اشتكى كيري مرارًا وتكرارًا لمجموعة من المدنيين السوريين، من أن دبلوماسيته لم تدعمها تصريحات تهدد بالحل العسكري»، سُرب هذا التصريح أمس الجمعة، 30 سبتمبر (أيلول) 2016، في تقرير خاص لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، ليُظهر بوضوح استياء وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري»، من موقف حكومته التي تصر على رفض التلويح بالحل العسكري، كوسيلة للضغط السياسي في سوريا.

وبالرغم من أن هذا التصريح ليس الأول، إلا أن فشل الحل الدبلوماسي الأخير الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا، وتكثيف روسيا والنظام السوري هجومهما العسكري ضد حلب وسكانها، يجعل منه دليلًا قويًا على ضعف الموقف الأمريكي وعجزه عن حل الأزمة السورية، فوسط الدماء المسكوبة تحت الركام وفوقه في مدينة حلب، أصبح الحديث باهت عن رغبة أمريكية بالسماح لدول الخليج أو تركيا بتزويد المعارضة بسلاح.

ولا تزال الولايات المتحدة على سياستها في منع وصول السلاح للمعارضة السورية؛ إذ يشكل الفيتو الأمريكي أمام تمكين وصول السلاح الاستراتيجي من الدول الخليجية، معضلة تقلب موازين القوى لصالح النظام السوري وحلفائه.

ويستمر نهج الولايات المتحدة بإحالة وصول كميات ونوعيات من الأسلحة بتوحيدها الحلفاء خاصة دول الخليج خلف هدف تقديم التدريب وأسلحة المشاة لجماعات المعارضة المعتدلة مع تركيزها على الطرق الدبلوماسية.

سلاح نوعي لحسم المعركة

في الثامن والعشرين من سبتمبر (أيلول) الماضي، وصلت المعارضة السورية كميات من راجمات «غراد» سطح- سطح، يصل مداها إلى 22 و40 كيلومترًا، وهو طراز لم تحصل عليه المعارضة السورية من قبل،هذه الراجمات سوف تُستخدم في جبهات حلب وحماة والمنطقة الساحلية.

وكانت المعارضة السورية بحاجة ماسة لمثل هذه الأسلحة في ظل التصعيد الكبير للنظام السوري وروسيا على مدينة حلب.

استطعنا الوصول إلى مأمون حاج موسى، المتحدث «باسم فصيل» «صقور الشام»، الذي بدأ حديثه لـ«ساسة بوست» بالعودة إلى البدايات الأولى لحرب الثورة السورية، حين كان الثوار يقتحمون ثكنات وحواجز  عناصر النظام السوري ببنادق الصيد حتى غنموا  من هذه العناصر بنادق «الكلاشنكوف» والرشاشات المتوسطة وكونوا سلاحهم.

يضعنا «حاج موسى» أمام أهمية دعم المعارضة السورية بالسلاح، بالرغم من أن فصيلة «صقور الشام»، وفصائل المعارضة السورية عمومًا، يُؤمنون بأن السلاح ليس كل المعركة، ولا يمثل الثقل الذي يحسمها لوحده فقط كما يقول، مضيفًا «في حالة تم تحييد هذا السلاح بالتأكيد ستنقلب موازين المعركة لصالحنا، نحث الدول الصديقة أن تُعمل وتتحول إلى دعم حقيقي للثوار، كما يدعم أصدقاء بشار عصابته المجرمة سياسيًا وعسكريًا، يتلقى دعمًا مفتوحًا بريًا وجويًا وبحريًا».

ويرى حاج موسى أن السلاح النوعي هو القادر على حسم المعركة، «فيما لو توفرت معه الشروط المعنوية الأخرى، ليس أي سلاح، فنحن نعلم أن عصابة الأسد تعتمد على طائراتها لقتل أهلنا والفت من عضد ثوارنا بذلك وعلى هذا يراهنون»، على حد تعبيره.

ويُذكر أن فصيل صقور الشام من أقدم الكتائب المقاتلة في تاريخ الثورة السورية، ويتركز تواجده في الشمال الغربي السوري، كجبل الزاوية «جبل أريحا»، التي كانت مكان انطلاق عملها لتصبح، في فترة وجيزةٍ، من أهم الفصائل الثورية المسلحة في محافظة إدلب، التي تُعتبر خزَّانه من الشباب المقاتل، ومنها حاضنته الشعبية.

إصرار الولايات المتحدة على السلاح الخفيف

بدأ برنامج تدريب المعارضة السورية «المعتدلة» في أوائل مارس (آذار) 2015، بعد صدور قرار يسمح بذلك من مجلس النواب الأمريكي في شهر سبتمبر (أيلول) العام 2014، حينها قرر تسليح «المعارضة السورية المعتدلة» بتمويل تبلغ قيمته خمسمائة مليون دولار.

ومع ذلك بقيت الولايات المتحدة متحفظة على نوعية السلاح المقدم من قبل الدول الداعمة للثورة، بالرغم تأكيدها الدائم بأنها مع الثورة ضد النظام السوري، وفي وقت تستمر الولايات المتحدة بالتمسك برؤيتها لوقف النزاع بسوريا بالطرق الدبلوماسية مع الجانب الروسي، يأتي تحذير وزير الخارجية الأمريكي جون كيري من أن «البديل سيكون في تسليح الولايات المتحدة وحلفائها للمعارضة واستمرار الحرب، إلى أن يهزم الأسد» تحذير ضعيف.

ويرى الخبير في الشؤون الدولية والاستراتيجية، «أنس القصاص» أن الطرق الدبلوماسية بالتفاوض والاتفاق، والتي كان آخرها هدنة عيد الأضحى التي تم خرقها من اليوم الأول طرق لا جدوى منها البتة، ويعتبر القصاص أن مجازر حلب هي «معادل موضوعي» لانهيار آلية صنع القرار الأمريكي حيال سوريا.

ويضيف القصاص «أمريكا مشتتة لاسيما مع الأيام الأخيرة لأوباما في البيت الأبيض، وهناك قوى تصب في ذات الإطار وتحاول أن تدفع الرئيس الأمريكي لاتخاذ موقف حاسم مع روسيا كالمخابرات، وتؤكد على ذلك تصريحات مدراء وكالات المخابرات أمثال برينان وكلابر».

ويعتقد القصاص أن مؤسسة الدفاع الأمريكية، التي قال إنها ذات موقف صلب من روسيا، لا تزال تبدي مرونة وتجتهد في تقوية الخطوط الساخنة مع روسيا خوفًا من تطور الصراع في سوريا إلى صراع دولي وخصوصًا أن كثافة الانتشار العسكري في سوريا ومحيطها وصلت لمرحلة خطيرة وممكن لأي اشتباك عن طريق الخطأ أو حادث غير محسوب أن تنزلق الأوضاع بشكل مخيف، حسبما قال.

وأشار إلى استمرار نهج الولايات المتحدة بالسماح بتسليح المعارضة السورية بالسلاح الخفيف وعلى أحيان متباعدة بالمتوسط، أما تسليحها بسلاح ثقيل فهو أمر يستبعده القصاص تمامًا، مستدركًا: «إلا إذا كان الأمريكيين جاهزين لدخول بحلف دولي لحرب مفتوحة لتحجيم روسيا في شرق أوروبا قبل الشرق الأوسط«.

أمريكا معنية بتورط الروس أكثر في سوريا

تسببت السياسة الأمريكية القائمة على منع وصول كميات كبيرة ومعينة من الأسلحة للمعارضة «المعتدلة» كما تسميها بإضعاف تأثير قوة هذه المعارضة، مما أخل بميزان القوى على الساحة السورية، بداية بتصاعد قوة الفصائل المتشددة وأبرزها تنظيم الدولة الإسلامية، ثم بضعف هذه المعارضة في مواجهة النظام السوري وروسيا والميلشيات المسلحة التابعة لإيران، فالطائرات الروسية كطائرات التوبوليف «22» أو «95» تطير على ارتفاعات تتراوح بين ثمانية و11 كيلومتر. وتمتلك  الطائرات الروسية منظومات ومعدات تشويش وحرب الكترونية تستطيع حرف الصواريخ التي تملك المعارضة والهروب منها.

يؤكد أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر «محجوب الزويري» على عدم وجود توازن في القوة العسكرية بين الطرفين، فالنظام السوري ومعه روسيا وإيران والميليشيات لديها قوة عسكرية تبقيها متفرقة، في المقابل معارضة سورية موزعة جغرافيًا ولا تحصل على دعم بشكل منتظم، «وهذا الوضع يلعب دور في الخلل في ميزان القوة»، حسب الزويري.

ويشير أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر الزويري إلى عدم وجود أي دليل على رغبة إدارة «أوباما» في لعب دور محوري يقود إلى حل بسوريا. وتابع «أيام إدارة أوباما معدودة، وأعتقد أنها ترغب في ترحيلها للرئيس الجديد، أما روسيا بالطبع تجد نفسها منذ التسعينيات تلعب دور قيادي في الشرق الأوسط وينصاع لها الغرب ومعه أمريكا، وهي تتكئ على قوة عسكرية وعلى حق الفيتو في مجلس الأمن»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «باختصار ما أضاعته روسيا في العراق بعد العام 2003 تحاول أن تستعيد بعضه في سوريا، لاسيما المكانة الدولية كلاعب مؤثر في الأحداث».

وفي معرض رده على سؤال هل أمريكا معنية بتحقيق انتصار سياسي على روسيا في سوريا، أجاب الزويري «معنية برؤية الروس متورطين أكثر في سوريا، وهناك مستوى من التحفظ، باعتقادي أي دعم يتم بالتنسيق مع واشنطن، وكذلك تركيا، وخلط الأوراق وتصنيف بعض المعارضة المسلحة بأنها إرهابية أمر يعقد مهمة أية دولة تريد تقديم الدعم للمعارضة».

الخليج ينصاع لـ«الفيتو الامريكي»

اتجهت الأنظار مؤخرًا نحو أهمية تسليح دول الخليج لفصائل المعارضة المسلحة بعد فشل اتفاق (كيري – لافروف)، لكن هذه الرغبة  من الدول الخليجية ما زالت تصطدم بفرض «فيتو» أمريكي على تسليح المعارضة السورية بأسلحة متقدمة.

يقول المحلل والكاتب السوري «موفق زريق» أن الولايات المتحدة الأمريكية تقريبًا تبنت الحل الروسي الإيراني في إبقاء الأسد وإقامة حكومة وحدة وطنية مختلطة من الطرفين، وتابع القول لـ«ساسة بوست» «أمريكيا تريد أن تضرب المعارضة كي تتنازل وتقبل بالحل الروسي حسب العيار الأمريكي، لذلك لن تسمح أمريكا بالسلاح النوعي، فهي تريد إضعاف المعارضة».

من جانبه، يشدد العميد والخبير العسكري السوري أحمد رحال على أن المواجهة على أرض الواقع مستمرة مهما ضُيق الخناق على المعارضة وسواء أرسل السلاح و الإمدادات العسكرية للمعارضة أم لم ترسل، معتبرًا أن البحث عن حلول سياسية وأخرها الهدنة  لم يكن إلا لكسب الوقت، والعودة إلى نقطة الصفر، مضيفًا «الضغط على المعارضة بالتسليح لن يفيد في وقت تلقي به الطائرات الروسية كافة أنواع الأسلحة والقنابل على حلب».

ويستنكر الرحال استمرار الولايات المتحدة فيما أسماه «النفاق السياسي»  وعقب بالقول «إن الإصرار على عدم دعم المعارضة, واشتراط إخراج تنظيم «جبهة النصرة» من سوريا أمر غير منطقي، فهذا التنظيم يشكل فيه السوريين الغالبية»، وتساءل الرحال خلال حديثه لـ«ساسة بوست» لماذا يصرون على إخراج النصرة بحجة أنها تنظيم متشدد، بينما يبقى مع الأسد60 قوة شيعية؟ لماذا لا يرى المجتمع الدولي، إلا الجبهة التي لا نتوافق معها، بالرغم من أنها سورية التكوين؟

ويشدد الرحال على أن الدول الخليجية والعربية لا تخرج عن العباءة الأمريكية، وهي ترضخ للولايات المتحدة مطالبًا هذه الدول بعدم قبول الضغط الأمريكي والتمرد على الفيتو الأمريكي، وتابع الرحال «على دول الخليج أن تدرك أن السوريين لا يقاتلون من أجل  سوريا، نحن أمام مخطط فارسي  لسيطرة على المنطقة، وسوريا هي خط الدفاع الأول».

عرض التعليقات
تحميل المزيد