في الوقت الحالي، وبالإضافة إلى الجيوش النظامية المعتادة، بات لكل دولة فرقة عسكرية خاصة، يتعرض أفرادها لتدريبات عالية ومكثّفة وأكثر تخصصًا من أفراد الجيوش العادية، وتوكل إلى هذه الفرق مهام معينة غالبًا ما تتسم بالصعوبة والخطورة؛ هذه الفرق تعرف باسم “القوات الخاصة” أو “قوات النخبة”. بالإضافة إليها، فهناك أيضًا فرق عسكرية تتمحور مهامها حول حماية رئيس البلاد، وهذه الفرق غالبًا ما تتلقى الأوامر مباشرةً منه، باعتباره القائد المباشر لها. في بعض الأحيان تتنوع مهام هذه الفرق ما بين حماية الرئيس وتنفيذ مهمات خاصّة، وفي أحيان أخرى المهمات الخاصة لفرقة المهمات الخاصة، وحماية الرئيس أو الملك موكلة إلى الحرس الرئاسي أو الملكي بحسب نظام الحكم في تلك الدولة.

فضلًا عن ذلك، برز وجود القوات العسكرية المأجورة، والتي عمدت بعض الأنظمة إلى استخدامها لحمايتها في وجه خصوم، هم غالبًا من أهل البلد. تلك القوات المأجورة تعددت أنماطها وكذا مسمياتها. واشتهرت وبرز اسمها بخاصة في الفترات اللاحقة لبدايات الغزو الأمريكي للعراق، إذ ظهرت كقوات تابعة لشركات أمن خاصة، ارتبط اسمها بالعديد من جرائم القتل الجماعي، وخروقات للقوانين والمواثيق الدولية، من هذه القوات، تلك التابعة لشركة بلاك ووتر الشهيرة. وبعيد اندلاع شرارة انتفاضات الربيع العربي، برزت على السطح مجموعات مسلحة قاتلت أو اشتبكت بجوار القوات الأمنية الرسمية، تلك المجموعات عرفت بالبلطجية في مصر، والشبيحة في سوريا، والمرتزقة في ليبيا، وتشابهت جميعها في أنها مجموعات مسلحة مأجورة، وإن اختلفت أشكال تنظيمها، أو مكوناتها البشرية. وهذه القوّات المأجورة، تختص أيضًا بتنفيذ مهام مُعيّنة، من الصعب أن توكل إلى قوات نظامية رسمية.

اقرأ أيضًا: كيف أسست الداخلية المصرية لدولة البلطجية؟ 4 أسئلة تشرح لك

هذه النماذج من القوات الخاصة والمأجورة، ليست وليدة العصر الحديث، فقدت شهدت أمم وممالك سابقة على مر التاريخ، وجود هذا النوع من التشكيلات العسكرية، غربًا وشرقًا، ومن ذلك العالم الإسلامي الذي شهد نماذج لتلك القوات العسكرية التي تفردت بخصوصية نشأتها وعملها، وتميّزت بأن مكونها الأساسي هم العبيد وأسرى الحروب!

الإنكشارية.. جيش عبيد السلطان العثماني

بزيهم الأحمر، ولاطيّتهم البيضاء الكبيرة، تميّز جنود الإنكشارية عن بقية أفراد القوات العسكرية في الإمبراطورية العثمانية على مرّ تاريخها. بعض الدراسات التاريخية تُرجع تأسيس الإنكشارية إلى السلطان أروخان غازي، ثاني سلاطين الدولة العثمانية. وكانت الفكرة تتمحور حول إنشاء فرقة عسكرية مدربةً تدريبًا خاصًا، تعمل على حماية السلطان بشكل خاص، وتتلقى منه الأوامر المباشرة، بحيث لا تدين بالولاء أو التبعية لأي من نبلاء العثمانيين أو أمرائهم.

السلطان أروخان غازي

ينيشاري أم إنكشاري؟ ولماذا؟

الكلمة بالتركية الحديثة (بالحروف اللاتينية)، تكتب هكذا: yeniçeri، وهي مُكوّنة من مقطعين، المقطع الأوّل “يني” ويعني الجديد، والمقطع الثاني “تشري” ويعني العسكر، بحيث تشير الكلمة إلى “العسكر الجديد”، ثمّ بدخولها إلى العربية تحوّلت اللفظة إلى “الينيجارية” (بتعطيش الجيم)، ثم “الإنكشارية”. ويذهب البعض إلى أنّ أوّل من نطقها الإنكشارية هم بعض علماء الأزهر في مصر. وفي بدايات تكوينها، كانت تسمى هذه الفرقة بعبيد السلطان.. ولهذه حكاية.

