من قاعدة عملياته في شرق ليبيا، أطلق الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر قبل سبعةٍ أشهر، معركة الانقضاض على طرابلس من الشرق والغرب في آن، متوقعًا حصد انتصاراتٍ سريعة في معركة الوقت، ومُراهنًا على تحييد الوحدات الرئيسة لميليشيات حكومة الوفاق عند احتدام المواجهة أو الانضمام إليه، لكنّ جُل تقديراته السياسية والعسكرية كانت خاطئة؛ فبدلًا عن أن يحسم الحرب في أسبوعين كما قال ووعد، بقيت قواته عالقةً على أطراف العاصمة في حرب استنزافٍ طاحنة، وفشلت في إحراز أية انتصارات فارقة تُمكنه من التفاوض فيما بعد، وعلى مساحة كان اسمًا آخر يزداد انتشاره، هو عارف النايض.

انكسار حملة حفتر على أسوار العاصمة لم يكن متوقعًا من قبل الداعمين الممولين للحرب (مصر والإمارات والسعودية وفرنسا) – بحسب اتهامات حكومة الوفاق – لكنّ احتراق الورقة العسكرية دفع تلك الأطراف إلى استئناف معركةِ جديدة على المستوى السياسي تبدأ بتشكيل حكومة موازية في الشرق الليبي برئاسة سفير ليبيا السابق لدى الإمارات، عارف النايض، لإضفاء شرعية جديدة على الجنرال الليبي في حال انتهت الحرب على طرابلس بالانسحاب.

هذا التقرير يشرح لك ملامح الصراع السياسي الجديد الذي ترسمه الإمارات بعد حفتر، عبر رجل الدين، عارف علي نايض، الطامحُ منذُ أمدٍ بعيدٍ في رئاسة ليبيا، والذي يروج لنفسه باعتباره الحل الأوحد لإعادة الاستقرار.

مهندس فتوى حمل السلاح والخروج على القذافي

لوالدٍ كان قريبًا من رأس النظام الليبي عبر شركته التي عملت في بناء القواعد العسكرية، وجد رجل الدين «عارف علي النايض» نفسه في عائلةٍ تصنع جزءً من النفوذ الإمبراطوري الذي كان يراود القذافي عبر تنفيذ معظم مشاريع البنية التحتية في الستينات والسبعينات، لكن الامتيازات لم تدم طويلًا حتى سقطت الشركة برمّتها تحت التأميم عام 1978، وبعد انتهاء دور الأب برز الابن الذي درس الهندسة في الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا، ثم توجه لدراسة الأديان والعقيدة، قبل أن يُعلن عن نفسه داخل ليبيا عبر نشاطاته الخيرية التي أصبحت واجهته السياسة فيما بعد.

وعقب اندلاع الثورة الليبية في فبراير (شباط) عام 2011، كان الخوف من تكرار السيناريو الذي حدث في تونس ومصر دافعًا كافيًا للقذافي لاستخدام الحل العسكري، ليقابل ذلك عارف النايض صاحب اللحية المشدودة والبدلات العصرية، بتأسيس «شبكة العلماء الأحرار» التي ضمت علماء الشريعة المُعترف بهم داخل ليبيا، وأسست لفتوى حمل السلاح والخروج على القذافي، وبعد ثمانية أشهرٍ من القتال، قُتل القذافي، لكنّ الكتائب والميليشيات رفضت تسليم أسلحتها، واتحدّ بعضها في كيانات موازية للجيش عُرفت باسم «حُرّاس الثورة»، وبدأت مرحلة جديدة رسم السلاح وحده معالمها طيلة ثماني سنوات قادمة.

بعد بروز اسم عارف النايض في المشهد السياسي الجديد، روّج عالم الدين لنفسه عبر أفكاره التي نادت بإمكانية تعايش المسلمين في ظل دولة ليبرالية علمانية، إضافة إلى تأكيد على أنَ لديه صديقات ماركسيات، وأصدقاء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وهي إستراتيجية نجحت في جذب أنظار الدول الأجنبية الفاعلة في المشهد الليبي كوجه مقبول يمكن استخدامه فيما بعد؛ وعبر صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أعلن عدم اهتمامه بالمناصب السياسية، ورغبته بالعودة للتدريس ودعم المشاريع التنموية بليبيا، لكنّ وعوده ما لبثت أن تلاشت وأصبحت محض مناورة.

عارف النايض الذي جمعته علاقة بالإمارات وتركيا، أسس مكاتب الدعم والمساندة للفريق التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي الليبي، وأعلن دعمه اللا محدود لرئيسه الليبرالي محمود جبريل، الذي أصبح رئيسًا للحكومة الانتقالية فيما بعد، ويتّهمه معارضوه من حكومة الوفاق بأنّ الإمارات طلبت من جبريل تعيينه سفيرًا لديها، لكن دوره الفعلي كان أكبر مما أراد هو.

يقول الصحافي الليبي عبد السلام الراجحي لـ«ساسة بوست»: «لم يقتصر دور عارف النايض على منصبه الدبلوماسي؛ فرئيس الحكومة الانتقالية آنذاك الذي تجمعه شراكة مع النايض عبر شركة «أجاثون» المتخصصة بالتعاقدات في قطاع البنوك والنفط، المسجلة بالإمارات»، يُضيف: «النايض أصبح المسؤول عن ملف التعامل مع شركات النفط، إضافة إلى مناصبه الأخرى التي تمثلت في رئيس فريق استقرار ليبيا، ومسؤول مشاريع توفير الوقود، والمسؤول عن ملف انتهاكات حقوق الإنسان».

وفي الوقت الذي احتل فيه الإنفاق على المجال البحثي حيزًا كبيرًا من المساعي السعودية والإماراتية لتدعيم طموحات ورؤى الدولتين المضادة لثورات الربيع العربي، أسس النايض بدعمٍ إماراتي مركز «ليبيا للدراسات المتقدمة» في دبي عام 2012، إضافةً إلى مركز «كلام للبحوث والإعلام» عام 2013 في طرابلس.

وبعد خمس سنواتٍ من الثورة واجهت فيهم ليبيا تمدد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، إضافة إلى الأزمة السياسية التي قسمت البلاد بشأن تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام – الحكومة الانتقالية – قبل أن تشهد البلاد محاولة انقلاب عسكري فاشلة قادها حفتر الذي فشل في دخول طرابلس. في تلك الأثناء كانت الخطة البديلة للإمارات هي دفع عارف النايف لتصدر المشهد عبر انقلاب سياسي ناعم عن طريق دفع اسمه لمنصب المجلس الرئاسي، لكنّ اسمه قوبل بالرفض من الإسلاميين الذين ناصبهم العداء.

قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

مسؤول عمليات تهريب صفقات السلاح إلى حفتر

برز الدور الفاعل لعارف النايض في التحرك النشيط الذي يقوم به ضد الإسلاميين، فبعد استقالته من منصبه سفيرًا في أبوظبي عام 2016، أصبح النايض هو رجل الإمارات ومنفذ سياساتها ضد حكومة الوفاق في طرابلس، بدايًة بلقاءه القيادي السابق بحركة فتح الفلسطيني محمد دحلان خلال اجتماع بالعاصمة الأردنية عمّان لتنسيق حملة إعلامية الوفاق، مروًا بتأسيس قناة «ليبيا روحها الوطن إتش دي»، بتمويلٍ إماراتي بلغ أكثر من 25 مليون دولار، وذلك بحسب دراسة إعلامية أعدها صحافيون ليبيون في عام 2016.

التسريبات تحكي فصلًا آخرًا من الدور الخفي الذي يلعبه رجل الدين، فعبر تسجيلاتٍ بثها ناشطون على مواقع التواصل، ظهر صوت عارف النايض وهو يحث أحد قادة كتيبة القعقاع التابعة لحفتر على اغتيال شخصيات بعينها؛ ومنها وكيل وزارة الدفاع لحكومة الإنقاذ آنذاك خالد الشريف، المسؤول العسكري حاليًا عن الجماعة الإسلامية التي تقاتل إلى جانب حكومة الوفاق.

ومنذ أواخر عام 2014 عمل السفير الليبي في الإمارات جنبًا إلى جنب مع رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا «برناردينو ليون» الذي مثلت وظيفته إيجاد صيغة تفاهم بين قوات حفتر المدعومة من مجلس النواب في طبرق، وبين حكومة الوفاق المدعومة بالفصائل الإسلامية، لكنّ التسريبات التي نشرها مجهول من بريد المبعوث الدولي كشفت دور الإمارات في خرق الحظر الدولي وشحن الأسلحة إلى حفتر، وكشفت أيضًا مفاجأة كبرى بالوظيفة الحقيقة التي كان يشغلها عارف النايض.

كان السفير الليبي في أبوظبي – بحسب الوثائق – هو أحد أهم الوسطاء السريين في سلسلة إتمام صفقات السلاح لصالح حفتر، إذ يقوم السفير بتسلُّم طلبات السلاح من طبرق والحصول على الموافقات عليها من أبوظبي ومن ثم إدخالها سرًا إلى الشرق الليبي، ويذكر المبعوث الأممي السابق بوضوح في رسالة موجهة إلى أبوظبي يقول فيها: «إن كافة مقترحاتي وتحركاتي تتم بعلم مجلس النواب، أو بتدبير منها في حالات كثيرة، وكذلك بعلم عارف النايض ومحمود جبريل».

والدور الجديد الذي لعبه النايض، تمثل في التحالف مع أنصار القذافي، وإعلانه العام الماضي ترشحه للانتخابات الرئاسية، وهو العرض الذي تكرر حاليًا تزامنًا مع تكهنات باضطلاع الإمارات لتجهيز دور بديل له بعد احتراق الورقة العسكرية لحفتر.

دعم «حفتر» ليس سلاحها الوحيد.. أدوار جديدة للإمارات في ليبيا 

النظير المدني لحفتر وغطاؤه السياسي الجديد

وفي الوقت الذي تفشل فيها مدفعية قوات حفتر على إسقاط طرابلس وإخضاعها، يخوضُ النايض وحده اجتماعاتٍ مع إدارة ترامب بهدف إعادة النظر في سياستها تجاه ليبيا، وعالم الدين الليبي يروج لنفسه باعتباره زعيمًا سياسيًا انتقاليًا لليبيا بعد حفتر، ويصوّر نفسه على أنه خيار التوافق الذي سيكون قادرًا على الجمع بين الفصائل القبلية في ليبيا تحت ما يسمى «حكومة الوحدة الوطنية».

ونايض المُقرب من حفتر لا يُخفي تأييده التدخل العسكري المصري لبلاده من أجل القضاء على جماعة الإخوان المسلمين، وإسقاط حكومة الوفاق الليبرالية المتحالفة مع الميليشيات الإسلامية، لكنّه وعلى خلاف الجنرال الليبي الذي يسعى لإقصاء الجميع لصالحه، يسعى عارف النايض إلى حل سياسي للقتال من أجل التوصل إلى سياسة إستراتيجية في ليبيا. يقول النايض في حديثه لصحيفة «إيجيبت توداي» المصرية والناطقة باللغة الإنجليزية: «لم أوافق أبدًا على فكرة إزالة أعضاء النظام الليبي السابقين من المشهد السياسي لأنه ليس عدلًا»، وسبق له أن دافع عن نجل القذافي ورفض محاكمته بالخارج.

ومن جانبٍ آخر حكومة الوفاق تنظر لغريمها على أن الغرض من إعلان ترشحه للرئاسه، وإطلاقه مشروع تشكيل حكومة موازية في الشرق هو إرجاع مسار سياسي جديد يتجاوز ما تسميه مآسي العدوان على العاصمة، عبر إظهار واجهة سياسية جديدة، من أجل الشروع في عملية تفاوضية تتجاوز خسائر حفتر من هجومه العسكري.

وسبق لتقارير إعلامية نشرت تسريباتٍ عن خلافاتٍ بين القاهرة وأبوظبي؛ بسبب رغبة الأخيرة في الاستغناء عن خدمات حفتر، والاستعانة بعارف النايض في المرحلة المقبلة بعدما ثبت أنّ الدعم العسكري الطائل لم يُحقق رغبة كلا البلدين في فرض رؤيتهما السياسية، وتنتهج القاهرة دعم دعم حفتر كونه شخصية عسكرية بالأساس، مثلما دعمت المجلس العسكري في السودان.

ويعوّل النايض على إنجاح مشروعه في ترويجه لنفسه بامتلاكه رصيدًا من العلاقات مع مختلف القبائل، إضافةً إلى علاقاته الخارجية التي منحها له منصبه السابق سفيرًا لليبيا في الإمارات، والأهم أنه يستند إلى مشروعٍ رئاسي «ليبيا 2023» الذي أطلقه عبر مركز «ليبيا للدراسات المتقدمة» ضمن رؤية مدعومة بالمال الخليجي.

«واشنطن بوست»: هل ستشهد ليبيا عودة «داعش» قريبًا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد