فراغًا سياسيًّا خلفته ثورة هو السبب الأكثر شيوعًا، حين تفشل الثورة في أن تحكم سيطرتها، أو عندما تحكم البلاد حكومات تستغل منصبها لأغراض شخصية أو تبث الفوضى لحماية سلطانها، أسباب مختلفة والنتيجة واحدة، تزايد نفوذ الجماعات المسلحة التي غالبًا ما تنشط في هذه البيئة من الفوضى.

الدولة الإسلامية بالعراق والشام “داعش”

هموم مختلفة وأطراف تتناحر وعنف لم يهدأ منذ سنوات في العراق وسوريا لكن يجمعهما خطر واحد هو تنظيم داعش الأشد عنفًا على الإطلاق، ويعيد البعض ظهور داعش إلى فرع القاعدة بالعراق تحت قيادة أبي مصعب الزرقاوي عام 2004، حين شكل تنظيمًا أسماه “جماعة التوحيد والجهاد” وأعلن مبايعته لتنظيم القاعدة، برز التنظيم على الساحة العراقية إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، على أنه تنظيم جهادي ضد القوات الأمريكية، الأمر الذي جعله مركز استقطاب للشباب العراقي الذي يسعى لمواجهة الاحتلال الأمريكي لبلاده. وفي نهاية 2006 تم تشكيل تنظيم عسكري يختصر مرحلة طويلة من التشكيلات الأصولية والقيادات المختلفة بالعراق تحت اسم “الدولة الإسلامية في العراق” بزعامة أبي عمر البغدادي والذي اغتالته القوات الأمريكية عام 2010، وتولى أمر التنظيم أبو بكر البغدادي.

في فترة وجيزة استطاع تنظيم داعش السيطرة على محافظات عراقية وسورية ومحاربة تحالف دولي مكون من 60 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تشكل داعش خطرًا عاديًا، لكنها انتهجت القتل وقطع الرؤوس ونشر فيديوهات تصور عمليات الذبح والتبرير له بوضع كل ضحاياهم تحت مسمى “كافر”، وإن كان مسلمًا.

استفادت داعش من الثورة السورية التي تحولت لحرب أهلية لا تنتهي ووضع سوري غير مستقر، وظهرت في البداية كتهديد قوى لنظام بشار الأسد، لكنه سرعان ما استغل الفوضى التي خلفتها داعش لحفظ مكانته بدعوة العالم لمساعدة نظامه في مواجهة داعش وتسويق نفسه على أنه القادر نسبيًّا على محاربتها أو وقف تمددها. في العراق استدعت داعش التدخل الخارجي لقوات التحالف الدولي لمساندة الجيش العراقي المتحالف مع قوات البشمركة الكردية وميليشيات شيعية، لكن التقارير تشير إلى صعوبة تحقيق نصر ضد التنظيم في غياب عملية برية موازية للضربات الجوية.

المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية حول العالم

6 أسباب تضمن فشل الاستراتيجية الأمريكية في الحرب ضد داعش

ليبيا بعد الثورة فرصة سانحة لتنظيم داعش

جماعات مسلحة على نحو جيد باتت اليوم تنتشر بشمال أفريقيا، وقد فتحت لها الفوضى الباب من داخل وخارج ليبيا، فمنذ سقوط نظام معمر القذافي على يد الثورة الليبية حتى سقط السفير الأمريكي في عام 2012، وثلاثة آخرين في هجوم على المجمع الدبلوماسي الأمريكي ببنغازي على يد ثلاثة من أعضاء القاعدة من شبه الجزيرة العربية.

لم ينتهِ الأمر حتى ظهور “داعش” أو تنظيم سوريا والعراق الذي ظهر على أرض ليبيا بوضوح أكتوبر الماضي، بعد  فيديو لمجموعة من شباب وهم يعلنون مبايعتهم زعيم داعش أبي بكر البغدادي، في درنة التابعة لمجلس شورى شباب الإسلام، والتي أصبحت في نوفمبر مستعمرة داعش بليبيا، ووصل عدد مقاتلي داعش في ليبيا لأكثر من 800 مقاتل بالإضافة لمراكز تدريب تابعة لداعش في الجبال الخضراء، ومما يؤكد ويوضح مدى سيطرة داعش على أراضٍ ليبية هو نشرها للفيديو الأخير لعملية ذبح 21 قبطيًّا مصريًّا على شاطئ طرابلس، لتنتشر لهم بعد ذلك صور وهم يتجولون بشوارع عامة بوسط ليبيا.

لا حكومة فاعلة بليبيا، فقبل ثلاث سنوات أطاحت الثورة الليبية بالرئيس معمر القذافي بأمل من الجميع أن تصبح ليبيا دولة أكثر سلمًا، لكن هذا لم يحدث، حيث بدأ الاقتتال بين حكومتين كل منهما تتبعها فرق وكتائب مسلحة خاصة، حتى تسرب العنف للعاصمة طرابلس لتغلق كافة السفارات وتزداد حدة الانفجارات، لكنها تظل رغم ذلك أكثر هدوءًا من شرق ليبيا حيث معاقل داعش والقاعدة.

ثلاثة وعشرون كيانًا مسلحًا منتشرة في ليبيا، أين ينتشرون ولمن يدينون بالولاء؟

اليمن بين القاعدة والحوثيين وضعف الحكم

 يمنيون مؤيدون لحركة الحوثيين ضد الرئيس اليمني

اليمن هي الحاضن لأكبر تجمع من القاعدة بالجزيرة العربية، الجماعة المعروفة باسم “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” والتي جرى الحديث حولها مؤخرًا كمركز تدريب منفذي عملية “شارلي إيبدو”، ويتبنى التنظيم التوجه السلفي الجهادي ويعود لعام 2009 نتيجة اندماج بين تنظيمي القاعدة في كل من السعودية واليمن، بعد تشديد السلطات السعودية ملاحقة عناصر التنظيم داخل الأراضي السعودية، مما دفع بهم إلى اللجوء إلى الأراضي اليمنية، مستفيدين من الوضع الأمني المتدهور في البلد، وحرب الحوثيين في الشمال، ومطالبة الجنوب بالانفصال.

في اليمن لا أحد يستطيع التنبؤ بالمسيطر الحالي على الوضع ومن سينتصر بالنهاية، في ظل سيطرة الحوثيين بقوة السلاح على العاصمة اليمنية صنعاء، واحتجازهم الرئيس والحكومة المستقيلة تحت الإقامة الجبرية، لم يحكم الحوثيون سيطرتهم في الشرق والجنوب حيث يلقون مقاومة من قبل مجموعات ترفض سيطرتهم على الدولة، وتشير تقارير إلى أن تمدد نفوذ الحوثيين ربما يدفع القبائل إلى احتضان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بوصفه قوة مكافئة قادرة على مواجهتهم، وتدريجيًّا تذهب اليمن لوضع مشابه لليبيا بعد استقالة الحكومة اليمنية والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وإعلان جماعة الحوثي، ما أسمته “الإعلان الدستوري“ الذي جعل لهم الولايتين الدينية والسياسية حتى أغلقت أكثر من 12 دولة سفارتها في اليمن بسبب فراغ بالحكم.

ما الذي يحدث في اليمن؟ 6 أسئلة سوفَ تشرح لك كل شيء

بوكو حرام ومركزية العنف بنيجيريا

 فتيات هربن من يد جماعة بوكو حرام

جماعة بوكو حرام التي تنشط في شمال نيجريا تختلف – حتى الآن- عن تنظيمي داعش والقاعدة، فهي حتى الآن لم توجه تهديدًا لدول الغرب، لكنها تمثل تهديدًا لنيجيريا والكاميرون ودول مجاورة، حيث نشاطها مؤخرًا على مواقع تشادية، ويحسب لبوكو حرام توسعها العسكري إلى شمال شرق البلاد وتكثيف هجماتها دون أن تواجه أي مقاومة حقيقية من الجيش النيجيري، وتتولى الجماعة الإسلامية «المتطرفة» عمليات تفجير في المدن الآمنة والأسواق المزدحمة، والخطف الجماعي أشهرها حادث اختطاف 200 فتاة من مدرستهن، كما سبق للجماعة أن أعلنت بيعتها لتنظيم القاعدة قبل أن تغير وجهتها العام الماضي وتعلن بيعتها لتنظيم البغدادي.

بدأت بوكو حرام كجماعة غير نشطة سياسيًّا، إلا أن تعرضها للقمع من قبل السلطات أدخل عناصرها في تحولات راديكالية نحو التطرف، تعاقبت على حكم البلاد حكومات متهمة بارتكاب جرائم حرب مما وجه لها انتقادات بالذنب والفشل في مواجهة بوكو حرام، مؤخرًا هددت الجماعة بعدم إتمام الانتخابات الرئاسية والمرشح لها غودلاك جوناثان لولاية ثانية ليتم تأجيل الانتخابات حتى مارس القادم، ويستمر غودلاك في طلب المعاونة الأمريكية لمحاربة بوكو حرام كما تحارب تنظيم داعش، حتى إن غودلاك أكد إن بوكو حرام تتلقى تمويلًا من الدولة الإسلامية، ومنذ نهاية 2004 توترت العلاقات بين الولايات المتحدة ونيجيريا. وفي ديسمبر أوقفت نيجيريا عملية تدريب الولايات المتحدة لكتيبة نيجيرية لمحاربة “بوكو حرام”.

نيجيريا، ماذا وراء صراع الحكومة مع جماعة بوكو حرام؟

حركة شباب المجاهدين الصومالية

 انفجار بمقديشيو في 5 يناير 2015

حركة شباب المجاهدين الإسلامية الناشطة بالصومال وأحيانًا كينيا وإثيوبيا، تأسست الحركة عام 2004 كذراع عسكري لاتحاد المحاكم الشرعية الصومالية التي نشأت لسد الفراغ الأمني والاجتماعي والتعليمي في الصومال عقب الحرب الأهلية، وتواجهها حكومة مركزية ضعيفة حاليًا، ويتراوح أعداد مقاتلي الحركة بين 4000 و7000 مقاتل على الأقل يستهدفون الجنود والمسؤولين والمؤسسات الحكومية، وأعلنت الحركة مسؤوليتها عن تفجير كأس العالم 2010، وحادث نيروبي في 2013 عندما حاصر المسلحون مركز تجاري وقاموا بتعذيب المتسوقين الرهائن ثم قتل 67 منهم، وتعلن الحركة تبنيها للجهاد الإسلامي العام فتستقبل المجاهدين الوافدين إليها من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وللأجانب نفوذ كبير داخل الحركة، وصلة بالمواقع القيادية، وقد أعلنت الحركة اتباعها مسيرة تنظيم القاعدة في 2012.

تسيطر حركة الشباب على غالبية مقديشيو وجنوب ووسط الصومال، لكن الأمر ليس سهلًا عند مواجهة ردود فعالة من الحكومة الصومالية القوية مؤخرًا والمتحالفة مع أمريكا والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لكن هذا لم يسلم الحكومة من تفجير أمام قصر الرئاسة منذ عام بثلاث عربات مفخخة، وحادث آخر تسبب في مقتل موظفين بمقديشيو منذ أيام في استهداف لشخصيات تابعة للحكومة والقوات الأفريقية التي تنشر حوالي 22 ألف جندي لمساعدة الجيش الصومالي للتصدي للحركة.

حركة الشباب الصومالية.. نضال مسلح أم تفجيرات عشوائية؟!

حركة طالبان في أفغانستان وباكستان

ما تزال طالبان تحتفظ بقوتها العنيفة بأفغانستان وباكستان رغم سنوات من الحرب مع أمريكا وبريطانيا التي سحبت قواتها قريبًا دون حكومة قوية أو القضاء على طالبان، خاصة مع الدعم الذي تتلقاه من تنظيم القاعدة. حكمت طالبان أفغانستان، وأزاحتها الولايات المتحدة بالقوة بعد أحداث 11 سبتمبر 2011، تنتهج طالبان باكستان نهجًا أكثر تطرفًا أعلنت بموجبه بيعتها للبغدادي، في حين تتميز طالبان أفغانستان برؤية أقل حدة حيث سبق لها أن أدانت حادثة قتل 145 طفلًا في مدرسة ببيشاور على يد طالبان باكستان.

وتتعاون الحكومتان الباكستانية والأفغانية ضد ذات العدو في البلدين، لكنهما أضعف من مواجهته في غياب القوات الأمريكية والتي ستنسحب كاملة في 2016، وسط بعض المطالب بمد فترة بقائها، ولعل الحكومة الباكستانية هي الأكثر نشاطًا لقيامها بعدة هجمات عسكرية على الحركة، وقيامها بتضييق الخناق عليهم، لكن رد الجماعة كان متطرفًا وعنيفًا بحادث قتل الأطفال، والذي انتقدته وسائل الإعلام باعتباره ضعفًا من الحركة لاستهدافها أطفال في محاولة لاستعراض القوة والعنف.

 

المصادر

تحميل المزيد