56,331

بعد الجنون الذي اجتاح العالم مؤخرًا، بفعل الحروب والنزاعات الإقليمية، وقمع المعارضين بواسطة الأنظمة الحاكمة، ووصول بعض أتباع اليمين المتطرف لسدة الحكم في البلاد التي تتبنى الحرية، وفرار اللاجئين السوريين والأفارقة نحو أوروبا هربًا من موتٍ مؤكد نحو موت محتمل، اتجهت أنظار العرب والمسلمين المتضررين من الظروف الجديدة في العالم نحو كندا، باعتبارها جنة عدن. حيث الحكومة العادلة راعية الإنسانية ونصيرة الشعوب المغلوبة على أمرها، وأداء رئيس وزرائها الودود، بابتسامته الرائقة وملابسه غير المتكلفة، ومظهره الجذاب، الذي يؤهله لأن يكون أيقونة سينمائية بامتياز.

لكن ما لا يعرفه البعض أن لكندا وجهًا آخر، وأن ترحيبها باللاجئين واحتفاء رئيس وزرائها الوسيم بكل المناسبات الإسلامية والعربية وحرصه الدائم على الظهور خلال الاحتفال بها، واحترامه لعادات وتقاليد المسلمين، ليس أمرًا عفويًا أو يعكس سياسة البلد الذي يبدو وكأنه يدعم الحريات والأقليات ويرحب بالمسلمين أيما ترحيب، ويناصر الشعوب المقهورة، وأن لـ«الجميلة» كندا وجهًا آخر.

اقرأ أيضًا: بالصور، استقبال كندي غير مسبوق للاجئين السوريين

جني المليارات أهم من الالتزام بالخطب الرنانة والشعارات: صفقة الـ15 مليار دولار

برغم كل ما يثار حول دور المملكة العربية السعودية وحربها في اليمن، وبرغم التعليقات والاعتراضات الدولية التي تثار حول حرب اليمن، والتي قضى خلالها العديد من المدنيين العزل نحبهم، وتسببت في تفشي الأوبئة وخاصة الكوليرا التي تجاوز عدد حالات الإصابة بها 100 ألف حالة يمنية طبقًا لمنظمة الصحة العالمية، وانتشار المجاعات، وتحول اليمن من اليمن السعيد إلى اليمن البائس، وهي الحرب التي تدخلت فيها عشر دول بقيادة المملكة العربية السعودية، ومرورًا بما يثار حول القبضة الأمنية الحديدية وقمع المعارضين السعوديين، وآخرها ما حدث في حي المسورة ببلدة العوامية، موطن رجل الدين الشيعي نمر النمر الذي أعدمته السعودية قبل عام ونصف، وتصريحات منظمة هيومان رايتس ووتش عن إغلاق البلدة وحجم الدمار الذي أُلحق بها،  إلا أن هذا كله لم يمنع كندا من أن تعقد أكبر صفقة أسلحة مع المملكة العربية السعودية في أبريل (نيسان) 2016.

اقرأ أيضًا: نزوح وحصار وقتل.. كل ما قد تريد معرفته عن معركة الرياض السرية في العوامية

بلغت قيمة الصفقة 15 مليار دولار، وفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام وعلى رأسها صحيفة ناشيونال بوست الكندية، حيث ستتسلم المملكة السعوديةُ النسخةَ الحديثة من السيارة المُدرعة (لاف 3)، التي يبلغ وزنها 19.950 كيلوجرامًا وتبلغ سرعتها 100 كيلومتر في الساعة وقادرة على حمل ثلاثة أفراد عسكريين وسبعة ركاب، وسيتم تزويدهم بأسلحة عديدة غير عادية مثل قاذفة قنابل عيار 76 ملي ومدفع عيار 25 ملي ومدفع رشاش أعلى السيارة مقاس 5.56 أو 7.62 ملي، وهي تُعد العربة الأشد تسليحًا بين جميع العربات المدرعة التي يستخدمها الجيش الكندي.

هذه الصفقة الكبرى التي سمحت لكندا أن تتبوأ مركز صدارة بين أهم بائعي الأسلحة والمعدات العسكرية في العالم، ففي العام 2014 احتلت كندا المرتبة السادسة عالميًا في لائحة الدول المصدرة للسلاح في الشرق الأوسط، بينما قفزت في العام 2015، لتحتل المرتبة الثانية، بزيادة حجم مبيعاتها من الأسلحة بنسبة وصلت إلى 430%، حيث تبلغ قيمة مبيعاتها حوالي 2.7 مليار دولار سنويًا.

حكومة كندا: أبرمنا العقد وإنا له لحافظون

بالرغم من أن الجدل حول هذه الصفقة كان قد أُثير  قبل وصول «جاستن ترودو» إلى السلطة بأشهر قليلة، وتوقع الكثيرون أن يتم إلغاؤها بعد الشعارات الإنسانية التي تبنتها وروجت لها حملة ترودو، لكن عملية إتمام الصفقة تمت بشكل طبيعي وسلس بعد وصول ترودو للحكم، واكتفت الحكومة الكندية بأن تخلي ذمتها بإعلان نفسها مشاركًا سلبيًا في الصفقة، قائلة إنها لا تملك من الأمر شيئًا، فالصفقة تمت بين إحدى الشركات الكندية الخاصة وبين المملكة العربية السعودية.

لكن قناة فايس فجّرت مفاجأة كشفت فيها زيف هذه التصريحات، بناءً على وثائق حصلت عليها،  توضح أن الحكومة الكندية ليست طرفًا سلبيًا كما تزعم، بل إنها وبعلم من رئيس الوزراء، تُوفر قواعد وأطقمًا عسكرية، وموارد لازمة لإجراء اختبار قيادة هذه المدرعات الثقيلة التي اشترتها المملكة السعودية.

الأمر الذي دفع رئيس الوزراء إلى تبرير ذلك بأن الصفقة قد أُبرمت بالفعل، وأن العالم يعرف عن الحكومة الكندية أنها تحترم العقود التي توقع عليها وتلتزم بها، حتى وإن كانت هذه العقود المبرمة ستتسبب في قتل وتشريد الآلاف، وتخالف شعارات حقوق الإنسان ونشر السلام الذي تتغنى به كندا.

الاحتيال على القوانين وبيع السلاح للأطراف المتناحرة عبر سماسرة

في أغسطس (آب) الماضي، نشرت «سي بي سي نيوز» تقريرًا مفصلًا، عن قيام شركات كندية ببيع عربات مدرعة إلى مناطق مزقتها الحروب في القارة الأفريقية، بالرغم من وجود قوانين ولوائح كندية تحظر بيع وتصدير أي معدات عسكرية إلى مناطق الحروب.

Embed from Getty Images
جندي سوداني يتابع دورياته بعد اشتباكات بين الجيش وقوات جنوب السودان في بلدة تلودي في جنوب كردفان عام 2012.

بسبب العنف الدائر في السودان وبخاصة دارفور، كانت الحكومة الكندية قد أصدرت لوائح تمنع بيع السلاح أو المعدات العسكرية وشبه العسكرية لأي شخص أو جهة سودانية، لكن هذا لم يمنع شركة «ستريت جروب» المملوكة لشركة رجل الأعمال الكندي جورمان جوتوروف، في 2012، من بيع وتصدير 30 عربة مدرعة من نوع «تيفون» المجهزة بمنافذ للبنادق، مما يجعلها جاهزة لإلحاق الأسلحة بها بسهولة، إلى السودان، عبر مصنعها التابع للمجموعة في الإمارات.

وقالت الشركة الكندية إنها لم تخالف الأنظمة أو اللوائح الموضوعة من قبل الحكومة الكندية، وأنها لم تفعل أي شيء خاطئ، وأن هذه المعدات العسكرية تم تصنيعها وشحنها من الإمارات العربية المتحدة، وعندما سُئل المتحدث باسم المجموعة الكندية عن بيع مماثل لجنوب السودان، أصر على أن العربات التي تم تصديرها لا يمكن تصنيفها بأنها معدات عسكرية.

وقد أظهر التحقيق الذي أجرته صحيفة جلوب أند ميل على مدار 18 شهرًا،  زيادة في مبيعات الشركة الكندية للمعدات العسكرية إلى البلدان ذات السجلات الضعيفة في حقوق الإنسان والقمع، وأن ستريت جروب قد باعت ما يزيد عن 170 مدرعة عسكرية مصفحة لجنوب السودان، حيث ذكر باحثون مستقلون أجرت معهم الصحيفة مقابلة خلال تقصيها عن هذا الأمر، أن هذه المدرعات تم استخدامها بواسطة قوات الأمن السودانية في كلٍ من دارفور وكردفان، حيث تم استخدامها في المعارك الوحشية التي دارت لقمع المتمردين.

كندا لا تبالي بقوانين الأمم المتحدة وتحتال من أجل بيع الأسلحة

في العام 2014، اتهمت لجنة في الأمم المتحدة عبر تقرير لها شركة «ستريت جروب» بانتهاك الحظر الدولي المفروض على تصدير الأسلحة في ليبيا عام 2012، حيث باعت المجموعة الكندية 131 مدرعة عسكرية لليبيا دون الحصول على موافقة مسبقة من لجنة العقوبات بالأمم المتحدة، وأشارت اللجنة إلى أن هذه المدرعات تم شحنها مباشرة من الأراضي الكندية، بعد تصنيعها في مصنع مخصوص للنقل غير المشروع في شمال تورونتو.

Embed from Getty Images
جنود من فجر ليبيا يتخذون مواقعهم في الاشتباكات مع القوات الموالية لحفتر.

وبالرغم من ذلك وبناءً على تقرير نشرته سي بي سي نيوز في أغسطس (آب) 2016، فإن شركة مملوكة لكنديين، واصلت شحن ناقلات جنود إلى ليبيا.

وأوضحت الوثائق المسربة لسجلات الشحن وجداول تسليم المبيعات والتي اعتمدت عليها سي بي سي نيوز في تقريرها، أن الشركة لم تستجب لتقرير لجنة الأمم المتحدة وواصلت شحن مدرعاتها إلى الدولة الأفريقية العربية المضطربة. وأنه في 2014، تم شحن ما لا يقل عن 79 مدرعة تيفون وسيارات دورية مصفحة إلى ليبيا.

وأعربت بعض منظمات حقوق الإنسان عن مخاوفها من أن تكون هذه المبيعات والممارسات من جانب الشركة الكندية قد ساهمت بشكل أو بآخر في إشعال المعارك الوحشية في ليبيا كما فعلت في السودان،

حيث صرح «أليكس نيف» الأمين العام لمنظمة العفو الدولية في كندا قائلًا: «ليس هناك شك في أن قرار بيع هذه المعدات العسكرية إلى هذين البلدين – السودان وليبيا –  ساهم بشكل مباشر وغير مباشر أيضًا في تدهور حقوق الإنسان في البلدين، لكن من الواضح أن هذا لم يكن شيئًا في حسبان الشركة المصدرة».

وتقول كندا إن صفقات هذه الأسلحة قد تمت في الإمارات المتحدة العربية وعبر وساطتها، مما يجعل كندا مكبلة اليدين في التعامل مع تصدير هذه الأسلحة للدول المضطربة.

لكن هذه المزاعم لم تنطلِ على «أليكس نيف»، وقال إن: تصريحات الحكومة الكندية مخيبة للآمال، وبخاصة أن بيع هذه المعدات العسكرية لهذه البلاد، ساهم بشكل كبير في إشاعة الفوضى والدمار خلال السنوات الخمس الماضية.

كما ذكرت تقارير للأمم المتحدة أن الحكومة الكندية صادقت على مبيعات الشركة وصادرتها عام 2012، والتي كان من بينها شحنة المدرعات إلى ليبيا، في حين ادّعت الحكومة أن أي قرار يتعلق بحظر التصديق على الصادرات، يتم فقط عندما تكون هذه الصادرات محظورة بسبب العقوبات الحالية التي تفرضها الأمم المتحدة على ليبيا، في حين أن قرار الأمم المتحدة الصادر عام 2013، سمح بتخفيف الأوضاع إلى حد ما، من خلال السماح بنقل المعدات غير الفتاكة، التي يمكن أن تشمل ناقلات أفراد مدرعة عسكرية غير مسلحة، أو ناقلات جنود مفخخة، وهذا ما فعلته الشركة، وأحالت الحكومة الكندية الأمر إلى قرار الأمم المتحدة، قائلة إنه كان قرارًا غير صائب، لكنه بالرغم من ذلك، لا يضع الحكومة الكندية أو يضع ستريت جروب في موقف مساءلة.

كندا تنضم إلى المعاهدة العالمية لتجارة السلاح.. فهل ستتخلى عن تجارتها المربحة؟

بموجب هذه المعاهدة العالمية التي تضم 130 دولة وانضمت إليها كندا في أبريل (نيسان) الماضي، يتوجب على الحكومة الفيدرالية أن تقف على تنفيذ ضوابط السمسرة على مبيعات الأسلحة، مما يعني أن الشركات الكندية التي تبيع الأسلحة من خلال شركات أجنبية وسيطة للهروب من المساءلة، لن تستطيع أن تتحايل مرة أخرى بفعل هذا القانون الجديد.

وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند (المصدر: رويترز).حيث ستحتاج هذه الشركات إلى إذن من الحكومة الفيدرالية قبل إبرام أي صفقة، حيث ستُطبق القوانين واللوائح الكندية الخاصة بتجارة الأسلحة والتي كان يتم التحايل عليها بإبرام الصفقات خارج أراضيها وعبر وساطة، على أي منظمة كندية، أو مواطن كندي أو مقيم دائم.

لكن وبالرغم من صرامة التشريعات الموضوعة في هذه المعاهدة العالمية، فيكفي أن نعرف أن كسر هذه القوانين يقابله فقط غرامة تصل إلى ربع مليون دولار، الأمر الذي قد يجعل كسرها أمرًا يسيرًا على لوبي تجارة الأسلحة الكندي، وبخاصة أن أرباح تجارة الأسلحة أرباحٌ مهولة وخيالية.