2,644

في حروب العصور القديمة؛  كانت الجيوش تتقاتل وجهًا لوجه، رجلًا أمام رجل بالسيوف والرماح، لم يكن هناك مساحة للتمويه أو التخفِّي، ولكن مع التطور التكنولوجي الذي لحق – بطبيعة الحال- الأسلحة والمعدات الحربية، أصبح هناك ضرورة لإيجاد وسائل تخفّ وتمويه ناجحة، بغرض حماية الجنود المشاركين في الحروب، خاصة وإن كان طريق تحركهم وانتظارهم سيكون في الصحراء أو الغابات.

أدركت الإدارات العسكرية تلك الضرورة من أجل حماية رجالها، وكان عليهم البحث عن طرق مبتكرة للتخفي في أكثر من بيئة،  ولذلك كانت مملكة الحيوان ملهمة لهم في بعض تصميمات الملابس أو رسوم الوجه، والبعض الآخر اختار اللجوء إلى الطبيعة بشكل عام من أجل تجديد وابتكار تلك الوسائل. ويعتبر كتاب «إخفاء اللون في المملكة الحيوانية» الذي نُشر عام 1909 من أكثر الكتب رواجًا بين جنود الجيش، لما قدمه كاتبه «جيرالد إتش. ثاير»  من نظريات فعالة لتنفيذ التمويه في الغابات والصحراء.

تلوين الوجه.. تجميل أم تمويه؟

في العصور القديمة، حين قام  بعض أفراد جنود الجيش بتلوين وجوههم، كان الهدف وراء رسم الوجه هو تصدير رسالة ثقافية، أو المباركة ببعض الرموز المقدسة من  الديانات المختلفة، وكان لكل لون دلالة رمزية مثل سكان أمريكا الأصليين، فالأحمر كان رمزًا للنجاح وإسالة دماء العدو،  والأصفر كان يرمز باستعداد الجندي الذي يطلي به وجهه؛ للموت من أجل حماية القضية التي يحارب من أجلها.

ولكن في العصور الحديثة لم تعد لتلك الطقوس المقدسة نفس الشعبية، وأصبح تلوين الوجه من أجل ضرورة التمويه للحفاظ على حياة الجنود، وعلى الرغم من ابتكار كريمات الأساس – التي تستخدمها النساء لأغراض تجميلية -، من أجل إخفاء الجروح والحروق في وجه الضباط العائدين من معارك دموية خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن تطور الطب وفر هذا المجهود على الجنود، مع تطور عمليات التجميل والتقنيات الطبية.

تقنيات تلوين الوجه من أجل التخفي أثناء الحروب، يحدد نوعيتها طبقًا لطبيعة المكان المتواجد فيه الجندي، والذي يتطابق مع ألوان وتصميم ملابس الجيش المموهة، ويجب أن يكون الرسم على وجهه وعلى خوذته  يطابق الملابس التي يرتديها، حتى لا يلفت الأنظار بالتضاد بين رأسه وجسده، وخلال العديد من السنوات، استعان الجيش بأكثر من تقنية لتصميم الزي العسكري، بالاستعانة الدائمة بالفنانين التشكيليين والمصورين أثناء خدمتهم العسكرية، وطورت الجيوش في العالم زيها الرسمي بما يتوافق مع البيئات المختلفة، مستلهمين معظم الأفكار من الطبيعة.

فرنسا بين التشكيلية والـ«سحلية» للتواجد في الجزائر والهند الصينية

إذا أردت أن تحافظ على حياتك، خاصة وإن كنت في بيئة معادية؛ سيكون عليك اللجوء لتمويه نفسك ومعداتك الخاصة، وهذا التمويه سيكون الحد الفارق ما بين موتك والحفاظ على حياتك. جزء من النصائح المهمة الموجهة لجنود العسكرية.

خلال الحرب العالمية الأولى، دعت الحكومة الفرنسية عام 1914 الكثير من الفنانين التشكيليين للانضمام إلى لجنة  نُظمت من أجل الوصول إلى زيٍّ عسكري مموه يصلح للاختباء والخداع البصري، وكان الفنان الفرنسي «يوجين كوربن» هو المشرف على هذه اللجنة، التي أنتجت زيًّا عسكريًّا مرسومًا باليد، وكان خليط ألوان من الأخضر والأسود والبنِّي، ولكن هذا التصميم لم تعتمده الدولة زيًّا رسميًّا لجنود فرنسا، وكان يرتديه القناصة وعناصر الاستطلاع على الخطوط الأمامية فقط.

الزي الرسمي الأول لجنود الجيش الفرنسي، والذي تم توحيده بين كل أفراد الجيش عام 1958، كان التصميم المسمى بنمط «السحلية»، واستخدمه الجيش الفرنسي أثناء تواجده في الجزائر والهند الصينية،  وهو نمط استلهمته العديد من  جيوش البلاد الأخرى التي حاربت في بيئاتٍ مماثلة، ولكن مع أوائل الستينيات وحتى عام  1990 لم تجد فرنسا زيّ «السحلية» مناسبًا لأغراضها الحربية، وعند انضمام القوات الفرنسية لحرب الخليج، كان الزي المعتمد للجيش في ذاك الوقت هو النمط «الزيتوني الصحراوي» لتماهيه مع طبيعة بيئة دول الخليج العربي.

تطوَّر هذا الزيّ أكثر من مرة ليواكب التغيُّرات البيئية، وتعدُّد البيئات المعادية، وصمم ما يزيد عن 10 تصميمات مختلفة لهذا الزيّ، وأطلق عليه اسم السحلية لقدرة هذا الحيوان على التخفِّي والتمويه بمهارةٍ شديدة حسب البيئة المحيطة به، عن طريق تغيير لون جلده، ولذلك أطلق على هذا التصميم اسم السحلية، لقدرة تصميماته على التمويه في أكثر من بيئة طبيعية.

المبادرة الأمريكية..  جلد الضفدعة الذي لم يصمد أمام الطقس الاستوائي

كانت الولايات المتحدة الأمريكية  أول من ابتكر واستخدم هذا الزي، حينما انضمت للحرب العالمية الثانية في الأربعينيات من القرن العشرين، ولكن بعد ارتداء الجيش لهذا الزي أثناء حربهم في الغابات الاستوائية – حيث تماهى تصميم الزي مع الطبيعة الاستوائية ووفر الحماية والأمن للجنود من الجيوش المعادية – اكتشفت الإدارة العسكرية  تشابه الزي مع الزي العسكري الألماني في ذلك الوقت.

والذي أدى إلى حوادث كثيرة بين الجنود بسبب هذا الارتباك، بالإضافة إلى المواد الخام التي صُنع منها الزي، والتي لم تحمِ جنود الجيش من طبيعة الأجواء الاستوائية القاسية، وأصيب العديد من الجنود بالأمراض الاستوائية. وأمر الجيش بوقف تصنيع هذا الزي، الذي لم يستمر طويلًا على قائمة الأزياء العسكرية المموهة.

بقعة القهوة الأمريكية.. من أجل البيئة الصحراوية

هذا الزيّ يطلق عليه التمويه الصحراوي، نظرًا لتشابه ألوانه مع ألوان الصحراء وظلالها، واستخدمه جيش الولايات المتحدة الأمريكية بأعدادٍ قليلة أثناء حرب الخليج عام 1991، وكان يعتبر نسخة تجريبية في هذا الوقت، وصُمم من أجل استبداله بتصميم «رقائق الشيكولاتة» المكون من ستة ألوان، والذي أثبت عدم جدارته في التماهي مع الأجواء الصحراوية.

وتم اختبار هذا التصميم – بقعة القهوة – على عينات أرضية من الشرق الأوسط، خاصة المملكة العربية والكويت، لتحديد مدى كفاءة الزي في التماهي مع طبيعة البيئة في تلك البلاد.

كوبا.. محاكاة شجرة الدردار للتواجد في أفريقيا

في عام 1960 ابتكر الجيش الكوبي زيًّا عسكريًّا مموهًا مستوحى من شجرة الدردار، وهو مزيج من ألوان الأسود والأزرق الداكن بتطعيم من ظلال اللون البني على خلفية خضراء، واستمر استخدام هذا الزي حتى الثمانينيات.

ولكن هذا الزيّ اقتصر على القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية الكوبية، وحينما ساهمت كوبا بشكل رئيسي في كل الحروب التي دعمها الاتحاد السوفيتي في أفريقيا، كان هذا الزي مناسبًا لهم نظرًا لتماهيه مع طبيعة القارة.

فيتنام.. طراز النمر الأصلح للغابات الكثيفة

هذا النمط من التمويه في الملابس العسكرية، صمم عام 1958 من أجل تماهي جنود القوات المسلحة الفيتنامية الجنوبية مع الغابات الكثيفة، خلال حرب فيتنام ومن بعدها اعتمدت هذا الطراز العديد من البلدان الآسيوية، وهذا التصميم كان مستوحى من تصميم «السحلية الفرنسي» الذي صُمم عام 1950.

ويتميز هذا التصميم – النمر- بخطوطه الضيقة كضربات فرشاة ألوان بلوني الأخضر والبني، ممزوجة بشرائط سوداء تصاحبها ظلال خفيفة للون الزيتوني. وهذا النمط ملائم للتماهي مع  الغابات المطيرة الغنية بالخيزران، وهو الزي الذي تستخدمه قوات العمليات الخاصة الأمريكية في أفغانستان.

نمط «الصخر والرمال» .. مصر عام 1973

استخدم الجيش المصري نمط الصخر والرمال زيًّا لجنوده للمرة الأولى عام 1958، وكان مستوحى من الزي الألماني المعروف بنمط «الشجيرات»، وهو الزي الذي ارتداه الجنود المصريون أثناء حرب أكتوبر عام 1973 ضد قوات الجيش الإسرائيلي.

وهذا بسبب قدرة هذا الزي على التماهي مع الأجواء الصحراوية، ولكن جنود الجيش المصري يرتدون في الوقت الحالي زيًّا يُعرف باسم «الغابات» وهو تصميم فرنسي الأصل.

التمويه الرقمي.. أو نمط التمويه العالمي

هذا النمط صممته الولايات المتحدة في عام 2004 خلال حرب أفغانستان واعتُمد بعد العديد من الاختبارات المعملية وعلى أرض الواقع، وأطلق عليه هذا الاسم نظرًا لتشابهه مع النقط الرقمية في أنظمة الحاسب الآلي، المكونة من لونين: النحاسي والرمادي.

ويساعد هذا الزي الجنود على التخفي والتماهي في الغابة والصحراء والبيئات الحضرية، ولكن مؤخرًا تم التشكيك في قدرات هذا الزي على التماهي مع جميع البيئات، ويعمل المتخصصون بالولايات المتحدة الأمريكية – بميزانية تصل إلى 28 مليون دولار أمريكي – على تطوير زي عسكري مموه جديد، وتقديمه للعالم في عام 2019.