كُلٌ منا لديه بعض الأصدقاء المُتهكمين، الذين لا يتركون شيئا إلا ونالوا منه، وانهالوا عليه بالسخرية. أو قد نكون نحن مَن نمتلك هذه الموهبة. نعم فقدرة الشخص على السُخرية من الأوضاع المحيطة به، أو من مواقف بعينها تُعتبر موهبة. حيث أثبتت العديد من الدراسات أن هؤلاء الأشخاص الذين لديهم القدرة على السخرية والتهكم، أذكى وأكثر إبداعًا من غيرهم، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل خلال هذا التقرير.

إذا فما هي السخرية؟

 

بعض الناس يفسر السخرية على أنها وسيلة قيمة للتعبير عن الاستياء، أما البعض الآخر فيفسر السخرية على أنها سلوك وقح وغير مهذب. حيث تتمثل في قدرة الشخص على التعبير عن رأيه في موقف معين، أو استيائه من شيء ما، مستخدمًا في ذلك حسه الفُكاهي، وروحه الدُعابية. حيث نتعرف على السخرية دائمًا من لهجة الشخص، وتلاعبه في التواءاته الصوتية.

المُبدع الساخر «جون لينون» كان يرى أن السخرية لا تقتصر فقط على كونه مُضحكًا، بل كان مُقتنعًا بأنها وسيلة فعالة لمساعدة الآخرين على رؤية حقيقتهم الخاصة. فالسخرية تجعل الشخص يسأل نفسه هل هو على صواب أم لا، مما يدفعه لاكتشاف حقيقته الدفينة.

اقرأ أيضًا: لماذا قد يصبح الانطوائيون أكثر نجاحًا من غيرهم؟ 8 أسباب توضح لك

 

السُخرية أعلى أشكال الذكاء

 

في دراسةٍ حديثةٍ أجرتها جامعتا هارفارد وكولومبيا لإثبات مدى ارتباط السُخرية بالذكاء، وهل تُزيد معدل الذكاء والإبداع أم لا، تفاعل العُلماء مع عينة عشوائية من البشر، قسَّموهم إلى ثلاث مجموعات: إحداهم عبرت عن نفسها بسخرية، والثانية قامت بالتعبير بصورةٍ جادةٍ، أما المجموعة الثالثة فتبنت الاتجاه المحايد. ومن ثم توجيههم للقيام بالعديد من المهام التي تتطلب الإبداع في أدائها.

وأوضحت النتيجة أن المجموعة التي عبرت عن نفسها بسخرية، كانت أكثر إبداعًا من المجموعتين الأخيرتين. حيث كانوا قادرين على تعزيز قدراتهم الإبداعية عند مواجهة المشاكل المختلفة، وكانت لديهم القدرة على التفكير المجرد، والتوصل إلى حلول فعالة، واتخاذ محاور مختلفة لحل تلك المشاكل.

هل تزيد السُخرية معدل الإبداع للساخر أم المُتلقي؟

 

السبب الرئيسي في الاعتقاد بأن السُخرية ترتبط بالذكاء في المقام الأول، هو قيام الشخص الساخر بالتفكير خارج الصندوق لاستخلاص النتائج ومن ثم التعبير عن رأيه. لأنه يقوم بتخفيف حدة الجدال، وفظاظة الرأي، عن طريق صياغته بطريقة فكاهية خفيفة. ولذلك فتلتزم السخرية من شخص ما درجة معينة من الثقة حتى لا ينتهي الأمر في النهاية إلى الصراع.

تعتمد السخرية على الالتواءات، مما يتطلب من الناس تفكيرا أكثر إبداعًا، وسرعة بديهية حتى يكونوا قادرين على فهم المغزى من السخرية. حيث تعتبر السخرية عملية مجردة تعتمد على التفكير الإبداعي، وتشغيل الدماغ لمعالجة المعلومات. وبالتالي فتعمل السخرية على زيادة معدل الذكاء والإبداع لكلٍّ من الطرفين؛ الساخر، والمُتلقي.

فالشخص الساخر لديه الذكاء والإبداع للقيام بتعليقه الساخر، مما يدفع المُتلقي إلى التفكير خارج الصندوق أيضًا، حيث يستجمع حواسه ويقوم بدمج تعابير وجه الشخص الساخر، ونغمة صوته، ومن ثم معالجتهما للتعرف على مدى السخرية، وفهم المعني الحقيقي منها، ومن ثم القيام برد الفعل.

 

أبحاث أخرى

لم تقتصر الأبحاث على الدراسة السابقة فقط، فهناك العديد من الدراسات التي أثبتت في النهاية أن السخرية تُعتبر من أعلى أشكال الذكاء، وأن الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على السخرية هم أذكى من غيرهم وأكثر منهم إبداعًا للعديد من الأسباب التي يُمكن اختصارها في الآتي:

1. لديهم عقول أكثر حدة

 

تتطلب السخرية تفكيرًا عميقا، فالرد على موقف معين بسخرية يتطلب طبقة إضافية من التفكير وإعمال العقل في وقتٍ محدود، حيث وجد الباحثون في جامعة كاليفورنيا، أن الأشخاص غير القادرين على كشف السخرية، والتعامل معها أقل قدرة على الاستيعاب والتفكير العميق، بل إنهم أكثر عرضة لاضطراب المخ وتدهوره على المدى البعيد. بينما الأشخاص القادرين على السخرية والتهكم لديهم أدمغة أكثر حدة، حيث يستطيعون الوصول إلى مراحل متقدمة من التفكير في وقتٍ ضيق. بل إن عقولهم تكون أكثر صحة ونشاطًا، وكذلك أكثر حدة ووضوحًا، فالسخرية تعمل على تعزيز صحة الدماغ، وزيادة نشاطه مما يجعل هؤلاء الأشخاص أكثر ذكاءً وإبداعًا.

2. تعليقاتهم ذات معانٍ مزدوجة

 

الساخرون لديهم القدرة على مزج الإهانة بالسخرية والضحك. فدائمًا تجعل ملاحظاتها ذات معانٍ مزدوجة، تعليقاتهم في الغالب تحمل الإهانة، لكنها في الوقت ذاته تبدو مضحكة وفكاهية.  وإن لم يكن المتلقي على درجة عالية من الإبداع، ويمتلك القدرة على التفكير العميق، قد لا يستطيع كشف الإهانة الخفية في باطن التعليق المُضحك. وهذا ما يجعل الأشخاص الساخرة يمتلكون القدرة على معالجة المعلومات وتحليلها.

3. يَرون ما يُخفيه الآخرون

يتميز الأشخاص الساخرون بقدرتهم الخارقة على فهم المشاعر والحالة الذهنية للآخرين. حيث يستطيعون كشف ما يُخفيه الأخرون بداخلهم. فوفقًا لأحد الأطباء النفسيين بجامعة «حيفا»؛ أن فهم الحالة العاطفية والعقلية للآخرين ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على السخرية. فالشخص الذي لديه القدرة على السخرية يلعب دور قارئ الأفكار، يستطيع فهم الحالة العاطفية والنفسية للآخرين، مما يمده بالقدرة على كشف ما يخفونه، مما يجعله أكثر ذكاءً.

4. لديهم سرعة بديهة وقدرة فائقة على حل المُشكلات

 

من الأسباب الرئيسية التي تجعل الساخرين أذكى من غيرهم هي قدرتهم الفائقة على حل المشكلات. فوفقًا للدراسة التي أجريت بواسطة جامعتي هارفارد وكولومبيا، لدى الساخرين سرعة بديهة عالية، وقدرة فائقة على التفكير العميق، ومن ثم استخلاص المعلومات ومعالجتها، مما يساعدهم في الوصول إلى الحلول الإبداعية الأمثل للمشكلات التي تواجههم. فأدمغتهم تعمل بطريقة متميزة تُمكنهم من إيجاد الحلول المبتكرة في وقتٍ قصير، وهي الحلول التي قد لا يتوصل إليها الشخص العادي، للتعامل مع المواقف الصعبة.

5. لديهم مهارات اجتماعية ولغوية كبيرة

 

يتميز الساخرون ببراعتهم في استيعاب المعلومات ومعالجتها. حيث يمتلكون طريقتهم في التعامل مع الكلمات، وبالتالي طريقة العرض المميزة، التي تجذب انتباه الاخرين. حيث يستطيعون عقد محادثات مطولة مثيرة للاهتمام دون فقد الآخرين تركيزهم. فوفقًا لـ«جون هيمان» اللغوي في كلية «ماكالستر»، السخرية هي اللغة الأساسية عمليًا لمجتمعنا في الوقت الحالي، فالساخرون لديهم القدرة على إبقاء الحوار مستمرًا دون تشتيت المستمعين مما يميزهم عن غيرهم، ويجعلهم أكثر ذكاءً وإبداعًا.

6. هم أكثر استقرارًا عاطفيًا

 

أثبتت إحدى الدراسات أن السخرية تعمل على خفض معدل التوتر، والغضب، والمشاعر السلبية الأخرى؛ فالساخرون أذكياء بما يكفي لعدم أخذهم الأشياء على محمل الجد، حيث يتقبلون ما يُوجه لهم من تعليقات، وآراء برضا وسخرية، مما يجعلهم أكثر استقرارًا في مشاعرهم، ويمدهم بالسلام الداخلي والراحة النفسية.

اقرأ ايضًا: ما هي القوة السحرية للعناق التي تُغنينا عن زيارة الطبيب؟

7. يجعلون مَن حولهم أكثر ذكاءً

تُجبر الطريقة المُركبة التي يُفكر، ويتواصل بها الأشخاص الساخرون، المحيطين بهم على إعمال العقل بصورة أكبر حتى يستطيعوا فهمهم والتواصل معهم. ومن هنا اكتُشف مدى تأثير الأشخاص الساخرين على أدمغة الناس من حولهم، فأدمغة البشر تأخذ ثلاث مراحل متتالية لتستطيع فهم السخرية والتهكم، وبالتالي فالتواصل بصورة شبه مستمرة مع الساخرين، يُجبر عقول المحيطين بهم على تدارك المراحل الثلاث للتفكير بسرعة فائقة، مما يجعلهم أذكى مما هم عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد