تفجير السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية «بوينس آيرس« عام 1992، وبعدها بعامين مركز الرابطة اليهودية، والذي اعتبر الأكثر دموية وعنفًا، فتح الباب واسعا أمام نوايا إيران، و«حزب الله» المدعوم من قبلها بعد اتهام الأوساط الأرجنتينية بالضلوع فيها.

تفجير السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية «بوينس آيرس» عام 1992، وبعدها بعامين مركز الرابطة اليهودية، والذي اعتبر الأكثر دموية وعنفًا، فتح الباب واسعًا أمام نوايا إيران، و«حزب الله» المدعوم من قبلها بعد اتهام الأوساط الأرجنتينية بالضلوع فيها.

منذ ذلك الوقت أخذت السلطات الأرجنتينية تصدر تهمًا تلو الأخرى ضد إيران، أبرزها نشر شبكات «إرهابية» وتنفيذ عمليات قتل، إلى جانب إخفاء حقائق التفجيرات، وإقامة خلايا استخباراتية في معظم دول أمريكا اللاتينية، فتقابلها الأخيرة بالرفض.

طبيعة التهم، وبدايات التواجد الإيراني داخل أمريكا اللاتينية بشكل عام والأرجنتين على وجه الخصوص، إلى جانب الأهداف الكامنة وراء ذلك، هي أبرز ما يتناوله التقرير الآتي:

أولًا: تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين

الجدير ذكره أن السفارة داخل العاصمة الأرجنتينية باتت مركزًا سياسيًّا واجتماعيًّا لـ إسرائيل« ودبلوماسييها، ومعقلًا رئيسيًّا للجالية اليهودية، إلا أنه في السابع عشر من مارس (آذار) عام 1992، انفجرت سيارة شحن مفخخة بجانب مبنى السفارة، وقتل حينها 29 شخصًا وجرح حوالي 300 آخرين.

اتهمت المُخابرات الإيرانية وقتها بتدبير التفجير في سياق سعيها لضرب المصالح الإسرائيلية في الخارج، وكعقوبة للأرجنتين على تراجعها عن صفقة تكنولوجية مع إيران استجابة للضغوط الأمريكية.

السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين بعد الهجوم

وسرعان ما أعلنت منظمة الجهاد الإسلامي التابعة لحزب الله اللبناني والمدعومة من إيران مسؤوليتها عن التفجير، كرد على مقتل زعيمها عباس الموسوي، ونجله في هجمة جوية إسرائيلية في فبراير 1992.

فيما لفتت تحقيقات السلطات الأرجنتينية على لسان النائب العام سابقًا، ألبرتو نيسمان، إلى أنه قبل عام من مقتل الزعيم علقت الحكومة الأرجنتينية شحن المواد الخام النووية إلى طهران بسبب ظهور بعض المؤشرات على عدم سلمية برنامجها النووي.

فسرت حينها الأرجنتين تورط إيران في عملية تفجير السفارة الإسرائيلية كرد فعل من الأخيرة على رفض الحكومة الأرجنتينية التعاون معها في برنامجها النووي، ليبدأ الوجود الإيراني حينها يتغلغل في دول أمريكا اللاتينية، وليس الأرجنتين فحسب.

ثانيًا: تفجير المركز الثقافي اليهودي في الأرجنتين

كان ذلك عام 1994 حينما قاد شخص سيارة محملة بما يقرب من 400 كيلوجرام من المتفجرات لضرب المركز الثقافي اليهودي، حيث اعتبر الهجوم الأكثر دموية وعنفًا ودمارًا في الأرجنتين، أدى إلى مقتل وإصابة العشرات.

وقتها سارعت التحقيقات الأرجنتينية إلى إشارة أصابع الاتهام لإيران و(حزب الله)، عبر مساعدة المخابرات الأمريكية في إثبات مكالمات تلفونية تؤكد تخطيط أحد أعضاء الحزب لذلك التفجير.

إلا أن إيران نفت تورطها في قضية تفجير المركز اليهودي، لكن قاضيًّا أرجنتينيًّا أصدر مذكرة اعتقال دولية ضد الرئيس الإيراني الأسبق (أكبر هاشمي رفسنجاني)، وثمانية مسؤولين إيرانيين سابقين لعلاقتهم بالتفجير.

وطلب القاضي (رودولفو كانيكوبا كورال) من الحكومة الإيرانية والإنتربول تسليم الرئيس الإيراني الأسبق بموجب مذكرة صدرت (لارتكابه جرائم ضد الإنسانية) في التفجير الذي استهدف مقر الجمعية التعاونية الأرجنتينية اليهودية.

رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا فرنانديز

رفضت إيران توجيه الاتهام لها، مع رفضها التعاون في تسليم الرئيس الأسبق رفسنجاني الذي يتولى حاليًا منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في الجمهورية الإسلامية.

في السنوات القليلة الماضية دافعت رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا فرنانديز، عن الاتفاق الذي أبرمته بلادها مع إيران لتشكيل لجنة تحقيق، ضمن خطوة اعتبرت الطريق لحل القضية، حيث حصلت عام 2007 على أمر اعتقال من الإنتربول بحق خمسة إيرانيين، بينهم الرئيس السابق.

وقبل عام من الآن وجهت النيابة العامة في الأرجنتين الاتهام رسميًّا لرئيسة البلاد كيرشنر بالتدخل لمنع محاكمة مسؤولين إيرانيين في قضية تفجير مركز يهودي في العاصمة بيونس آيرس.

ثالثًا: اغتيال المدعي العام «ألبرتو نيسمان«

قتل المدعي الذي كان يحقق في تفجير المركز اليهودي في العاصمة الأرجنتينية أثار جملة من التساؤلات حول خلفية قاتليه، إذ سارعت السلطات باتهام المخابرات الإيرانية بتنفيذه، بعدما عثرت على المدعي مقتولا في منزله برصاصة في الرأس.

اعتمدت الأرجنتين في اتهامها لإيران، بأن المدعي المقتول كان قد اتهم الأخيرة في تحقيقاته بتفجير المركز الثقافي اليهودي، بنشر شبكات «إرهابية» في أمريكا اللاتينية، منذ ثمانينات القرن الماضي، وأنه سيرسل نتائج تحقيقاته إلى المحاكم في البلدان المعنية.

رابعًا: نشر خلايا «إرهابية»

في العام الماضي، وجه مدعٍ أرجنتيني اتهامات لإيران بإنشائها شبكات (إرهابية)، في أمريكا اللاتينية، يرجع تاريخها إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث كتب وقتها وثيقة من 500 صفحة، استشهد فيها بما قال إنها أدلة على «شبكة الاستخبارات والإرهاب» الإيرانية في الأرجنتين، والبرازيل، وباراغواي، وأورغواي، وتشيلي، وكولومبيا، وغويانا، وترينيداد، وتوباغو، وسورينام، بالإضافة إلى بلدان أخرى.

الرئيس الإيراني الأسبق، أكبر هاشمي رفسنجاني

وقبل الوثيقة، كانت الأرجنتين قد اتهمت إيران وحزب الله بتكوين شبكات استخباراتية في قارة أمريكا الجنوبية منذ ثمانينيات القرون الماضي، تسعى من خلالها إلى تصدير ما يسمى الثورة الإيرانية داخل القارة، فضلًا عن تنفيذ العديد من التفجيرات.

بداية التواجد الإيراني في أمريكا اللاتينية

كان ذلك بداية الثمانينيات وحتى الآن، وسط تحذيرات من تفاقم الأعداد المهاجرة إلى الأرجنتين، إذ شهدت الفترة الممتدة من عام 1975 وحتى عام 1990هجرة أعداد كبيرة من اللبنانيين إلى أمريكا الجنوبية نتيجة للحرب الأهلية في لبنان، إلى استغلال ذلك وتشكيل خلايا أمنية لهما.

لكن الأمر بدا أكثر وضوحًا مع أوائل تسعينيات القرن الماضي والتفجيرات التي جرت للسفارة الإسرائيلية والمركز الثقافي، ومنذ ذلك الوقت أخذ التغلغل الإيراني داخل أمريكا الجنوبية يتوسع بشكل ملفت.

تزايد الوجود الإيراني بعد دخول العديد من الدبلوماسيين الإيرانيين إلى دول أمريكا اللاتينية لتنفيذ مهام بسيطة ومحددة إلى أن أصبح عددهم 12 دبلوماسيًّا بحلول عام 2010، فضلًا عن تعزيز طهران علاقاتها الاقتصادية والثقافية والأمنية، لاسيما مع فنزويلا وكوبا والإكوادور وبوليفيا.

ومنذ عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، عام 2003، بدأت الشكوك في قيام مواطنين من دول إيران ولبنان من حزب الله بالسفر للقيام بأنشطة غير معلنة في أمريكا الجنوبية، إلا أن الخطر الحقيقي، كما لفت معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، بدأ يظهر بقوة عام 2008، بعدما تم الكشف عن تنقل أعداد كبيرة لمواطنين من أصل عربي يحملون جوازات سفر فنزويلية، ينتقلون من بلاده إلى دول أخرى.

وسابقًا نُشر على «ساسة بوست»، تقرير بعنوان «ماذا نعرف عن نشاط إيران و«حزب الله» في أمريكا اللاتينية؟» لفت إلى أن التوسع داخل دول أمريكا اللاتينية، كان مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، عبر تجارة المخدرات وغسيل الأموال، وارتفاع رصيدها في السنوات القليلة الماضية، بمساعدة مباشرة من إيران.

وما مكن الحزب من العمل بقوة وتسهيل مهامه هو تلقيه الدعم مباشرة من الجالية المتواجدة في أمريكا الجنوبية، وانفلات الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حتى أصبحت دول البرازيل والأرجنتين وباراغواي وفنزويلا وأماكن أخرى محط أنظار التجارة لإيران وحزب الله.

كان من بين أهداف التدخل الإيراني في القارة توسيع دائرة الدول الصديقة، وتضييق محيط الأعداء، وهو ما يعني تأييد دول أمريكا اللاتينية للمواقف الإيرانية في المحافل الدولية، وبخاصة أحقيتها في امتلاك سلاح نووي، ورفض السياسة الأمريكية في المنطقة آنذاك.

لاسيما وأن علاقاتها كانت متأرجحة مع إيران، فجاء توطيد العلاقة مع بعض دول القارة للخروج من عزلتها السياسية، والحصار الذي تعرضت إليه من قبل واشنطن، ضمن قدرتها على تحديها، وتوسيع العلاقات مع المنظومة اللاتينية.

بعيدًا عن الأهداف الدبلوماسية، فإن تكثيف طهران علاقاتها مع منظومة الدول اللاتينية، خاصة الفاعلة منها في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) مثل فنزويلا، في سعيها إلى جعل القرارات تتناسب مع السياسة الإيرانية في المنطقة، تعد أبرز ما تطمح إليه إيران اقتصاديًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد