أنفق العالم في عام 2015 وحده ما يقارب 1.7 تريليون دولار لم تكن على الصحة أو مساعدة المنكوبين أو حتى إعمار العالم، وإنما كانت تلك المليارات هي معدل الإنفاق العالمي على الأسلحة وهو الرقم الذي يعتبره البعض من أهم المعايير في تقييم قوة الجيوش في العالم، فيما يمكن اعتباره من ناحية غير عسكرية بأنه أحد أهم المؤشرات التي تنبئ بما ينتظر العالم من دمار وحروب أضعاف ما شهده حيث إن الأسلحة لم تعرف لها مهمة منذ اختراعها سوى قتل البشرية ودمار الحضارات، ذلك الدمار الذي لا يحط رحاله سوى في دول العالم الثالث فقيرة كانت أو غنية فمن خلال تفنيد ذلك الرقم نجد أن الحصص الأكبر منه تذهب إلى أكبر ثلاث دول ترعى الصراعات الدائرة في العالم اليوم وتسعى إلى تأجيجها وإطالة أمدها.

حيث تعد الولايات المتحدة الأولى، أكبر مصدري الأسلحة في العالم فقد بلغت نسبة صادراتها 33% في الفترة ما بين 2011 – 2015 وبذلك تسيطر على العدد الأكبر من أسواق السلاح في 94 دولة، بينما حلت روسيا في المرتبة الثانية بنسبة صادرات بلغت 25% من مبيعات العالم لنفس الفترة إلى حوالي 56 دولة، ثم تلتها الصين التي تمكنت أخيرًا من احتلال المرتبة الثالثة بعد أن استطاعت أن تزيد من صادراتها خلال الخمس سنوات الماضية بنسبة 143% لتتخطى ألمانيا وفرنسا وتستحوذ على حصة تقارب 5.9% من المبيعات العالمية.

أما أكثر دول العالم استيرادًا للسلاح وهي الدول التي ساهمت لأسباب عدة في رواج تجارة السلاح وانتعاشها تصدرتهم الهند التي تستورد 14% من أسلحة العالم، وتلتها السعودية بنسبة 7%، حيث ازداد معدل استيرادها للسلاح في الفترتين 2006-2010 ، 2011-2015 حوالي 275% وهي نفس الفترة التي ازداد خلالها معدل الاستيراد في الشرق الأوسط إلى 61% وكان من بين تلك الدول أيضًا الإمارات وباكستان وتركيا والجزائر (كل تلك المعطيات توضح لماذا يكون الفشل دائمًا حليف مبادرات السلام المطروحة لفض النزاعات والصراعات في العالم وبالتحديد في الشرق الأوسط).

وبالنظر إلى الدول المستوردة للأسلحة في العالم لا يمكن اعتبار غالبيتها في حالة صراع أو حروب مباشرة على أرض الواقع في حال استثناء التوترات السياسية والنزاعات الجغرافية التي تطفو على السطح من آن لآخر دون قتال، وبالتالي لا تُعد الدول التي تعاني من الإرهاب أو الحروب الأهلية والطائفية هي فقط التي تساهم في زيادة حجم تجارة الأسلحة في العالم ورواجها، حيث -وفقًا للدول المستوردة والمنتجة للأسلحة- يمكن اعتبار سباقات التسلح المحمومة بين العديد من دول العالم والتي تمتد غالبيتها لعقود هي المتسبب الأول لذلك الرواج، والتي عادةً ما تكون الخلافات التاريخية والحروب المرتقبة بين جارتين بما يدفعهم إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية.

هذا بالإضافة إلى الحروب الباردة بين الدول العظمى لقيادة العالم وتوسيع النفوذ بما يؤدي بهم إلى إمداد حلفائهم من الدول الأصغر المتحاربة بالأسلحة هي أحد أسباب تلك السباقات والعوامل التي تعزز من بقائها، وتعد نماذج سباقات التسلح التالية هي الأبرز في العالم نظرًا لما تخصصه تلك الدول من مليارات للإنفاق العسكري والتسلح شراءً وإنتاجًا حيث تبلغ نسب الإنفاق للدول الست التالية مجتمعة 832.34 مليار دولار.

أمريكا والصين:

تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأولى في العالم من حيث نسبة الإنفاق العسكري بلا منازع؛ فقد بلغت عام 2015 تلك النسبة 506.6 مليار دولار في حين ازدادت عام 2016 لتصبح 617.1 مليار، وهو الرقم الذي يصعب على الدول العظمى الأخرى رغم تقدمها الاقتصادي المشهود أن تتجاوز نصفه، فالصين التي تعد واحدة من أبرز المنافسين لأمريكا مناصفةً مع روسيا في ذلك المجال لا يتجاوز حجم إنفاقها المعلن 146 مليار لعام 2016، لتحتل بذلك المركز الثاني عالميًا رغم امتلاكها أكبر جيش في العالم من حيث عدد الجنود وتفوقها في أعداد المعدات العسكرية الخفيفة.

وتؤكد الولايات المتحدة باستمرار على أن الرقم الحقيقي للإنفاق العسكري الصيني أضعاف ماهو مصرح به، ولكن وبحسب المعطيات التي تنبئ بها سياسة الصين وخطواتها المدروسة التي يحيط بها الغموض أحيانًا فإن الإفصاح عن قوتها العسكرية الحقيقية ليس بالأمر الذي يصب في صالحها في الوقت الراهن وخاصة مع محاولات الصين المتكررة بالابتعاد عن الأحداث الدائرة في حين تحاول أمريكا توريطها لاستنزاف قدراتها المتنامية.

ويختلف السباق الأمريكي الصيني عن سباقات التسلح الأخرى، حيث إن الصين التي حققت ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال فترات قياسية تسعى من خلال ذلك السباق المحموم إلى مزاحمة أمريكا على مكانتها في قيادة العالم، بالإضافة إلى حرصها الدائم على امتلاك كل سلاح من شأنه أن يكون الرادع للقوة الأمريكية في حال توجهت إليها.

أما الولايات المتحدة والتي تؤرقها القوة المتزايدة للصين والتي قد تُخولها لأن تكون العنصر الحاكم لقواعد اللعبة الاستراتيجية في آسيا، تسعى إلى الاحتفاظ بالقوة العسكرية الأكبر في العالم والبقاء رغم كل التحديات والمتغيرات القطب الأوحد للقوة والقيادة ودحض أي محاولات صينية بتحالف روسي قد تمهد الطريق للوصول إلى غاياتهم في النهاية.

لذلك كان السباق جليًا للعالم منذ سنوات عديدة، ففي عام 2008 بدا واضحًا انتقال الولايات المتحدة من مرحلة الاعتماد على الأسلحة الثقيلة التقليدية إلى مرحلة تطوير الأسلحة الذكية العالية الدقة واستغلال التكنولوجيا وتقويضها عسكريًا، وبالتالي سعت الصين أيضًا منذ 2010 إلى إحداث طفرة عسكرية، حيث بدأت بالاستعراض العسكري من آن لآخر وتحديث طائراتها التي كانت غالبيتها تعود إلى الحقبة السوفياتية، وركزت جهودها على إنتاج وتصنيع الأسلحة والطائرات المشابهة لنظيرتها الأمريكية أو تتجاوزها أحيانًا، وكان أشهرها طائرة (J31) التي صنعتها على غرار (F35) الأمريكية، التي تعد أقوى مقاتلة في العالم.

ربما هي من أهم ما يمتلك سلاح الجو الأمريكي، في قدراتها القتالية، وصارت الطائرة الصينية متطابقة معها، إلى حد لا يمكن التفريق بينهما مما دعا الشركة المنتجة لـ (F35) لوكهيد مارتن إلى اتهام الصين بسرقة التصميم وهو ما قوبل بالنفي بالتأكيد، وتتميز الطائرتان بقدرتهما على التخفي من أجهزة الرادار والأنظمة الإلكترونية المتطورة والسرعة الفائقة، ولكن وكما تُعلن الصين فإن ما يميز (J31 ) هو تكلفتها الأقل من نظيرتها الأمريكية باهظة التكاليف، مما سيسمح للكثير من الدول باقتنائها، كما أنتجت الصين (J20 ) باعتبارها طائرة مكملة لـ (J31 ) كما هو الحال مع (J22) الأمريكية المكملة لـ (F35) والتي من المتوقع أن تدخل الخدمة بحلول 2018.

بالإضافة إلى ذلك كان أيضًا التنافس الشهير حول سلاح الليزر الأمريكي الأِشد فتكًا والذي تُكلف الطلقة الواحدة منه دولارًا واحدًا فقط، حيث يُطلق آشعة ليزر قادرة على إحراق الطائرات والقطع البحرية على مسافات بعيدة وتبلغ قدرته 30 كيلو واط وقد أعلنت عنه في 2014، وكان ذلك عقب إعلان الصين في 2013، عن نجاحها في تجربة لتطوير نظام جديد ودقيق يعمل بأشعة الليزر يمكنه إسقاط الطائرات الخفيفة دون طيار على ارتفاعات منخفضة.

ولكن الصين وبالتحديد بعد إعلان أمريكا عن سلاحها لم تكتف بما لديها، بل أشارت العديد من التقارير العسكرية إلى بدء الصين خطوة دفاعية في العمل على ابتكار سلاح قاذف للدخان من شأنه خلق ستار دخاني يقلل من فعالية سلاح الليزر في إصابة أهدافه، وهي الثغرة في ذلك السلاح التي استغلتها الصين لصالحها ولم تتمكن أمريكا من تفاديها.

ولا تتوقف الصين كما يعتقد البعض عند حد مجاراة تطور الأسلحة الأمريكية فقط، حيث استطاعت أن تحتل مكانة مهمة باعتبارها ثالث أكبر مُصدر للأسلحة في العالم، وذلك من خلال إنتاجها عدد ليس بالقليل من أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية محليًا، منها بدء إنتاجها لحاملة الطائرات الثانية لها في 2014 لتضمها إلى سلاح البحرية بحلول عام 2018، كما تُنتج صاروخ (SC-19) الذي يمكن توجيهه للفضاء بالأشعة تحت الحمراء لتدمير الأقمار الصناعية.

وتسعى الصين أيضًا وبشكل ملحوظ إلى تطوير قدرات جيشها بوتيرة أسرع من السنوات الماضية تزامنًا مع تسارع الأحداث على الساحة الدولية، لذلك احتلت أيضًا المرتبة الثالثة عالميًا من حيث الدول الأكثر استيرادًا للأسلحة، حيث تسعى إلى امتلاك أربع حاملات طائرات إضافية لتحمي مصالحها في المحيطات المفتوحة، كما تمتلك صواريخ (DF-21D) التي تستوردها من روسيا، وهي صواريخ باليستية متوسطة المدى مضادة للسفن صُنعت لمهاجمة حاملات الطائرات وهو أخطر ما يهدد الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك فقد أبرمت صفقة في إبريل (نيسان) 2015 تشمل صواريخ (S400, S300) وأعقبتها بصفقة أخرى لشراء 24 مقاتلة روسية من طراز (SU35)، أما الولايات المتحدة فتحتل مراتب متأخرة في الاستيراد نظرًا لميزانيتها الضخمة التي تخصصها للإنتاج المحلي، فكانت أحدث تجاربها في أغسطس (آب) 2016، حيث فشلت في تجربة إطلاق صاروخ بسبب خلل أثناء إطلاقه أدى إلى انفجاره، وهو السلاح الذي لم يكن معلنًا عنه من قبل حيث يندرج ضمن برنامج إنتاج صاروخ قادر على تدمير الأهداف في أي مكان على الأرض تحت اسم (mach5).

الهند وباكستان

لا يعد سباق التسلح بين الهند وباكستان بالأمر الذي قد يثير دهشة، فمن هو ملم ولو بالقليل من تاريخ الدولتين المتجاورتين سيعرف ذلك، حيث لم تتجاوز أيًا منهما ذكرى ثلاثة حروب خاضوها عام 1947، و1965، و1971، وصراعات سياسية وجغرافية ما زالت دائرة على إثرها حتى اليوم حول إقليم كشمير مما جعل كلا البلدين في حالة تأهب دائم لصراع مستقبلي محتمل، وقد كلفهم ذلك مليارات الدولارات للتسلح العسكري والانخراط في السباق النووي للردع والحماية وشن الهجمات أيضًا إن تطلب الأمر.


الهند ومنذ الخمسينيات، شرعت في إصدار قوانين خاصة بالطاقة الذرية، كما أنشئت وحدات للبحث عن الخامات النادرة ومن ثم أنشئت هيئة الطاقة الذرية، ليكون محصلة ذلك عام 1974 التفجير والتجربة النووية الأولى لها، والتي كانت لأغراض سلمية كما أشاعت آنذاك، لتستمر بعد ذلك في تطوير قدراتها النووية حتى كان عام 1998، حيث أجرت خمس تجارب في يومي 11، 13 من مايو (أيار) لتلفت من خلالها أنظار العالم أجمع إلى قدراتها ومدى التطور الهائل الذي أحرزته عسكريًا.

أما باكستان فقد بدأت مسيرتها النووية منتصف الخمسينيات تبعًا لتحركات الهند التي وبتجربتها الأولى في السبعينيات منحت الحكومة الباكستانية مزيدًا من الإصرار على امتلاك سلاح نووي، لذلك لم يكن الرد الباكستاني متأخرًا على تجارب الهند الخمسة في 1998، حيث أجرت هي الأخرى خمسة تفجيرات في يوم 28 مايو (أيار) وزادت عليها تجربة سادسة تلت الأولى بيومين، وبالتالي كان الإعلان الرسمي عن سباق التسلح حتى وإن قابله الطرفين بالنفي، فمنذ ذلك الحين وبحسب التقديرات العالمية أجرت البلدان المئات من التجارب النووية كان منها ما أجرته الهند في 2008 ومن ثم في 2011 لصاروخ باليستي قادر على حمل طن من القنابل النووية، والذي يبلغ مداه من تسعة :12 ألف كيلومتر وسرعته تفوق سرعة الصوت بنحو ست مرات.

وبالتالي كانت في المقابل التجربة الباكستانية في 2014 حيث نجحت في إطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى بإسم شاهين2 (حتف6) قادر على حمل رأس نووي، ويصل مداه إلى 1500 كم.

وبحسب التقرير الصادر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام العالمي فإن الهند تمتلك حوالي 100 -110 رأس نووي، في حين تمتلك باكستان 120-130 رغم أزمتها الاقتصادية وتدني مستوى الخدمات المقدمة إلى المواطن، حيث يرفع العديد من الباكستانيين شعار ذو الفقار علي بوتو «سنأكل العشب لنصنع سلاحًا نوويًا يردع الهند».

وهي المنافسة التي تطلبت منهم وما زالت تتطلب العمل على تعزيز الإمكانيات العسكرية باستمرار بغض النظر عن المتغيرات الاقتصادية، وهي الجهود التي كانت جلية، حيث ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري الباكستاني من خمسة مليارات دولار إلى سبعة مليارات عام 2015 ومن ثم 8.6 عام 2016، في الوقت الذي تعتبر الهند ضمن الدول الأكثر إنفاقًا عسكريًا والمستورد الأول للأسلحة عالميًا، حيث ارتفعت الميزانية العسكرية لها خلال العقد الأخير فقط من 20 مليار دولار إلى 46.64 عام 2016.

الهند التي تسعى إلى جانب تنافسها مع باكستان إلى اللحاق بالتطور العسكري الصيني حيث تشهد الحدود بينهما توترات من حين لآخر، بدأت منذ التسعينيات وبالتعاون مع روسيا في إنتاج صاروخ براهموس الذي يصل مداه إلى ثلاثة آلاف كم، في حين يصيب الأهداف على ارتفاع 15 كم، بالإضافة إلى استثمارها في الوقت الحالي وباعتبارها مرحلة أولية بأكثر من 230 مليون دولار أيضًا مع روسيا، في إطار تطوير المقاتلة (T50).

ونجحت الهند عام 2015 في تجربة حاملة الطائرات الأولى من إنتاجها المحلي وهو الإنجاز الذي يُخولها الدخول إلى مجموعة الدول المصنعة لها، كما تنتج نظام إطلاق الصواريخ متعدد القواذف (بيانكا) ومجموعة من المدمرات والفرقاطات البحرية أحدثها (فيشاخاباتنام)، والتي من المقرر دخولها الخدمة في 2018، وهي واحدة ضمن مشروع لبناء أربعة مدمرات بتكلفة 4.7 مليار دولار في خطوة اعتبرها البعض خطة استراتيجية لمواجهة التوسع الصيني في المنطقة.

الجدير بالذكر هو الاهتمام الذي توليه الهند إلى تصدير الأسلحة وقطع غيار السفن والمقاتلات (رغم كونها من الدول الأكثر استيرادًا سيرًا على خطى الصين في ذلك) حيث تجني من خلال ذلك ما يقارب 150 مليون دولار سنويًا، فيما تسعى إلى زيادة حجم صادراتها إلى 20 ضعف خلال العشر سنوات القادمة لتصل إلى ثلاثة مليارات دولار.

أما باكستان فلم تتوقف هي الأخرى عن تطوير السلاح النووي، فمنذ عام 1975 تنتج باكستان الكثير من الأسلحة محليًا، منها الأسلحة الخفيفة والذخيرة، كما طورت المكائن الثقيلة والمعقدة والصناعات البحرية حتى تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي منها ثم بدأت بالتصدير إلى 35 دولة منها بنجلاديش وميانمار، بالإضافة إلى ذلك وبالتحالف مع الصين تُنتج طائرة (JF17 الرعد)، بتكلفة 15 مليون دولار، وقد دخل أول سرب منها إلى الخدمة بالفعل في 2010.

وتعتزم باكستان إنتاج 25 طائرة من نفس الطراز سنويًا تمنح منهم 16 إلى الجيش وتُصّدر العدد المتبقي إلى الدول الأخرى، وتتعاون مع الصين أيضًا منذ التسعينيات في إنتاج دبابة مقاتلة (الخالد) والعديد من أنواع الصواريخ منها حتف (5، 7، 8، 9) بالإضافة إلى (شاهين3) الذي يبلغ مداه 2750 كم.

المغرب والجزائر

في خضم سباقات التسلح العالمية السابقة تأتي سباقات التسلح العربية في مراكز متأخرة، وهو الأمر الذي يرجع إلى نسب الإنفاق والميزانية العسكرية المتدنية، مقارنًة بالدول العظمى بالإضافة إلى اعتماد غالبية الدول العربية على استيراد الأسلحة لا إنتاجها محليًا وتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض منها.

من أبرز سباقات التسلح العربية ذائعة الصيت كان السباق المغربي الجزائري، حيث احتلت كلا الدولتين في الأعوام الماضية مراتب متقدمة في إفريقيا والشرق الأوسط باعتبارها أكثر الدول سعيًا إلى التسلح في المنطقة دون حالة حرب، فقد اقتنى المغرب 2% من صادرات السلاح في العالم ليحل في المرتبة 13 عالميًا، بينما احتلت الجزائر المرتبة 11 لاقتنائها 3% وبالتالي تعتبر الجزائر المستورد الأول للسلاح في إفريقيا يتبعها المغرب، ويأتي التفوق الجزائري في إطار مدخولها النفطي الذي يدعم الاقتصاد المحلي بعكس المغرب.

وترجع أسباب ذلك السباق المحتدم بين الجارتين إلى الصراعات الجغرافية التي جعلت كلا الطرفين في حالة تأهب وحذر لأي تطورات تستدعي استخدام السلاح، حيث تعتبر الصحراء الغربية الواقعة بين الجزائر والمغرب وموريتانيا هي أرض مشكلة للقلاقل دائمًا.

يسيطر المغرب على 80% من تلك الأرض ويحكمها باعتبارها أقاليمه الجنوبية، وهو الوضع الذي ترفضه جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، التي تطالب بإعلانها أرضًا مستقلة تحت اسم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وبالتالي تهدد الجبهة من حين لآخر بالعودة إلى السلاح في حال حاول المغرب استغلال تلك الأراضي، رغم اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في التسعينيات.

وكان أحدث جولات ذلك الصراع في أغسطس (آب) من عام 2016، حيث قامت الجبهة بحشد دباباتها وقواتها العسكرية لمنع المغرب بالقوة والقتال إن تطلب الأمر من تمهيد طريق تجاري يربطها مع موريتانيا قد بدأت في تنفيذه، وبإعتبار أن الجزائر تُقدم الدعم للجبهة فهي بذلك في نظر بعض المراقبين، طرفًا أساسيًا في النزاع.

ولكن الجزائر وإلى جانب سعيها إلى التسلح لمواجهة المغرب في حال احتدم الأمر فهي أيضًا تسعى من خلال ذلك إلى استنزاف الاقتصاد المغربي الذي يحاول مجاراتها بالإضافة إلى تعزيز قواها الدفاعية لما يحيط بها من توترات سياسية، كما يشير البعض إلى محاولاتها تقوية مكانتها واحتلال الصدارة باعتبارها قائدًا لدول المغرب العربي.

