايا القيادة الجديدة ومدى جدّيتها في تسليم السلطة للمدنيين كما وعدوا؛ أو أن ما حدث لا يعدو أن يكون انقلابًا عسكريًا من أجل السيطرة على السلطة مثلما هي العادة في الدول الأفريقية. لكن تاريخ مالي القريب يعطي من جهة بارقة أمل حول إمكانية تحقيق انتقال ديمقراطي عبر الانقلابات العسكرية، بينما تبقى الحيطة والحذر هي سيّدة الموقف لدى قادة الحراك الشعبي الذي احتجّ طوال الصيف مطالبًا برحيل الرئيس السابق.

الاستثناء المالي.. الدبابة تأتي بالديمقراطية أحيانًا

لا ينبغي النظر إلى الحالة السياسية لدولة مالي من خلال نظّارات العالم العربي الذي شهد العديد من الانقلابات العسكرية الدموية، أدّت في معظم الحالات إلى تكريس أنظمة سلطوية معادية للحريات ورافق ذلك مجازر دموية، ومنها ترسّخت في الأذهان بأن الديمقراطية لا يمكن أن تأتي على ظهر الدبابّة؛ فالحالة المالية شهدت استثناءً فريدًا في القارة الأفريقية، وفي العالم أين كان للمؤسسة العسكرية دور في تكريس الديمقراطية، وذلك بعد الانقلاب العسكري الذي جرى في سنة 1991 ضد الرئيس موسى طراوري، إثر احتجاجات شعبيّة. 

قائد الحركة الانقلابية أسيمي جويتا

سنة 1991 كانت مالي تشهد مظاهرات شعبية حاشدة، شبيهة بتلك التي وقعت بها في صائفة 2020؛ ليقوم مجموعة من الضبّاط بتنحية الجنرال موسى طراوري عن السلطة بعد أن قضى في رئاسة البلاد 22 سنة، وقد استفزّت الدماء التي سقطت في المظاهرات بعد مقتل طلبة متظاهرين الشارع أكثر، لتتأجج الأوضاع أكثر وتنتهي بانقلاب عسكري أطاح بموسى طراوري بقيادة النقيب آمادو توماني توريه.

آمادو توماني توريه أو اختصارًا «آ تي تي» كما يلقّبه الماليّون كان قد تعهّد بتسليم السلطة للمدنيين، وبأن الجيش سيبقى بعيدًا عن السياسة، وهو التصريح الذي قد يبدو متوقّعًا بعد كل انقلاب؛ لكن المفاجأة التي صنعت «الاستثناء المالي» كانت انسحاب النقيب آمادو توماني توريه من السلطة بالفعل وتسليمه السلطة إلى حكومة مدنية، ليتحوّل في أعين الماليين إلى «أبو الديمقراطية» في مالي.

في نفس الوقت فإن العسكريين في مالي ليسوا ديمقراطيين بالضرورة، بل يمكن القول إن انقلاب آمادو توماني توريه يعدّ استثناء شديد الخصوصية في المنطقة؛ إذ إن انقلاب سنة 2012 لم يكن بنفس التوجّه، بل كانت له آثار سلبية على الأوضاع – المتدهورة أساسًا – في مالي. 

الحركة الانقلابية التي شهدتها مالي في أغسطس (آب) السابق؛ يتّضح أنها كانت مخطّطًا لها بإحكام من طرف النخبة العسكرية، إذ لم يتمّ الاعلان عن قادتها بشكل فوري، كما تجنّب العساكر أيّة أعمال قمعية، فلم يسجّل وقوع ضحايا بسبب الانقلاب وجرى اعتقال كبار المسؤولين في الدولة بطريقة سريعة. من جهة أخرى أعلنت «لجنة إنقاذ الشعب المالي» التي أنشأتها القيادة الجديدة، بأنها ستتعاون مع قادة الحراك الشعبي المتواصل منذ يونيو (حزيران) السابق، وقد التقوا الإمام محمود ديكو، الذي قاد – رفقة جمعيات من المجتمع المدني – المظاهرات المطالبة برحيل الرئيس السابق.

بعد أيّام من الانقلاب ظهر إلى السطح اسم آسيمي جويتا، قائد العملية العسكرية التي أطاحت بالرئيس ابراهيم أبو بكر كايتا؛ الشاب غير المعروف سواء في الداخل أو الخارج، والبالغ من العمر 37 أصبح رئيس لـ«لجنة الدفاع عن الشعب»، وهو قائد لفرقة القوّات الخاصة في وسط البلاد التي كانت في مواجهات مع الحركات الجهادية من 2015، وأجرى تدريبه في كل من الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا؛ والذي يقول عنه أحد قادة الحراك المدني الذي التقاه في إطار المفاوضات الجارية بين العسكر وقادة الحراك لتشكيل الحكومة بأنّه: «متواضع، ومستمع جيّد ومنتبه، وبالتالي موثوق». 

