بحسب نبوءة سفر الرؤيا في الإنجيل (العهد الجديد)، هرمجدون (Armageddon) هي المدينة التي ستشهد أحداث نهاية الزمان، والمعركة الأخيرة ما بين قوى الخير والشر.

بسبب هذه النبوءة التي من المفترض أن تحدث في موقع المدينة لخوض آخر المآسي الإنسانية؛ ازدادت شهرتها، وأصبح موقعها، الذي يسمى اليوم تل مجدو، مزارًا سياحيًا في لأراضي الفلسطينية المحتلة، يقصده آلاف الزوار كل يوم.

أصل اسم هرمجدون هو الكلمة العبرية «هار مجدو»، والتي تعني جبل مجدو، وذلك بحسب إريك كلين، أستاذ اللغات والحضارة الكلاسيكية وحضارة الشرق الأدنى بجامعة جورج واشنطن، وإذا حالفك الحظ يومًا وزرت المدينة العتيقة، سترى أن شهرتها لم تنبع فقط من كونها محل النبوءة القديمة، بل لأنها تحمل بقايا ما لا يقل عن 20 مدينة قديمة، بُنيت واحدة فوق الأخرى في الموقع القديم لمجدو. ليحمل هذا «التل» أطلالًا خلفها البشر وراءهم على مدى آلاف السنين. 

تل مجدو.. تاريخ عريق وموقع إستراتيجي

هي اليوم مدينة تل مجدو، أو تل المتسلم، التي تقع في مرج بني عامر شمالي فلسطين، على بعد 40 كم إلى الغرب من نهر الأردن، وهي إحدى أشهر المدن الكنعانية العربية في التاريخ القديم.

يقول عنها فراس السواح، في كتابه «تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود»، أنها كانت أكبر مدن وادي يزرعيل، وكانت تسيطر على طرق المواصلات الدولية التي تصل منطقة الساحل بسوريا، كما كانت مقرًا للقوات المصرية التي تحمي القوافل التجارية في منطقة الوادي.

خلال القرن الماضي، ظهرت اكتشافات أثرية عديدة في موقع «تل مجدو الأثري»، بتتبعها يمكنك أن تتخيل شكل المدينة القديمة على مدى العصور.

مقطع فيديو مصور جوًّا يظهر آثار موقع تل مجدو الأثري

في الموقع الأثري للمدينة، تجد سلسلة معقدة من البوابات، يُعتقد أنها كانت تعمل على تحصين وحماية المدينة القديمة وتعود إلى الفترة بين 970 إلى 930 قبل الميلاد، واعتبرها البعض إثبات لنشاطات الملك سليمان العمرانية، بناءًا على تفاسير الروايات الدينية. بالرغم من ذلك يشير بعض علماء الآثار إلى أن هذا النمط من البوابات قد كان شائعًا في فلسطين بعدة مواقع غير إسرائيلية، بحسب فراس السواح. 

وقد كانت البوابات تحتوي على برجين كبيرين في المقدمة، يعلوهم عادة الرماة، هذا إلى جانب الغرف الموجودة داخل البوابات والتي يعتقد أنها كانت حصنًا للجنود المسلحين حاملي الرماح والسيوف الذين تولوا مهمة حماية المدينة.

أحد الإبداعات الهندسية المبهرة في المدينة هي شبكة الأنفاق المائية، التي كانت تحمل المياه من نبعٍ قريب إلى داخل المدينة؛ وهو التصميم الذي سمح للسكان بالتزود بالمياه وقت وقوع المدينة تحت الحصار في أوقات الحرب.

سياسة

منذ 5 سنوات
بعيدًا عن فلسطين المحتلة، أين تنتشر أبرز الآثار والمواقع اليهودية في الوطن العربي؟

أغلب الاكتشافات الأثرية في موقع تل مجدو، عثر عليها من قبل بعثة جامعة شيكاجو التي امتدت من عام 1925 وحتى 1939، وهي ذات البعثة التي وثقها إريك كلين في كتابه «البحث عن المدينة المفقودة لسليمان»؛ إذ كان أحد أكثر اكتشافات البعثة شهرة هو «الاسطبلات»، التي اعتقد مكتشفوها وقتها أنها بنيت في عهد الملك سليمان؛ لكن أغلب علماء الآثار في وقتنا الحالي، يؤكدون أنها بنيت من قبل شخص آخر غير سليمان.

وفي عام 2014 اكتشفت بعثة جامعة تل أبيب – الجامعة التي تقود اليوم التنقيب عن الآثار داخل الموقع الأثري – «معبد عظيم» يعود تاريخه إلى عام 3000 قبل الميلاد، وهو العصر البرونزي المبكر، ويضم المبنى الرئيس للمعبد غرفة ضخمة مستطيلة بها ممران، وقد وجد فيها الباحثون أدلة على وجود نشاط طائفي كان يحدث داخل المعبد، وقد استخدمت فيه «ألواح البازلت» عناصر أساسية للعبادة.

في تلك الفترة الزمنية، كان هذا المعبد هو الأكبر في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط (بلاد الشام)، بحسب الباحثين.

أما عن سبب نشأة التل، فيشير علماء الآثار إلى أن السكان الأوائل لتلك المنطقة في فلسطين ظلوا يبنون القرى والمدن في الموقع نفسه، وبمرور الزمن وتعاقب العصور، كانت كل طبقة تعلو طبقة أخرى لمدينة سابقة أقيمت على الموقع ذاته، مما أدى إلى ارتفاع مستوى الأرض فأصبحت تعرف باسم «تل».

بعيدًا عن «هرمجدون».. أشهر المعارك التي شهدتها المدينة الكنعانية

بعيدًا عن معركة «هرمجدون»، كان «تل مجدو» شاهدًا على عدة معارك ملحمية، ساعدت في تقرير مصير منطقة غرب آسيا. إذ كانت مجدو في العصور الغابرة من أهم طرق التجارة الرئيسة في العالم القديم؛ التي ربطت مصر وبلاد الرافدين (العراق حاليًا)، وقد كان هذا الموقع المتميز سببًا رئيسًا في أن تلعب المدينة القديمة دورًا هامًا في تاريخ الحرب التي اتخذت من منطقة الشرق الأوسط مسرحًا لها.

«معركة مجدو».. عندما حاصر تحتمس الثالث المدينة سبعة أشهر

خاض الملك المصري تحتمس الثالث، عدة حملات شملت منطقة الشرق الأوسط، كانت بدايتها «معركة مجدو» التي وقعت بعد انفراده بالحكم بوقتٍ قصير؛ والتي تعتبر أقدم معركة عسكرية موثقة تاريخيًّا، إذ يأتي ذكر المعركة في أحداث القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

تحكي الباحثة الألمانية جيزيلا جرايشين، في كتابها «طريق العنبر»؛ أنه في الشهر الأول من موسم الحصاد السنوي؛ خرج الملك المصري في كامل أبهته؛ وسار في عربته المزينة بالأسلحة الأنيقة، وقد أعطى الأوامر لكامل قواته؛ فسار على رأس 4 آلاف من الرجال نحو غزة ومنها إلى جبال الكرمل، وذلك وفقًا للخطة العسكرية البارعة التي وضعها ليباغت قوات العدو – بحسب المصادر المصرية – من خلال الجبال، وقد اختار أخطر طريق للهجوم على مدينة مجدو، وهو ممر أرونا الضيق.

تحتمس الثالث يعدم أسرى كنعانيين

جدارية مرممة في معبد الكرنك تظهر تحتمس الثالث وهو يعدم أسرى كنعانيين من معركة مجدو

كان وصف معركة مجدو في التاريخ المصري القديم يعد من أقدم روايات الحروب الكبرى في العصور القديمة. فتشير المصادر إلى أن الملك قد وقف بجلالته في المنتصف، «مثل حورس وذراعه القوي، وقد حمى آمون جسده في غمار المعركة». ونتيجة لتلك المعركة تمكن الملك المصري من تعزيز سلطانه على منطقة الشرق الأوسط.

جاءت المعركة نتيجة ثورة عدة مدن كنعانية ضد الهيمنة المصرية، وقد اجتمع الطرفين بالقربِ من تل مجدو؛ وهناك دارت رحى الحرب؛ وتسرد المصادر المصرية أن تحتمس الثالث فاجأ المتمردين، وجرى وصفه بالقوي على رأس قواته، بعدما هرب من أمامه الأمراء المهزومون تاركين وراءهم عرباتهم القتالية المصنوعة من الذهب والفضة، وقد استسلموا وحلفوا يمين التبعية لمصر. قدم الأمراء الجزية للملك المصري، من خيول، وعربات، وأسلحة حربية، وأثاث، وسفن، وماشية. أما مجدو، فقد حاصرها تحتمس الثالث مدة سبعة أشهر حتى استسلم سكانها في النهاية.

الجدير بالذكر أن مدينة مجدو  قد ذكرت في ست رسائل اكتشفت بتل العمارنة، كانت متبادلة ما بين أمير مجدو والملك المصري إخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وقد أشارت الرسائل إلى أن مجدو كانت واحدة من أقوى المدن التابعة لمصر في كنعان.

«حملة شيشنق».. الملك المصري الذي استحوذ على أورشليم

في التوراة (العهد القديم)، ذُكر غزو مصر لفلسطين على يد الملك شيشنق في مناسبتين، نذكر منها ما جاء في كتاب «الملوك الأول»، الإصحاح 14، سطر 25: «في السنة الخامسة للملك رحبعام، صعد شيشنق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء»؛ وبدءًا من تلك الرواية الدينية، نذكر لكم تفاصيل ما جاء في التاريخ عن غزو مصر لفلسطين في القرن العاشر قبل الميلاد.

عندما تولى شيشنق – وهو من أصول ليبية – حكم مصر بعد بسوسنس آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين، أراد أن يعيد لمصر قوتها ويسترجع مجدها الإمبراطوري، وهو ما دفعه، بحسب «موسوعة مصر القديمة» إلى التوجه نحو فلسطين المتاخمة لحدود بلاده حوالي عام 930 قبل الميلاد، وبالقرب من مجدو، انتصر على الكنعانيين انتصارًا عظيمًا، وقد دون شيشنق انتصاراته على النقش الموجود حتى اليوم بمعبد الكرنك في مصر، متباهيًا بتفاصيل حملته على فلسطين التي دمر فيها سلسلة من المدن كانت مجدو من بينهم.

قائمة انتصارات شيشنق الأول بمعبد الكرنك.

 عثر الباحثون في تل المتسلم (مجدو) على نقش مصري آخر، دون عليه اسم شيشنق، وهو الأمر الذي دل على أن حملة شيشنق كانت جغرافيًا أوسع مما يظن البعض، كما احتوت قائمة معبد «الكرنك»، على جزء كبير من أسماء المدن الواقعة شمال فلسطين، وهو الأمر الذي عرف منه الباحثون مدى اتساع رقعة الغزو المصري.

انتصار مصري ثالث في مجدو

عام 609 قبل الميلاد زحف الجيش المصري بقيادة نخاو الثاني إلى كركميش بشمال سوريا لمؤازرة حلفائه الآشوريين ضد البابليين؛ لكن تطلب هذا الزحف من الملك المصري الحصول على إذن العبور من الأراضي التي تسيطر عليها مملكة يهوذا، إلا أن ملكهم يوشيا قد رفض السماح للقوات المصرية بالمرور عبر أراضيه؛ مما تسبب في وقوع معركة أخرى في مجدو، انتهت بمصرع ملك يهوذا، وانتصار الجيش المصري.

الجدير بالذكر أن تلك المعركة قد وردت أحداثها في التوراة، إلى جانب كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، الذي عاش في القرن الأول الميلادي، واشتهر بكتبه عن تاريخ مملكة يهوذا، فيما يجادل بعض المؤرخين بأنها لا يمكن إثباتها تاريخيًّا.

سياسة

منذ سنة واحدة
عقود من السرقة.. إسرائيل تعرض الآثار العربية المنهوبة على أراضيها

عندما شهد التل على الحرب العالمية الأولى

هي معركة كبرى أخرى عرفت باسم «معركة مجدو» وقد دارت رحاها في 22 سبتمبر (أيلول) من عام 1918، بين بريطانيا والإمبراطورية العثمانية؛ وفيها استخدم القائد العسكري البريطاني إدموند ألنبي نفس خطة الهجوم التي استخدمها الملك تحتمس الثالث؛ من حيث مفاجأة قوات الأتراك التي كانت بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في مرج بن عامر (تل المتسلم) عبر جبل الكرمل. انتهت تلك المعركة بانتصار ساحق للبريطانيين؛ مما مهد لبريطانيا الطريق فيما بعد لاحتلال فلسطين، وهي المعركة التي شبهها بعض المؤرخون بأحداث نهاية الزمان؛ إذ قالوا عنها «آخر الحملات الصليبية».

المصادر

تحميل المزيد