1,242

لم تكن جديدة تلك الصفقات العسكرية المبرمة بين البلاد العربية والدول التي تُعتبر مصدرًا للصناعات الحربية، مثل روسيا والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها؛ هذه الصفقات التي كانت ولا زالت تبرم منذ عقود وإلى اليوم، تنامت الآن لتصبح صفقات تنافسية هائلة بمليارات الدولارات، لم تعد هذه العمليات هي مجرد صفقات للسلاح المتقدم، وإنما تحمل معها عددًا من الاحتمالات المتوقعة بحسب خبراء ومحللين.

منافسات تشهدها الساحة العربية على صفقات السلاح

العراق يشتري، ومصر والإمارات العربية المتحدة والجزائر أيضًا تتسلح، وبكميات هائلة من مختلف أنواع الأسلحة والمعدات الحربية، حيث بلغت قيمة هذه الصفقات في عام 2016 فقط ما يعادل 216 مليار دولار حسبما قال وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان.

ووفق ما نشر موقع «MAKO» الإسرائيلي عن تقديرات لصفقات السلاح في العالم العربي لعامي 2015 و2016 ، توضح أن هذه الصفقات كانت متواضعة نوعًا ما قبل صفقة السلاح الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي وصلت قيمتها إلى 460 مليار دولار، لتبدأ بها الأسلحة النوعية بالتدفق إلى الدول العربية مثل مقاتلات حربية متطورة وصواريخ ودبابات وذخائر من النوع المتقدم جدًا، وستحصل على المزيد.

إيران أيضًا شاركت بهذا السباق عبر إدارة محادثات لشراء أسلحة جديدة من روسيا بعد إزالة العقوبات، كما ذكر موقع المصدر الإسرائيلي أن نظام بشار الأسد في سوريا سينجح في شراء أسلحة متطورة وعصرية برعاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

أما مصر والجزائر، فلم يكونا خارج دائرة هذا النوع من الصفقات، حيث إن مصر لم يمنعها وضعها الاقتصادي المتدهور من إجراء صفقة لشراء قوارب إطلاق قذائف وغواصات من النوع الأكثر تطورًا وطائرات حربية من روسيا بمبلغ 10 مليار دولار عام 2016، واشترت الجزائر أيضًا طائرات حربية مقاتلة وقوارب إطلاق صواريخ وغواصات بمبلغ 10 مليار دولار في عام 2016 أيضًا.

الكويت انضمت أيضًا لسباق التسلح هذا، وعقدت صفقات بمبلغ نصف مليار دولار لشراء الأسلحة، إضافةً إلى أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اشترى أسلحة بأكثر من 200 مليون دولار.

قطر أيضًا أبرمت مع فرنسا عقدًا بمبلغ 6.3 مليار يورو عام 2015 لشراء طائرات حربية مقاتلة من نوع رافال، ودخلت في صفقات أخرى أهم وأكبر بعد ذلك، ومع تصاعد خلافاتها مع جيرانها إبان أزمة الخليج.

طائرات رافال الفرنسية

ما الذي يدفع دول حوض المتوسط إلى التسلح بهذا الكم الهائل؟

اعتبر الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط «يوخن هيبلر»، قبل أزمة الخليج بكثير، في حديث لـ DW العربية: «أن قطر تتبع في السنوات الأخيرة سياسة خارجية ذات أهداف طموحة ، واتضح هذا الأمر في سوريا وفي غيرها من الدول بشكل مباشر أو غير مباشر، وإن شراء طائرات  «رافال» يشكل دعمًا عسكريًا لهذه السياسة الخارجية التي تسعى إلى كسب نفوذ على الصعيد الدولي».

في واقع الأمر شاركت قطر في حملة الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي، وفي شن ضربات جوية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية – داعش» في سوريا، وفي حملة التحالف الدولي التي تقودها السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ويبدو أن الهدف الأساسي من وراء هذا التحرك السياسي والعسكري القطري هو العمل على «لعب دور استراتيجي أكبر في منطقة الشرق الأوسط »، وفق تحليل صحيفة «نيويورك تايمز» في عددها الصادر في 30 من أبريل (نيسان) 2017.

وتضيف الصحيفة قائلة: «لقد رأت قطر أن أهمية دورها الاستراتيجي قد ازدادت في السنوات الأخيرة وسط التوترات السياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الصراعات المسلحة في كل من اليمن والعراق وليبيا وسوريا».

أما صحيفة «ليزيكو» الفرنسية، فرأت في عددها الصادر في الرابع من مايو (أيار) 2017: أنه من خلال مساعي قطر لكسب وزن على الصعيد الدولي من خلال تنظيم فعاليات عالمية على غرار مونديال 2022، ودعم أحزاب سياسية معينة، مثل الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية وسط أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي» فإنها تلعب بذلك دورًا مزدوجًا على الصعيد الدولي والصعيد العربي.

السعودية أيضًا تتبع سياسة التسلح، وتقوم بدعم دول أو جهات معينة، فهي تعمل على دعم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتدعم الجيش اللبناني من خلال تسليحه ليكون قادرًا على مجابهة حزب الله الشيعي الذي تدعمه إيران.

كذلك الأمر بالنسبة للإمارات التي لم تتوان عن عقد صفقات أسلحة، ودعم دول معينة على غرار صفقتها مع فرنسا أخيرًا لتزويد تونس بالسلاح بعد أن تولى حليفها آنذاك «الباجي قايد السبسي» الحكم خلفًا لحزب النهضة الإسلامي.

لا ريب أن الوضع المضطرب في المنطقة هو ما دفع بدول الخليج وباقي دول المتوسط إلى التسلح، تحسبًا من تهاوي أنظمتها، ومن أية اضطرابات قد تحدث داخل حدودها.

وفي السياق نفسه يقول الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط «يوخن هيبلر»: «نحن نعيش الآن في الشرق الأوسط، وخاصة في منطقة الخليج سباقًا في التسلح فرضته التطورات الأخيرة، فإذا ما نظرنا مثلًا إلى المملكة العربية السعودية، فسنجد أنها تقع من جهة في منافسة حادة ومنذ عقود مع إيران، عدوها اللدود في المنطقة، ومن جهة أخرى أصبحت الأزمات تقوم على أبوابها، على غرار الوضع المتوتر في اليمن والحرب في العراق ، حيث سيطر داعش على أجزاء واسعة منه، ناهيك عن الحرب المتواصلة في سوريا منذ أكثر من ست سنوات. يضاف إلى ذلك أن نفوذ السعودية في المنطقة يتسم بالتراجع إزاء تنامي النفوذ الشيعي الإيراني في كل من لبنان والعراق واليمن أيضًا».

صفقات السلاح العربية تنعش الاقتصاد الغربي

بعد ثورات الربيع العربي وانتشار التنظيمات المتطرفة الجهادية، مثل «داعش» في عدة دول عربية، وهي سوريا والعراق وليبيا والحوثيين في اليمن، أصبحت البلاد العربية سوقًا رائجة للسلاح العالمي، ليتم إبرام صفقات بمليارات الدولارات في العديد من العواصم العربية، وبالأخص الخليجية منها، وتلتهم من ميزانياتها الخاصة مثالًا لصفقة السلاح السعودية التي التهمت 25% من ميزانيتها، الأمر الذي سينعكس بالإيجاب على خزائن الدول الغربية وخزائن شركات السلاح المصنعة والمصدرة لتلك الأسلحة.

أبرز الدول العربية التي عقدت صفقات الأسلحة

السعودية التي كانت من أبرز الدول الحاصلة على أكبر صفقة أسلحة مع الولايات المتحدة الأميركية، كان هدفها الأول إنشاء شركة صناعات عسكرية وطنية باسم «الشركة السعودية للصناعات العسكرية» بهدف تحقيق الاكتفاء العسكري الذاتي وتقليص نسبة الاعتماد على مصادر خارجية للتسليح، حسبما أعلن صندوق الاستثمارات العامة في السعودية.

وكان هدفها الاستراتيجي أيضًا من هذه الشركة جعل السعودية شريكًا قويًا في قطاع الصناعات العسكرية على الساحة العالمية عبر إنشاء مصانع متطورة للسلاح في السعودية، ولتوطين 50% من إجمالي الإنفاق الحكومي العسكري في المملكة بحلول عام 2030، حسبما نقلت وكالة الأنباء السعودية «واس» عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

طائرات حربية أمريكية وحلف الناتو العربي

ينظر مراقبون إلى أن هذه الصفقات ستكون التحول الأكبر في العلاقات الأمريكية السعودية منذ تولي الرئيس الجديد دونالد ترامب زمام الحكم في أمريكا، مقارنةً بفترة التوتر المكتوم بين البلدين في عهد الرئيس السابق أوباما.

وفي ظل مواجهة الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية لما يصفونه بزيادة النفوذ الإيراني، وباعتبار أنهم ينظرون إلى إيران على أنها عدوّ يجب مواجهته، يجري الحديث عن تشكيل تحالف جديد في المنطقة ناتو عربي، يضم إلى جانب الولايات المتحدة دول الخليج ومصر والأردن.

زيارة ترامب للسعودية لعقد صفقات السلاح

صفقات السلاح تعوق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط

في ظل التدهور الاقتصادي الذي تشهده أغلب الدول العربية وأبرزها مصر، كشف تقرير للبنك  المركزي المصري أن حجم الدين العام المحلي تخطى التريليونين ونصف التريليون جنيه (نحو 150 مليار دولار)؛ مما استدعى إصدار حزب التحالف الشعبي بيانًا يحذر فيه من وصول مصر لنقطة خطر بالغ بما يشبه «عصر إسماعيل» (الخديوي إسماعيل) الذي تسبب في الاحتلال الإنجليزي لمصر.

وفي العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل مجلس الأمن على بعض الدول الأخرى مثل سوريا وليبيا، والتي كانت في الأساس تعيق أي تقدم اقتصادي لتلك المناطق، أتت صفقات السلاح العالمي لتسلب منها مبالغ هائلة من الاحتياطي الخاص بها، ليعيق بذلك أية محاولة لتجاوز المشاكل الاقتصادية، أو تنامي الاحتياطي العام لكل من هذه الدول.