قبل أيام نشرت المطربة الإندونيسية أندين صورة لها مع عائلتها وهم مكممو الفم، وعلقت على تلك الصورة بتوضيح أهمية غلق الفم أثناء النوم، والتنفس عبر الأنف، وفوائده الصحية للإنسان، وربما تكون لاحظت مضغ بعض لاعبي كرة القدم أو الألعاب الرياضية عامة للعلكة أثناء الركض، لما يشاع عن أهمية التنفس من الأنف للنفس الطويل، الأمر الذي يساعد عليه مضغ العلكة؛ لأنه يشغل الفم، ولا تسمح له بالتنفس فلا يتبقى للجسد سوى الأنف ليتنفس منه. ولكن بعيدًا عن تلك الاجتهادات الشخصية، علينا أن نسأل: علميًا.. هل يتنفس 90% من البشر خطأً؟

تلك الأشياء تخبرك أنك تتنفس بشكل خاطئ

قد تظن أن الأمر سهل، ولا يحتاج للتعلم أو التركيز، أو كما يقول بعض العرب «نفس طالع ونفس خارج»، ولكن حقيقة الأمر أن هناك طرقًا خاطئة في التنفس، وهناك طرق صحية للتنفس وهي التي تسمح للأكسجين بالوصول إلى أنحاء الجسم والعضلات. وفقًا لـ«جمعية الرئة الأمريكية»؛ فالتنفس عن طريق الفم في فصل الشتاء من أكثر الممارسات الخاطئة في التنفس، ووضحت الجمعية أن الإنسان الذي لا يخصص للتنفس وقتًا محددًا خلال اليوم، يعمل فيه على التنفس السليم دون أدائه لأي مهام أخرى فهو يعرض صحته للخطر. 

في إحدى الدراسات الطبية، وضح الباحثون أن الإهمال في عملية التنفس ليس الخطر الوحيد الذي قد يواجه الإنسان، بل الاهتمام المبالغ فيه بالتنفس قد يعرضه للخطر أيضًا، وعادة ما يتعرض لهذا الأمر ممارسو التأمل واليوجا، لأن التنفس العميق هو بوابة دخولهم لهذه التدريبات، ولذلك قد تجد البعض يتنفس بعمق مبالغ فيه وسرعة، ما يعرضه فيما بعد لتسارع قلبي، وتلك هي طريقة أخرى غير صحية للتنفس.

هناك عوامل عدة مرتبطة بقدرة الإنسان على التنفس الصحي، ومن أهمها وضعية الجلوس، خاصة في هذا العصر الذي يعمل فيه معظم البشر من أمام أجهزة الحاسب الآلي، والتي تفرض وضعية جلوس تساهم في الضغط على الأمعاء والحجاب الحاجز، وتشنج الرقبة والركبتين، الأمر الذي يحتاج للمزيد من التنفس الصحي حتى يصل الأكسجين إلى العضلات المتشنجة ويعمل على ارتخائها، ولكن الضغط على الأمعاء يمنع ذلك، ويسلب من الإنسان حوالي 30% من قدرته الطبيعية على التنفس، والجلوس ساعات طويلة يوميًا على تلك الشاكلة قد يضر بصحة الإنسان ضررً بالغًا.

ويحذر الأطباء البشر الذين يلجأون لشفط بطونهم للداخل، ونفخ صدورهم بغرض الظهور بمظهر أفضل أثناء التواجد في الأماكن العامة، خاصة النساء منهم، ما يعيق قدرتهم على النفس، وهذا الفعل لا يفرق في شيء عن خنق الإنسان لنفسه.

«تايم»: الطعام هو العلاج الأفضل على الإطلاق لهذه الأمراض

ومن الممارسات الخاطئة في التنفس، والتي يحذر منها الأطباء ومعلمو اليوجا، هي التنفس المستمر عن طريق الصدر، بينما يجب الإنسان أن يستخدم «التنفس البطني» لضمان وصول الأوكسجين إلى أنحاء الجسم، لأن التنفس الصدري لا يغذي سوى الجزء العلوي من الجسد بالأكسجين، فكيف تعلم إذا كنت تتنفس تنفسًا صدريًا أم بطنيًا؟ خذ نفسًا عميق الآن، ولاحظ جسدك، إذا انتفخ صدرك وتمدد للإمام فأنت تتنفس صدريًا، أما إذا انتفخت بطنك عن حجمها الطبيعي فأنت تتنفس عن طريق البطن وهي الطريقة الأصح.

منها زيادة الوزن.. أضرار التنفس الخاطئ

في كتابها « 14-Day Program to Improve Your Mental and Physical Health» توضح الطبيبة بيليسا فرانيش أن التنفس هو ما يمنح الأكسجين للجسم، والأكسجين هو الوقود الذي يمنح للبشر القدرة على مواصلة الحياة، وهذا الأكسجين لا تحتاجه الرئة فقط، بل تحتاجه خلايا المخ والعضلات، والتنفس السليم – توضح بيليسا – قادر على علاج الكثير من الأمراض المعاصرة، ويؤكد على تلك المعلومة الطبيب أندرو ويل عندما قال: «إذا اضطررت لقول نصيحة واحدة فقط من أجل صحة أفضل، فستكون أن يتنفس الإنسان تنفسًا سليمًا، وهو الأمر الذي لا يدركه معظم البشر».