قوّات خاصّة من الغلمان والصبية المسيحيين

لضمان الولاء التام للسلطان دون غيره من أفراد آل عثمان، عمد الباب العالي على تشكيل الفرقة الخاصة من الأطفال والشباب أسرى الحروب، الذين يتمّ تربيتهم على الولاء والطاعة للسلطان، فضلًا عن تلقينهم العلوم الإنسانية، بخاصة علوم اللغة، وكذا تربيتهم تربية إسلامية “صوفية”. لاحقًا، وبعد أن نُظّم أمر الإنكشارية أكثر، وباتت لهم صفة عسكرية دائمة، تطوّرت أساليب جمع أفراد هذه الفرقة، كما توسع السلاطين في جمعهم.

نظّم قانون “الدويشرمه” عملية جمع وإعداد أفراد الإنكشارية، بحيث يتم جمع الصبية والشباب العُزاب من أبناء العائلات المسيحية، ويتم إحداث قطيعة تامة بينهم وبين أسرهم بل أصولهم الجغرافية والدينية، وذلك لضمان الولاء الكامل للسلطان وفقط، ومن هذا تربيتهم تربية إسلامية خالصة، وتعريضهم لتدريبات شاقة ومكثفة على فنون القتال المختلفة، فضلًا عن تعليم بعضهم فنون السياسة والإدارة، وهؤلاء ينتقون لشغل المناصب السياسية في القصر السلطاني، وبهذا يضمن السلطان العثماني تحكمه في زمام الأمور، دون أي محاولة للتسلق وتوسيع النفوذ عبر تلك المناصب.

رغم ما عُرف عن تسامح الدولة العثمانية مع رعاياها المسيحيين بمعايير ذلك الوقت، إلا أن نظام الدويشرمه ترك جرحًا غائرًا في المجتمع المسيحي تحت المظلة العثمانية، خاصة وأن هذا النظام تضمن أخذ واحد من كل خمسة أبناء، لكل أسرة مسيحية. – هيرمان كِندر

أقوى سلطة في الدولة العثمانية!

في البدء لم يكن للإنكشارية أي نفوذ سياسي داخل الإمبراطورية العثمانية، ولم يكن لدى أفرادها أية تطلعات نحو ذلك. ولعل النفوذ الوحيد، كان معنويًّا، متمثلًا فيما اشتهرت به الفرقة من الشدة القتالية، وكذا التبعية المباشرة للسلطان، وأن كتائبهم ومعسكراتهم كانت تُفصل عن باقي معسكرات الجيش، وتميّز بشارات وأعلام خاصة. لكن بمرور الوقت ومع اعتماد الدولة العثمانية عليهم بشكل كبير في الحروب، أدى إلى شعور الإنكشارية بأهميتهم، وعزز من ذلك أيضًا لجوء السلطان سليم الأوّل، إليهم ليساعدوه في انقلابه على أبيه السلطان بايزيد الثاني، ولاحقًا سمح لهم بالزواج بعد أن كان ذلك ممنوعًا. وفي عهد السلطان سُليمان القانوني وتوسعه في الفتوحات، كان الإنكشارية مرتكزه الأساسي ما عزز بدوره إحساسهم بأهميتهم.

كان الإنكشارية قوام الجيش العثماني وعماده. – كارل بروكلمان

ومن المواقف الفارقة في تاريخ الإنكشارية، الفرمان الذي أصدره سليمان القانوني، بإلغاء تبعيتهم المباشرة إلى السلطان، وجعل قيادتهم منهم. ذلك الفرمان أسس لاستقلالهم وتطوّر تطلعاتهم نحو مزيد من السلطة. وبالفعل استطاع الإنكشارية الحصول على امتيازات عدة عززت من سلطتهم، من بينها الاعتماد عليهم لأداء مهام الشرطة داخل المدن والولايات العثمانية. وبالجملة، فإن طبيعة البنية التنظيمية للإنكشارية، ثمّ أساليب تدريبهم وتربيتهم، جعلت منهم طائفةً أو طبقةً مستقلة بذاتها، بعيدة عن أنماط العلاقات والتحالفات داخل الدولة العثمانية، وأسرتها الحاكمة، ولذلك كان السلاطين حريصين على إغداق الإنكشارية بالأموال والعطايا درءًا لأي تمرد مُحتمل.

صوفية على الطريقة البكداشية

ارتبطت الإنكشارية بالطرق الصوفية، تحديدًا الطريقة البكداشية، والتي التحق بعض كبار مشايخها بألوية الإنكشارية، حتى تم ضم الطريقة رسميًّا إلى الكتيبة 99 من فرقة الإنكشارية. وكان أعضاؤها يتقدمون العروض العسكرية للفرقة بأزيائهم الخضراء مرددين ابتهالات صوفية.

هذا، وتُرجع بعض المصادر التاريخية أصل هذا الارتباط إلى مؤسس الطريقة، محمد بكداش ولي، الذي جاء تركيا في نفس الوقت شهد بدايات تأسيس الإنكشارية، وبسبب صيته في الأرجاء قصده السلطان أروخان ليبارك به قواته الجديدة. بدوره قدّم بكداش للسلطان علمًا أحمر يتوسطه هلال وسيف، ليصبح العلم الرسمي للإنكشارية.

الخروج عن سيطرة الباب العالي

ثمّة اتفاق بين المؤرخين على أن الإنكشارية كما كانوا أحد أهمّ عوامل قوة الإمبراطورية العثمانية، كانوا أيضًا أحد أهم عوامل تدهورها، ويُفسّر ذلك باستغلالهم المُسيء لنفوذهم، بخاصة على سكان المدن والولايات من المدنيين، الذين عانوا من إساءات الإنكشارية المتكررة، والتي وصلت إلى حد الاستيلاء على المحاصيل والأراضي، ما جعل السكان يضيقون ذرعًا بهم وبما يمثلونه من سلطة.

فضلًا عن ذلك أنهكت هذه الفرقة العسكرية خزينة الدولة العثمانية، بسبب ازدياد أعدادهم بشكل كبير، حتى وصلوا في أوجهم إلى نحو 150 ألفًا، وفي تلك الفترة كانت الدولة العثمانية بطبيعة الحال تمر بضائقة اقتصادية تسببت فيها الحروب، فضلًا عن انخفاض قيمة النقد (فضّة) بسبب تدفق الفضة من القارة الأمريكية المُكتشفة حديثًا. يُضاف إلى ذلك تدخل الإنكشارية في تعيينات المناصب العليا، بل وتدخلهم في منصب السلطان نفسه. وقد قادوا تمردًا على أكثر من 6 سلاطين، خلعوهم ثمّ قتلوهم.

الباب العالي يدكهم بالمدافع

حاول السلطان محمود الثاني تدارك تدهور قوات جيش إمبراطوريته، والحد من نفوذ الإنكشارية. بدأ بإقرار إدخال إصلاحات على قوات الجيش، وتطويرها، لكن الإنكشارية رفضوا أن يتم المساس بأسلوبهم ونمطهم القتالي، أو حتى بأسلحتهم المعتادة. وقد كانت من بين مقترحات الإصلاح التي سعى محمود الثاني إلى تنفيذها، الحد من نفوذ الإنكشارية، عبر إلزامهم بالبقاء في معسكراتهم في أوقات السلم كفرق الجيش الأخرى، وهذا يعني انحسار دورهم الشرطي.

على مدار أكثر من 18 عامًا لم يستطع السلطان محمود الثاني تنفيذ ما يرمي إليه بسبب عناد الإنكشارية، حتى حسم أمره أخيرًا في اجتماع حضره كبار قادة الدولة والجيش، إلا أن الإنكشارية لم يلتزموا بما تم الاتفاق عليه، وعاثوا في الأرض فسادًا، مدمرين المنازل والمحال، ما دفع السلطان إلى حشد الجيش والشعب لقتال الإنكشارية، ودارت معركة “الواقعة الخيرية” والتي قضى فيها أكثر من 6 آلاف من جنود الإنكشارية، وعلى إثرها ألغيت الفرقة تمامًا.

عبيد البخاري.. إنكشارية سلاطين المغرب

من تركيا إلى المغرب الأقصى، حيث الدولة العلوية، وعلى رأسها مولاي إسماعيل بن الشريف العلوي (حكم منذ 1672 وحتى 1727)، والذي أسس أول حرسٍ ملكي في المملكة المغربية، التي كانت تعرف وقتها بالإيالة الشريفة.

دفعت الطبيعة القبلية لسكان الغرب الأقصى، السلطان مولاي إسماعيل إلى تأسيس قوة عسكرية تدين له بالولاء المُطلق، يُعزز بها من سلطانه، ويمنع بها كتائب جيشه النظامي مزيدًا من البأس، وقد كان انتشار فكرة القوات الخاصة المكونة من العبيد، كالإنكشارية في الدولة العثمانية، والمماليك في مصر؛ له دوره في التأثير على مولاي إسماعيل، وإعداده لقوة عسكرية على هذا النمط، هذه القوة العسكرية هي جيش عبيد البخاري.

المماليك في مصر، كانوا أيضًا من نماذج جيوش العبيدة الخاصة

الإمام البخاري ساهم في التأسيس!

تمثل إسهام الإمام البخاري – صاحب مسند الأحاديث الأشهر صحيح البخاري- في أنّ السلطان مولاي إسماعيل جعل صحبة الفقهاء والمحدّثين المُقرّبين منه، اجتعموا مع جنود الجيش الجديد، وجعلوهم يُقسمون على صحيح البخاري، بل إن السلطان أمرهم أن يحملوا صحيح البخاري في تابوت يضعونه أمامهم في جميع حروبهم. وفي فترات لاحقة وبعد أن تأسس لهذا الجيش أسطول بحري، أُمروا بوضع نُسخٍ مصغرة من صحيح البخاري مع أعلام السُفن.

أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله وشرعه المجموع في هذا الكتاب (صحيح البخاري)، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نُقاتل. – السلطان مولاي إسماعيل بن الشريف العلوي

التجنيد الإجباري العنصري

كما ذكرنا، تأسست هذه الفرقة العسكرية من عبيد الدولة العلوية، التي أسقطت ملكية النّاس للعبيد، وجعلتهم جميعًا تحت تصرف الدولة، ومن هنا انطلقت إلى جمعهم وتدريبهم وتربيتهم ليكونوا ضمن جيش البخاري، الذي تأسس بنحو 14 ألف جنديٍّ عبد، حتى وصل قبيل وفاة مولاي إسماعيل، إلى نحو 150 ألف جندي!

في البداية اقتصر الأمر على جمع العبيد من ربوع الدولة، بحسب الكشوفات التي كانت بحوزة “عليلش” كاتب السلطان، وصاحب فكرة الجيش الخاص، لكن سرعان ما توسع الأمر لدرجة إلزام كل من هم من أصول إفريقية ولو كانوا أحرارًا، إلى الانضمام للجيش، الأمر الذي تسبب في حالة من الاستياء بين العلماء وعامة الناس.

إن “الحرّاطين” هو الاسم الذي أُطلق على الأحرار ذوي البشرة السمراء، وهؤلاء إما أنهم كانوا عبيدًا وحصلوا على حريتهم، أو أنهم لم يستعبدوا، لكنهم استخدموا للعمل في الأراضي والحقول والبساتين، لذا يذهب البعض إلى تفسير هذا الاسم، على أنه يرجع إلى كلمة “حرّاثين” أي الذين يحرثون الأرض. هؤلاء الحرّاطين كانوا نقطة خلاف في قضية جيش البخاري، فبعد أن اقترح “عليلش” جمعهم، وبدأ السلطان في تنفيذ ذلك، اعترض جملة من العلماء على هذا الأمر.

الأصل في النّاس الحريّة. – محمد بن عبد القادر الفاسي

العبيد أسياد الأسياد!

كالعادة، بات لجيش عبيد البخاري المكانة الأبرز داخل الدولة، بسبب دورهم الهام في استتباب الأمن، وضبط القلاقل داخل الدولة القبلية، فضلًا عن الاعتماد عليهم في الحروب الخارجية. لكن تجليات نفوذهم لم تبرز على السطح إلا بعد وفاة مؤسس قوتهم، السلطان مولاي إسماعيل، ليبدؤوا في التدخل في إدارة شؤون الدولة، منذ عهد نجله أحمد المُلقّب بالذهبي لإفراطه في إغداق أفراد جيش البخاري بالأموال والعطايا، واللجوء إليهم في كل ما يخص إدارة البلاد، ورغم ذلك انقلبوا عليه وعزلوه عن الحكم، ليولوا مكانه أخاه عبد الملك بن مولاي إسماعيل، الذي حاول تقليص نفوذهم، وأمسك عنهم العطايا.

كان قد عزم على تطهير الحضرة، وبساط الدولة، من افتئات العبيد وتحكمهم على أعياصها. – أبو العباس أحمد بن خالد الناصري

بالطبع لم يُعجب ذلك العبيد، فعمدوا إلى إرجاع الذهبي مرّة أخرى، بعد مواجهتهم لعبد الملك في معركة خسرها، وطُرد على أثرها من العاصمة مِكناس إلى مدينة فاس. ثمّ بعد وفاة الذهبي أجمع العبيد على البيعة لأخيه عبد الله بن مولاي إسماعيل، وعلى نفس منوال الذهبي، استمر عبد الله في إجزال العطايا لعبيد البخاري حتى عجزت خزانة الدولة عن تسديد المزيد، وفي محاولة لكبح جماح أي تمرد أو انقلاب عليه، أطلق عبد الله يد عبيد البخاري في الناس وممتلكاتهم، فباتوا يضعون أيديهم على المنازل، يخرجون منها أهلها، ويتملكونها!

في المُقابل، وبنفس طريقة عزل الذهبي ثمّ إرجاعه، عزل عبيد البخاري، عبد الله وأتوا بأخيه زين العابدين، ثم عزلوا الأخير وأرجعوا عبد الله، ليُعزل مرة أخرى ويأتي أخوه محمد الثاني، ليعزل بدوره، ويحصل أخوهم المُستضيء على الحكم، وكان متحالفًا مع عبيد البخاري، لكنه لم يلبث طويلًا، إذ عُزل وعاد عبد الله مرة أخرى، وظل الأمر كذلك بينهما عدة سنوات، حتى تولى مقاليد الحُكم أخيرًا محمد الثالث بن عبد الله بن مولاي إسماعيل.

بالترتيب من اليمين: مولاي إسماعيل، عبد الملك، عبد الله، محمد الثالث.

الأمور تعود إلى نصابها: العبد عبد والسيد سيّد

بدأ محمد الثالث فترة حكمه بالانتقال من مكناس العاصمة الخاضعة لسيطرة جيش عبيد البخاري، إلى مُرّاكش ومنها إلى مدينة آسفي الساحلية، التي استقرّ بها، وحوّلها إلى مركز تُجاري هام ومزدهر, وقد رفض محمد الثالث الذهاب إلى فاس -ثاني أكبر المدن المغاربية آنذاك والعاصمة السابقة في عهد الدولة السعدية– بسبب الخلاف التاريخي بين أهلها وبين جده مولاي إسماعيل، حين أنشأ جيش عبيد البخاري وأجبر الحرّاطين على الجنيد. وبمرور الوقت تطوّر هذا الصراع بين فاس ومكناس بعد تضخم نفوذ عبيد البخاري، في مُقابل قوة ونفوذ جيش الودايا في فاس، المُكوّن من العنصر العربي، وثاني أكبر قوة عسكرية في الدولة.

لذا فقد آثر محمد الثالث عدم الانحياز لأي طرف، وأسس لعاصمة مؤقتة في آسفي، انطلق منها لاحقًا إلى مِكناس، واستطاع تجريد عبيد البخاري من أسلحتهم ونفوذهم، لكنه في المُقابل أبقى على بعض كتائبهم، وأعاد تنظيمها وتوزيعها وفقًا لسياسة جديدة لا تسمح بإعادة إنتاج 100 عام أخرى من تسلط العبيد على الأسياد!

وللآن، لا يزال جيش العبيد قائمًا، مارًا بمراحل متعددة، تحوّل خلالها من السلطة والنفوذ المطلق إلى الانحسار وقصر ذات اليد، ثمّ إعادة التنظيم والتوزيع، وتكليفه بمهام خدمية في الأغلب. وفي عهد الملك محمد الخامس أطلق عليهم اسم الحرس الملكي، قبل أن يصدر قانون ينظمّهم رسميًّا كحرس ملكي في عهد الملك الحسن الثاني، وللآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد