2,580

في أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وما تلاها من وقائع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتحوُّل بلاد الرافدين إلى مرتع للتنظيمات المسلحة، تشكل انطباع داخل وجدان العرب أنَّ أمريكا هي السبب الرئيسي في تدمير أمتهم، وتفريق وحدتهم، وخلق عصبيات دينية تفتت بلدانهم. نقلت آنذاك الفضائيات العربية صورًا حية لعدد من التظاهرات المناهضة للولايات المتحدة يظهر فيها شبان عرب وهم يحرقون العلم الأمريكي، ويضربون تمثالًا للرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش.

بمرور السنوات، ترسَّخ هذا الانطباع الذي رسمته القنوات الفضائية العربية عن أدوار أمريكا في البلاد العربية، ودعمها لإسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية لدى مُخيلة المواطن العربي، وأصبحت أمريكا هي العدو الأول للعرب. أدركت أمريكا -من واقع قياسات الرأي العام- أهمية محو هذه الصورة الذهنية، وسعت إلى الشروع في عدد من الآليات؛ لرسم صورة مغايرة غير التي تعمقت في ذهن المواطن العربي.

لتعديل هذه الصورة؛ أسست أمريكا عددًا من المنافذ الإعلامية، الممولة من الكونجرس، تحاول عبرها تحقيق هذا الدور على مدار السنوات الماضية، وما تزال مستمرة في عملها. يرسم التقرير صورة عن أدوار هذه القنوات التي تموِّلها الخارجية الأمريكية، ومدى قدرتها على تغيير الانطباعات الراسخة في وجدان المواطن العربي عن الولايات المتحدة الأمريكية.

«الحرة ».. يمولها «الكونجرس» وتخضع للرقابة الشديدة

كانت واحدة من هذه الوسائل هو إنشاء سلسلة منافذ إعلامية أبرزها قناة «الحرة» في 2004، تلك المنافذ تمولها الخارجية الأمريكية، إذ ترتكز على الترويج للموقف الأمريكي ودورها في الشرق الأوسط، بما في ذلك معاداة حركات المقاومة ودعم جهود التقارب العربي- الإسرائيلي.

في 15 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2004، عنونت كُبرى الصحف الأمريكية صفحتها الرئيسية بمقالة عن قناة «الحرة»، ووصفتها بأنها «أكبر مشروع قامت به الحكومة الأمريكية لاستمالة الرأي الأجنبي منذ تأسيس صوت أمريكا عام 1942». ويُشرف على قناة الحرة والمواقع المُلحقة بها مجلس أمناء البث الإذاعي والتليفزيوني في الكونجرس، إذ يُخصص لها ميزانية سنوية، ويُتابع المحتوى التليفزيوني لها متابعة دورية.

متظاهرون عراقيون يحرقون العلم الأمريكي في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق

ويُخصص لها الكونجرس الأمريكي ميزانية سنوية تصل إلى أكثر من 100 مليون دولار، تُصرف سنويًا لـ«الحرة»ـ ومعها «راديو سوا »، بينما تُشير تقارير إلى أنّ موازنة القناة وحدها قفزت لتبلغ خلال عامي 2010 و2011 ما يقارب 110 ملايين دولار سنويًّا. ويصل حجم الإنفاق المُخصص على «الحرة» على مدار 13 عامًا أكثر من مليار دولار؛ بينما لم يواكب هذه المبالغ الضخمة تأثير متوقع لهذه المحطة الأمريكية على الجمهور العربي، إذ وصل محصِّلة نسبة مشاهدتها في أفضل أحوالها بحسب التقارير المستقلة إلى 2%.

بدأت القناة الأمريكية بفريق مشترك مكون من 200 صحافي عربي وأمريكي في مقرّ القناة بواشنطن، وميزانية بلغت نحو 62 مليون دولار للسنة الأولى من البث. وتأسست مع الحرة قناة تليفزيونية أخرى وهي «الحرة عراق»، التي تخصصت لمخاطبة المواطن العراقي، وتغطية الشأن العراقي، وأصبحت الأكثر مشاهدة في بيوت العراقيين على خلاف قناة الحرة العامة.

اقرأ أيضًا: «من أسوأ الأماكن للسيدات».. ماذا تعرف عن التحرش الجنسي في الكونجرس الأمريكي؟

ويرتبط فشل قناة الحرة الأمريكية، في تقدير عددٍ من الباحثين المختصين بالإعلام، في عجزها عن إضافة أي جديد في المحتوى البصري أو البرامجي. لم تُحقق أي سبق تليفزيوني أو تحقيقات مُميزة، فضلًا عن غياب صحافيين أكفاء في مكاتبها، وتميزها بسياسة تمييزية في التعيينات والترقيات للعاملين فيها، والتوجيه الواضح في المحتوى الإعلامي الذي تقدمه.

يستطيع المُتابع لقناة الحرة التعرُّف إلى سياساتها على مدار السنوات الأخيرة من واقع تغطيتها للشأن العربي. إذ يتجلَّى ذلك في عدم تناول «الحرة» حادثة سجن أبو غريب حتى بعد أيام من وقوعها، كما تجاهلت عمدًا نقل صور حادثة قتل إسرائيل قائد حماس الشيخ أحمد ياسين، وهو في طريق خروجه بعد أداء صلاة الفجر، وغابت كذلك عن تغطية مقتل مراسل قناة العربية مازن الطميزي، بعد أن أصابته قذيفة مرتين من مروحية أمريكية في أحد شوارع بغداد.

ويظهر نفوذ الكونجرس الأمريكي على القناة من خلال واقعة استدعاء «موفق حرب»، رئيس القناة آنذاك، إلى جلسة استجواب في الكونجرس عام 2006، بسبب إخفاق «الحرة» في منافسة الفضائيات العربية واتهامات عن هدر أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، قبل أن يُقال، ويُعين مراسل «سي إن إن» السابق، لاري ريجستر، مديرًا عامًا لها، قبل أن يُقال بعد ستة أشهر فقط، قبل مجلس إدارة المحطة المشكل من أعضاء في الكونجرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على خلفية نقل القناة كلمة لأمين عام حزب الله حسن نصر الله على الهواء مباشرة.

«راديو سوا» و«أصوات مغاربية».. أمريكا تغزو محطات الراديو العربية

سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إطلاق محطة راديو تخاطب من خلالها الشباب العربي، وتتنوع برامجها بين السياسية، وقضايا الشباب، والفن، والموسيقى، والتكنولوجيا، والصحة، والفنون.كانت هذه المحطة هى«راديو سوا» التي بدأت بث برامجها في 23 مارس (آذار) من عام 2002.

وحسب الموقع الرسمي لراديو سوا، فإنهم يسعون «إلى التواصل الفعال مع الشباب العربي في منطقة الشرق الأوسط عن طريق تزويدهم بآخر الأخبار والمعلومات والموادّ الترفيهية، التي تُبث عبر محطات FM والموجات المتوسطة المنتشرة في جميع أرجاء المنطقة». ويذكر الموقع كذلك أنه مكتب تابع للإذاعات الدولية الأمريكية، ويموله الكونجرس الأمريكي.

في مايو (أيار) 2017 أطلقت شبكة «الشرق الأوسط للإرسال» MBN بجانب قناة «الحرة» و «راديو سوا»- منفذًا إعلاميًّا جديدًا وهو موقع «أصوات مغاربية» الذي يُعنى بشؤون المغرب العربي. سعت الشبكة الأمريكية إلى تعزيز حضورها في هذه المنطقة التي تزدحم بالتطورات السياسية في المرحلة الحالية، عبر هذا الموقع الإلكتروني. ويتابع تغطية الموقع فريق عمل يتوزع في المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وموريتانيا إضافة إلى هولندا، وفرنسا، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.

حسب ما هو مذكور على الموقع الرسمي للموقع، فهو «يتبع شبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN، التي تدير أيضًا قناة (الحرة) و(راديو سوا)، وهي مؤسسة لا تبغي الربح، يمولها الكونجرس الأمريكي من خلال هبة مقدمة من مجلس أمناء البث الإذاعي والتليفزيوني BBG، وهو وكالة فيدرالية مستقلة. يشرف هذا المجلس على (أصوات مغاربية)، ويحافظ على استقلالية عملها الإعلامي».

ألبرتو فرنانديز.. الدبلوماسي الأمريكي الذي يدير هذه الإمبراطورية الإعلامية

في 2006، لمعت أدوار ألبرتو فرنانديز، كدبلوماسي أمريكي يشغل منصب مدير الدبلوماسية العامة في إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو متحدث باللّغة العربية بطلاقة، يتحدث بها على الشاشات العربية ناطقًا رسميًّا للخارجية الأمريكية عن الشأن العربي، ويدافع عن سياسات بلاده، ومُحللًا السياسات الإعلامية لكُبرى القنوات التليفزيونية والصحف بالشرق الأوسط.

تدرّج فرنانديز داخل مناصب عديدة بوزارة الخارجية الأمريكية، تنقَّل خلالها بقسم الشؤون العامة بسفارات الكويت، مصر، اليمن، والسودان في الثمانينات، قبل أن ينتقل إلى العمل مستشارًا للشؤون الإعلامية والثقافية في سفارة الولايات المتحدة في دمشق، في الفترة ما بين 1993 إلى 1996، انتقل بعد ذلك إلى العمل في غواتيمالا في الفترة ما بين 1996 إلى 1999، ثم الأردن خلال الفترة من 1999 الى 2002، انتقل بعدها إلى أفغانستان في الفترة من 2002 الى 2003، قبل أن يشغل منصب مدير الدبلوماسية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الأمريكية.

في حواراته للصحف العربية، تحدث الرجل كيف أنه مُشاهد دائم للقنوات العربية وبالأخص «العربية» و«الجزيرة»، وقارئ نهم للصحف العربية، حيث يواظب على قراءة «الشرق الأوسط» و«الحياة» و«القدس العربي» يوميًّا، فضلًا عن انتقاداته الدائمة لتغطية الصحافة العربية للسياسة الأمريكية؛ فهو يرى الإعلام العربي ضحية «النفاق العربي»، معتبرًا أن «قناة «الجزيرة» كانت وسيلة للترويج لحزب الله، فيما كان مسؤولون من الدول العربية يقولون للأمريكيين إننا قلقون تجاه إيران في الخليج».

فرنانديز متحدثًا بالعربية

أخذ الدبلوماسي الأمريكي مواقف حادة تجاه عدد من القضايا السياسية خلال فترة شغله هذا المنصب، إذ يرى أن «حماس ليست جزءًا من معسكر السلام، كما لا يمكن أن تكون جزءًا من المقاومة»، ويعتقد كذلك «أن حماس كارثة، فهم يضعون رجلًا هنا ورجلًا هناك، ويعتقدون أن تحرير فلسطين يتم عبر المقاومة، لكنهم لا يستخدمون قوتهم العسكرية ضد إسرائيل». ويصف مقابلات قناة الجزيرة الفضائية مع عدد من قادة حزب الله آنذاك بأن «القناة التليفزيونية وسيلة للترويج لحزب الله، فيما كان مسؤولون من الدول العربية يقولون للأمريكيين إننا قلقون تجاه إيران في الخليج».

ترجم الدبلوماسي الأمريكي نفوذه الكبير في منطقة الشرق الأوسط من خلال ضغوط دائمة على المحتوى المنشور بالقنوات الفضائية والصحف العربية خلال فترة شغله هذا المنصب؛ فقد اعتاد على تقديم شكاوى تتعلق بظهور من ينتقدون ويهاجمون أو يحرضون على الولايات المتحدة في وسائل الإعلام العربية، مانحًا الحق لنفسه في ذلك «أعتقد أن لدينا الحق في تقديم الشكاوى».

على سبيل المثال؛ شكاوى ألبرتو التي لا تنتهي خلال تلك الفترة الزمنية، عدم قبوله تغطية قناة الجزيرة الفضائية لحرب تموز 2006، وانحيازها الواضح لحزب الله، وهو يوضح ذلك في مقابلة سابقة مع جريدة «الأخبار اللبنانية»: «لدينا شكاوى كثيرة من توجّه الجزيرة، فهي ممولة بالكامل من حكومة قطر التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، لكن ميلها كان لتأييد حزب الله، وهو أمر كان واضحًا قبل الحرب وخلال الحرب وبعد الحرب، إذا أرادوا أن يكونوا نسخة ثانية عن قناة المنار فهذا من حقهم أيضًا، ولكن من حقنا أن ننتقد، ولا أعتقد أن ذلك يسمّى تدخلًا».

ما الذي سيتغير في «الحرة» في العام الجديد؟

بحلول العام الجاري، سعت الخارجية الأمريكية نحو إجراء تغييرات هيكلية في قناة الحرة الأمريكية، عبر تفويض الدبلوماسي الأمريكي ألبرتو فرنانديز لإدارة «شبكة الشرق الأوسط للإرسال» المشرفة على قناة «الحرة». تزامن تعيين ألبرتو مع إعادة النظر في نوعية البرامج التليفزيونية، وعدد الموظفين في بعض الإدارات، وبعض المُشرفين على القناة من العرب، خصوصًا في ظل الفشل في عدم تحقيق نسب مُشاهدة مرتفعة السنوات الأخيرة.

Embed from Getty Images
«اللوجو» الرسمي لقناة الحرة يظهر خلال مقابلة لمراسلة القناة مع مسئول عراقي

ظهرت أولى هذه التغييرات في الاستقالة المفاجئة للمدير التنفيذي دانيال ناصيف، وتعيين الإعلامي نارت بوران، مدير شبكة سكاي نيوز العربية، نائبًا أول لرئيس الشبكة التي تضم قناة «الحرة» وراديو «سوا»، وإطلاق توسعات في عدد من المكاتب.

حسب رواية أحد العاملين في مكتب القاهرة لـ«ساسة بوست»، فإنّ من ضمن التغييرات الكُبرى التي ستطال القناة سيكون مكتب القاهرة، حيث ستزيد عدد الساعات المُخصصة للشأن المصري، وإطلاق قناة مُلحقة لتغطية الشأن المصري فيما يُشبه «الجزيرة مباشر مصر»، وإنتاج عدد من التحقيقات الاستقصائية في قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة. ويضيف أن الشبكة نجحت مؤخرًا في استقطاب عدد من كُتاب الرأي المعارضين، والاتفاق معهم على نشر مقالات رأي دورية على موقعها الإلكتروني.

يرسم الدبلوماسي الأمريكي صورة شاملة لرؤية التغيير في حوارٍ لجريدة «الشرق الأوسط» في يوليو (تموز) العام الجاري، قائلًا: «أريد أن تكون القناة منبرًا للأخبار الموضوعية. وأن نُركز على إنتاج تحقيقات استقصائية تنفرد بها القناة. وأن «يكون محتوى الحرة ليبراليًّا».