عدم وصول الأكسجين الكافي للجسم يعرض الإنسان إلى أضرار جسدية ونفسية مثل متلازمة القلق المزمن وزيادة الشعور بالخوف من أبسط الأمور، والتقلبات المزاجية، وصعوبة النوم، وعسر الهضم الذي قد يؤدي بدوره إلى زيادة الوزن، وارتفاع نسبة الكورتيزول، والأخطر أنه – التنفس الخاطئ – على المدى الطويل قد يؤذي وظائف الدماغ التنفيذية؛ ما يؤدي إلى ضعف الإدراك وعدم القدرة على التركيز.

تشنج العضلات بداية من الكتف وحتى عضلات الأرجل من أكثر الأضرار التي تواجه الأشخاص الذين يتنفسون خطأ، ويعتبر هذا الضرر ضررًا مستديمًا، حتى أن البعض يعيشون بعضلات متشنجة، ولا يدركون ذلك إلا بعد تنفسهم تنفسًا سليمًا ليتفاجأوا براحة جسدية لم يختبروها من قبل.

«التنفس البطني».. عندما يصبح التنفس علاجًا

التنفس البطني هو الوسيلة الأصح للتنفس لدى البشر، وإن لم يستطع الإنسان ممارستها يوميًا أثناء حركته أو قيامه بمهام عمله، فعليه تخصيص وقت لهذا التمرين، وعليه أن يفعل هذا يوميًا، وفي خلال ثلاثة أسابيع – تؤكد الطبيبة بيليسا فرانيش – يلاحظ الإنسان التغييرات الصحية التي طرأت عليه نتيجة اتباع تمارين التنفس البطني.

إذا كنت تريد التنفس من خلال بطنك وأنت مستلق على ظهرك يفضل وضع شيء خفيف على المعدة، وإذا رأيته يصعد ويهبط أمام عينك؛ فأنت تمارس تمرين التنفس البطني ممارسة سليمة، في بداية ممارستك لهذا التمرين أيضًا قد تشعر بدوار خفيف وهذا علامة على أن جسدك بدأ في استقبال الأكسجين فلا تفزع من ذلك، وتمرين التنفس البطني بسيط جدًا ويعتمد على شهيق الهواء من الأنف أثناء غلف الفم، وتمريره من القفص الصدري للمعدة دون تخزينه في الرئتين، والعد مرتين فقط، ثم الزفير من خلال فتحة صغيرة بالفم وإرخاء اللسان.

هذا التمرين رغم بساطته يمنح الجسم كمية كافية من الأكسجين، وله العديد من الفوائد، أهمها مساعدة الإنسان على الاسترخاء، وخفض الآثار الضارة لهرمون الكورتيزول، وخفض معدل ضغط الدم، والتغلب على أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة. وهو يعالج أيضًا تشنج العضلات، خاصة عضلات الكتف والرقبة ما يساعد على تقليل فرص الإصابة بتلف العضلات، ويعالج الأرق، ويساعد على خفض نسبة السكر في الدم، ويعزز إفراز هرمون السيروتونين والذي يطلق عليه هرمون السعادة، وهو لا يمنح الإنسان مزاجًا جيدًا فقط، بل يقلل رغبته في تناول الكربوهيدرات المصنعة، وغيرها من الوجبات السريعة، ويقوي ذاكرة الإنسان وقدرته على التركيز.

ولذلك عندما اختصر الطبيب أندرو ويل نصائحة الطبية في نصيحة واحدة وهي التنفس السليم؛ فهو لم يكن يبالغ في الأمر، فكل هذه الفوائد السابقة يترتب عليها المزيد من الفوائد، إذا تتبعت أثر كل واحدة منها وعلاقتها بباقي أعضاء الجسم البشري، فمثلًا زيادة هرمون السيروتونين قد تساعد مرضى الاكتئاب والقلق المزمن في التخلي عن العقاقير الطبية النفسية، والتي لها أعراض سيئة على الأعصاب وعضلة القلب، والنوم الصحي يساعد على تحسين وظائف المخ.

ولتلخيص الأمر تخيل أن تنفسك الخاطئ يشبه وضع يدك على عنقك ومحاولة خنق نفسك، فأنت لا تفعل هذا مباشرة، ولكن نفس التأثير بالضبط يقع عليك حينما تحرم جسدك من كمية الأكجسين التي يحتاجها من خلال التنفس الصحي السليم.

كيف تقيم علاقة عاطفية ناجحة مع شخص يعاني من اضطراب القلق؟

المصادر

s