وبالتالي ونتاجًا لتلك العوامل وضعت كلا البلدين أعلى ميزانية بالنسبة لاقتصادهما في خدمة التسلح العسكري، فبلغت نسبة الإنفاق العسكري الجزائري 10.572 مليار دولار لعام 2015 بحسب تقرير معهد جلوبال فاير باور الأمريكي، بينما بلغ الإنفاق المغربي 3.5 مليار دولار لنفس العام، وهي المبالغ التي تبرم بها الدولتان صفقات السلاح المعلنة وغير المعلنة وعمليات الصيانة السنوية.

ومن تلك الصفقات ما كان عام 2009 حيث اضطرت الجزائر إلى إبرام صفقة شراء ستة فرقاطات حربية بقيمة أربعة مليارات يورو مع شركة إيطالية بعدما تخلت عن شراء الفرنسية حيث سبقها المغرب إلى تلك الصفقة وبالتالي لم تشأ الحكومة الجزائرية امتلاك تكنولوجيا مشابهة لخصمها رغم فارق التكاليف التي تكبدتها.

الفرقاطة هي قطعة بحرية عسكرية تتميز الفرنسية منها بحجم حمولتها التي تصل إلى 5500 طن كما تتوفر بها 32 خلية لإطلاق الصواريخ، وبالإضافة إلى فوز المغرب بتلك الصفقة فقد عقد العديد من الصفقات الناجحة الأخرى منها في صيف 2011 لشراء 24 مقاتلة أمريكية F6 بلوك، وعام 2014 أبرمت اتفاقية كبرى تضم نظامين للدفاع الأرضي والجوي ونظام (بوك م1) المضاد للطائرات مع روسيا في إطار تنويع مصادر الشراء وتعزيز العلاقات مع كافة أطراف القوى.

وتبع ذلك صفقة روسية أخرى عام 2016 للتزود بغواصات (أمور 1650) وطلب آخر خلال نفس العام إلى شركة سلاح متخصصة لاقتناء خمسة سفن لمراقبة الحدود وثلاث مروحيات أمريكية بقيمة 134 مليون دولار.

أما الجزائر صاحبة الميزانية الأكبر فقد اقتنت ما بين 2010 إلى 2014 حاملة ضخمة لطائرات الهليكوبتر من إيطاليا، و 48 نظامًا معلوماتيًا متطورًا للدفاع الجوي من روسيا، و50 قذيفة ذاتية الدفع من الصين، بالإضافة إلى العديد من الصفقات الأخرى مع دول الإتحاد الأوروبي بلغت قيمتها بين 2009 – 2012 ما يزيد عن 2.8 مليار يورو.

وبحسب تقرير المركز البريطاني فلايت جلوبال، فقد تسلمت الجزائر طائرتي هليكوبتر (ميل مي 26) في 2015 كما وقعت صفقة بقيمة اثنين مليار و 800 مليون دولار رغم تراجع عائدات النفط بحسب جريدة توسير ألجيري الناطقة بالفرنسية، وتشمل هذه الصفقة 40 مروحية من نوع (MI-28NE)، و12 طائرة (سوخوي 30)، و40 دبابة (T90)، مع محاولات جزائرية دائمة إلى التكتم وإضفاء السرية على الكثير من صفقاتها مع روسيا منذ عام 2011، والتي كان أبرزها في 2015 حيث سُربت صفقة تضم صواريخ الاعتراض (S400)، وهي الصواريخ القادرة على التصدي لجميع أنواع الطائرات، ورغم التسريبات فقد التزم الطرفين الصمت دون نفي أو تأكيد وهو ما اعتبره البعض مناورة سياسية متعمدة.

جدير بالذكر أن عدد اللاجئين الذين فروا من الحروب والنزاعات في العالم بلغ 65.3 مليون شخص في 2015 بحسب مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة غالبيتهم دون مأوى أو طعام، كما بلغت نسبة الذين يعانون من نقص التغذية والجياع في العالم لنفس العام 795 مليون شخص، في حين صرحت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن ما يحتاجه العالم للقضاء على الجوع والفقر في أنحاء الأرض كافة هو أربعة تريليون دولار، أي ما يعادل أقل من ثلاث سنوات فقط من معدل الإنفاق الدولي على التسلح.

المصادر

تحميل المزيد