وتصف شخصيات ودبلوماسيون التقوا آسيمي غويتا، الذي يشغل منصب «لجنة إنقاذ الشعب»، أي الرئيس الفعلي، بالهدوء وتجنّب الأضواء والكاميرات، وأنه قليل الكلام والتعبير عما في نفسه وأنه رجل ميدان وعمليات عسكرية أكثر مما هو رجل سياسي؛ ورغم أنه حاول التسويق لشخصه بعض الشيء من خلال بعض الخروجات، مثل زيارة الرئيس السابق المعزول الذي يعاني المرض، ولقاءه بعض الشخصيات العامة؛ إلا أنه لم يتحدّث للإعلام إلا مرة واحدة دعا فيها إلى الوحدة، وتتذمر قوى الحراك التي كانت خلف مظاهرات الصائفة، العسكر بأنّهم «يريدون اختطاف عملية التغيير لوحدهم» وذلك بعد إلغاء لقاء كان مبرمج بين قادة الحراك والقادة العسكريين. 

كابوس انقلاب 2012 لا يزال في الأذهان

لا شك أن الانقلاب العسكري الأخير أعاد للأذهان ذكريات غير مبهجة، إذ إن الانقلاب الذي جرى قبل ثماني سنوات في 2012 كان له أثر شديد السوء على الأوضاع في مالي؛ إذ أنعش الحركات الجهادية التابعة لـ«تنيظم القاعدة» وغيرها من الحركات الجهادية، بالإضافة إلى «حركة أزواد» التي تدعو إلى الانفصال؛ خصوصًا أن ذلك الانقلاب قد جاء قبل أسابيع قليلة من انتخابات رئاسية، وقد فتح الباب إلى دخول فرنسا بقوة إلى الساحة المالية من خلال عملية «برخان» العسكرية، بالإضافة إلى قوات أوروبية ودولية.

 الجموع تحيّي الجنود التابعين للمجموعة العسكرية التي نفّذت الانقلاب

لكن المختلف في هذه المرّة حسب المتخصصين في الشأن المالي، هي أن الانقلاب لم تنفرد به مجموعة عسكرية واحدة، بل نسّقته العديد من الأجهزة؛ كما أن العسكريين يؤكدون الرغبة في تسليم السلطة لمدنيين، وتجري بالفعل مفاوضات بينهم وبين قادة الحراك. بالتوازي، يقوم القادة العسكريون الجدد بجولات ولقاءات مع السفراء والبلدان الكبرى؛ من بينها زيارة إلى الجزائر للقاء وزير الخارجية بوقادوم؛ وأكّدت الجزائر خلال اللقاء «عزمها على دعم مالي للخروج من هذه الأزمة».

ويرى المراقبون أن هناك نفورًا عامًا في الشارع المالي من السياسيين باعتبارهم عديمي الفائدة، وأن الأحزاب والشخصيات السياسية المدنية معزولة عن الشارع وهمومه وتسعى لمصالحها الخاصة، وهو ما يصبّ في مصلحة العسكريين والقادة الجدد؛ إذ إن قائد الانقلاب النقيب أسيمي جيوتا أضحى يتمتّع بشعبية معقولة في صفوف الشعب؛ بل إن هنالك أصواتًا في الشارع تنادي بأن يقود النقيب جويتا البلاد في المرحلة الحالية؛ وهو ما يعني تبدّد حلم تسليم السلطة للمدنيين وبقاءها في أيدي العسكر، لكن هذه المرّة، قد تكون بمباركة شعبية. 

من المؤكد أن التجربة الديمقراطية التي عاشتها مالي ما بين 1991 إلى غاية سنة 2012 جديرة بالدراسة والاهتمام، خصوصًا أنها تمثّل استثناءً أفريقيًا وعالميًا حين أدّى انقلاب عسكري إلى انتقال ديمقراطي وتداول على السلطة بطريقة سلمية، لكن هذه التجربة أيضًا كانت لها سلبياتها، إذ بقيت مالي تعاني من الفقر المدقع والتخلف وانتشار الأمية والتراجع الاقتصادي؛ وهو ما أدّى بالشارع المالي إلى عدم الاكتراث بالسياسة أو الشأن العام، ولذلك فإن الانقلاب الذي جرى سنة 2012 لم يحرّك الشارع لرفضه أو شجبه؛ مما أدخل البلاد في دوّامة من العنف من طرف الجماعات الجهادية والانفصالية؛ ما مهّد الطريق للتدخل العسكري الفرنسي والأوروبي. 

لحدّ الآن فإن الأسئلة تبقى مطروحة حول نوايا القيادة الجديدة، فمن جهة فإن «لجنة إنقاذ الشعب» تلتقي قادة الحراك والأحزاب وجمعيات المجتمع المدني وحتى الجماعات المسلّحة الموقّعة على «اتفاقية الجزائر»، من أجل الاتفاق على ورقة الطريق التي تدخل البلاد بموجبها مرحلة انتقالية؛ ومن جهة أخرى فإن الشارع، وجرّاء خيبات الأمل من العملية السياسية في السنوات السابقة وانتشار الفساد والمحسوبية في مؤسسات الدولة، أصبح يفضّل «الرجل القوي» الذي بإمكانه السيطرة على الموقف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد