نشرت فرنسا جنودها لتطبيق حالة الطوارئ بسبب تفشي وباء كورونا، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنشاء مستشفى عسكري في منطقة الإلزاس القريبة من الحدود الألمانية. أما ألمانيا فقد أعلنت أنيجريت كرامب-كارنباور، وزيرة الدفاع، أن الجيش الألماني جاهز للنزول إذا زاد الضغط على المؤسسات المدنية الأخرى. إسبانيا هي الأخرى لجأت للجيش لتطبيق حظر التجول. من جانبها أعلنت سويسرا تعبئة 8 آلاف جندي ليقدموا خدمات مختلفة حال تفشي المرض.

الجيوش العربية أيضًا كانت حاضرة في المشهد، على رأسهم الأردن الذي استعان بجيشه لتطويق المنشآت الحيوية وللإشراف على التزام المواطنين بتقييد الحركة. تونس هي الأخرى أعلن رئيسها، قيس سعيد، أن الجيش مستعد للتدخل. كذلك مصر، فقد بدأ جيشها يدخل على ساحة المشهد، سواء بإعلان وجود طواقم طبيَّة مدربة لديه، أم بخطوط إنتاجه وتوزيعه لمستلزمات الوقاية المختلفة.

رافق دخول الجيوش تلك الساحة الحالية تراجعٌ ملحوظ في وجود الجيش في ساحاته التقليدية. بريطانيا مثلًا أوقفت التدريبات التقليدية لجنودها، كما تقلَّصت مناورة حلف شمال الأطلسي التي كان مُقررًا لها أن تشهد أكبر عملية انتشار للقوات الأمريكية في أوروبا. حتى الأعداد الأوروبية القليلة الموجودة في البلدان البعيدة لتدريب أبناء البلاد مثل العراق سُحبت.

في العادة، يعد نزول الجيش إلى الشارع في أي دولة مؤشرًا صارخًا على عدم الاستقرار السياسي، كما يثير تحرك الجيش انقسامًا شعبيًّا بين مؤيد ومعارض. لكن في أزمة كأزمة تفشي وباء قاتل لا يثير نزول الجيوش انقسامًا، فضلًا عن احتمالية أن يكون نزوله مطلبًا شعبيًّا. لكن فيما يُفيد نزول الجيش للشوارع، وهل كانت الجيوش مستعدةً لسيناريو خوضها حربًا ضد فيروس خفي؟

هكذا تساعد الجيوش في الأزمات

أول ما يوفره نزول الجيش هو العدد، أو بتعبير أكثر تحضرًا، الموارد البشرية. الموارد البشرية التي يوفرها الجيش تمتاز بالانضباط والقدرة على التحرك في مجموعات كبيرة وبنظام دقيق. كما أن تدريباتهم العسكرية تجعلهم مؤهلين للعمل تحت ضغطٍ، وفي ظروف استثنائية قد لا يكون الفرد المدني قادرًا على التعامل معها. كما أن جميع العاملين بالجيوش يجري تدريبهم على الإسعافات الأولية والطرق الأوليّة في التعامل مع مختلف المصابين، وتلك الخلفية الطبية البسيطة تصبح شديدة الحيوية وقت الأزمات، ووقت العجز في الكوادر الطبية.

ثانيًا يوفر نزول الجيش إلى الساحة إتاحة منشآته الطبية وفرقه الطبية لخدمة مصابي الأوبئة من العسكريين والمدنيين أيضًا. وغالبًا ما تكون الفرق الطبية العسكرية قليلة العدد لكن ذات كفاءة. وتمتلك بعض الجيوش موارد خاصة بها، مثل الجيش الأمريكي الذي أعلن تقديم 5 مليون كمامة وألفي جهاز تنفس صناعي للنظام الصحي الأمريكي. كذلك حرَّك الجيش الأمريكي اثنين من مستشفياته العائمة ليكونا قيد تصرف القائمين على النظام الصحي.

أيضًا يوفر الجيش مساعدةً في الخدمات اللوجيستية، مثل إمدادات الطعام للمدن المعزولة صحيًّا. كما حدث في بريطانيا؛ إذ اضطلعت قوات الجيش بتأمين خطوط إمداد الأوكسجين للمستشفيات. أو للأسف كما حدث في إيطاليا، حين تولت عربات الجيش المُؤمنة مهمة حمل توابيت ضحايا الفيروس، وجابت بهم الشوارع الخاوية؛ كي يُسمح لذويهم المعزولين منزليًّا بتوديعهم.

للجيوش دور يمكن أن تقوم به وقت الأزمات، لكنّه دور لا يرغب أحد أن يقوم به الجيش، رغم إتقان الجيوش له، حفظ الأمن والنظام العام. في حالة الخطر الداهم مثل تفشي وباء قاتل، قد يدفع الهلع المواطنين للتصارع على الموارد المحدودة، أو يستغل آخرون انشغال أجهزة الأمن للقيام بأعمال نهب. لكن أغلب الحكومات تفكر أكثر من مرة قبل أن تطلب من الجيش أداء تلك المهمة. حتى لو أدى ذلك لخلق قوات وسط بين المدني والعسكري، مثل الولايات المتحدة، حيث توجد قوات الحرس الوطني، والتي عُهد إليها بحفظ النظام في 27 ولاية حتى وقت كتابة هذا التقرير.

في العديد من الدول يوجد عامل نفسي مهم يؤدي لاستدعاء الجيش، ألا وهو توجيه رسالة طمأنة للشعب. فحين يدخل الجيش على الساحة يطمئن المواطنون أن الدولة بكامل مواردها تهتم بما يحدث. رغم أنه في حالات خاصة قد يبث الأمر الرعب في النفوس، تبعًا لتاريخ علاقة الجيش بمواطني بلاده. ففي السودان يخشى المواطنون تحويل حالة الطوارئ الصحية إلى طوارئ عامة، كما يتخوَّفون من استغلال الجيش لتفشي كورونا في توسيع صلاحياته العسكرية على حساب الحكومة المدنية.

حماية الجندي العسكري مقدمة على المواطن المدني!

لكن يمكن القول بأن الجيوش بعد ظهور الأوبئة ليس كبعدها. تخيَّل عمليات قتالية يقوم بها جيش إحدى الدول في دولة أخرى بها فيروس ما، أو دولة كان بها فيروس ما، ثم بعد عدة أيام تبدأ أعراض الإصابة بالظهور على قوات الجيش. حينها على الجيش، قيادةً وجنودًا، أن يسألوا بوضوح هل مصدر التهديد الرئيسي هو العدو أم الوباء؟

من المستحيل أن تختار الدول العظمى سحب جنودها من كل البلدان، أو إزالة وجودها العسكري في البلدان المختلفة، ما يعني أن مقاومة أي وباء يظهر هي من أهم أولويات الجيوش، وليس فقط أولوية النظام الصحي المدني. حتى لو انحسر الوباء واختفى لأسباب بيئيَّة أو غير معروفة، فإن معامل الأبحاث العسكرية لن تتوقف إلا بعد التوصل لعلاج ناجع يحمي جنودها من الإصابة بالوباء. أو على أقل التقديرات، أن تحصِّنهم قدر استطاعتها من احتمالية الإصابة بالفيروس.

في الحرب العالمية الثانية واجهت الولايات المتحدة تفشي وباء التيفوس في بلدان شمال أفريقيا، التي كانت فيها القوات الأمريكية. سجلت أفريقيا 103 ألف حالة إصابة، من بينهم 72 ألف حالة كانوا في مصر ما بين عامي 1942 و1943. وعلى الرغم من أن التفشي كان بعيدًا تمامًا عن الولايات المتحدة، فإن الرئيس فرانكلين روزفلت أنشأ لجنة أمريكيةً خاصة للقضاء على التيفوس.

في السنوات نفسها سجل العالم 90 ألف إصابة بحمى الضنك، و470 ألف حالة بالملاريا. تلك الأمراض الاستوائية عطلت ثلث البحرية الأمريكية عن أداء مهامها، ما أدى لصدور قرار بسحب القوات. حتى بعد الانسحاب لم يُسمح للقوات المنسحبة بالدخول في أي معارك أخرى حتى التأكد تمامًا من خلوهم من الأمراض. الحوادث السابقة ليست نادرة الحدوث، بل تلاها حوادث مشابهة مع أوبئة السل والتهاب الكبد الوبائي.

دولي

منذ 3 شهور
«زمن الكورونا».. تغييرات جذرية يُحدثها الفيروس في العالم

هذه الأحداث لا تغيب أبدًا عن أذهان القادة العسكريين؛ لذا مهما بلغت درجة انهماكهم في مكافحة الوباء وحماية الشعب، فإن تركيزهم الأول يكون في أن حماية العسكري أولى من المدني.

الأوبئة.. مأساة متكررة لكنها ليست أولوية

في أوقات الوباء تركز الجيوش والحكومات كامل طاقتها على مكافحته، لكن بعد انتهائه يكتفي المسئولون بالاحتفال بالقضاء عليه فحسب. ولأن آفة عالمنا النسيان؛ فإن الأوبئة ليست مجال تركيز الجيوش، والأبحاث العسكرية لا تلتفت إلى التهديدات البيولوجية إلا حين تحدث، أو حين ترغب دولة في تخليق وباء جديد.

الجيوش الكبرى غالبًا ما تركز على التهديدات التكتيكيَّة والجهات الفاعلة عسكريًّا مثلما يفعل العالم مع إيران أو كوريا الشمالية. أو مجابهة الدول ذات الطموحات الدولية بعيدة المدى مثل الصين وروسيا. تتجه الجيوش لتلك الساحات مطمئنةً إلى وجود خطة طوارئ مُعدة سلفًا لمواجهة الأوبئة أو التهديدات البيولوجية. لكن ما يحدث أنّه في حالة الحاجة لتلك الخطة، يُصدم الجميع بأن ميزانية مشروعات البحث لم تكن كافية.

لذا صرَّح سواومير دوبسكي، مدير المعهد البولندي للشؤون الدولية، بأن أول ضحايا كورونا حاليًا هي ميزانيات الدفاع في دول العالم. وأن في حقبة ما بعد القضاء على الفيروس؛ سيكون على دول العالم إجراء تصحيحات على ميزانيتها العسكرية لزيادة المبالغ المرصودة لمكافحة الأوبئة. وحذَّر دوبسكي من أنه إذا لم تتعاون الجيوش مع معامل الأبحاث المختصة للاستعداد للوباء القادم؛ فإن النتائج ستكون كارثية.

وجدير بالذكر، أنه في الولايات المتحدة، أحد أكبر الدول المهتمة بأبحاث الحروب البيولوجية، تقدَّم الكونجرس بطلب وضع ميزانية لمركز السيطرة على الأمراض قدرها 8 مليار دولار. لكن بدلًا من ذلك قررت الحكومة الأمريكية تمويل صندوق طوارئ لكل الطوارئ الاجتماعية والصحية بمبلغ 2.7 مليار دولار فقط.

في عالم ما بعد كورونا.. كيف ستتعامل الجيوش مع تهديد الأسلحة البيولوجية؟

دائمًا ما كان السياسيون والعسكريون طرفي نقيض لا يلتقيان، كلاهما يكره الآخر. لكن في حالة الحرب البيولوجية تعتمد الجيوش على الساسة في مقاومتها. ليس حبًّا في الساسة، لكن لأن ذلك يمنح الجيوش قدرةً على توجيه ميزانيتها للحروب التقليدية، والأدوات القتالية والدفاعية المعتادة. وفي عام 1972، وقعَّت غالبية دول العالم – 180 دولة – اتفاقًا ينص على حظر تطوير وتخزين واكتساب أي عوامل بيولوجية لإمكانية استخدامها في أغراض عسكرية.

تلك الاتفاقية غير ذات أهمية؛ لافتقارها لجهة تنفيذية تشرف على التزام الدول بها. لكنها على الرغم من ذلك، وضعت قاعدة أخلاقية عالمية، تؤكد أن استخدام السلاح البيولوجي غير مقبول. هذه القاعدة لا تمنع الدول من استخدام هذه الأسلحة، لكنها تسمح للدول الأخرى بمعاقبتها حال فعلت. واستخدام أي دولة السلاح البيولوجي سوف يحوِّلها لدولة منبوذة مهددة بالغزو العسكري من كل دول العالم الأخرى.

فإذا قلتَ إن الجماعات الإرهابية لا تخشى التدخل الدولي أو العقاب العالمي؛ لأنها مُعاقبة بالفعل، كما لا يتلزمون بأخلاقيات الاتفاقيات، فعلى الجيوش أن تخشى منهم، وأن تطور وسائل للوقاية من أفعالهم. يأتيك من الرد من عديد قادة جيوش العالم، أن الحل ليس توفير وسائل الوقاية، بل منع وصول أي منظمة غير رسمية لتركيب سلاح بيولوجي. هذا المنع يتحقق بغلق كل المصادر التقنية التي تُوضح كيفية تخليق ميكروب، أو كيفية القيام معمليًّا بإحداث أي طفرة جينية في فيروسٍ ما.

كذلك تعمل الدول في دوائر منفصلة، كل دولة تُخفي ما وصلت إليه. التفسير المنطقي لذلك أنه لا دولة ترغب في إهداء نتائجها لدولة أخرى، لكن ما يُعلن رسميًّا أن العمل المغلق كي لا توجد وسائل لنقل المعلومات؛ حتى لا يمكن لأي مخترق أن يقتحمها.

قد لا يكون السلاح البيولوجي، أو تفشي وباء في ذهن المدني أمرًا بسيطًا كما يتعامل معه العسكري، لكن هكذا تتعامل الجيوش مع ذلك التهديد من قبل كوفيد-19، وهكذا تتعامل مع جائحة كوفيد-19، لكن كيف ستتعامل فيما بعد كوفيد-19 الشهير بكورونا؟

تكنولوجيا

منذ 9 شهور
أن تلاحقك القنبلة بسبب «جيناتك».. تعرف إلى «الأسلحة المبرمجة وراثيًّا»

المصادر

تحميل المزيد